.
في مختبرات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، لم يكن الباحثون يحاولون فقط تطوير حساس جديد للسيارات الذاتية القيادة، بل كانوا يعملون على حل واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا في مستقبل الآلات الذكية: كيف يمكن منح الذكاء الاصطناعي “عينًا” صغيرة، دقيقة، وسريعة بما يكفي لفهم العالم الحقيقي؟
النتيجة جاءت في صورة إنجاز تقني قد يبدو للوهلة الأولى شديد التخصص، لكنه يحمل آثارًا قد تمتد إلى كل شيء حولنا، من السيارات والطائرات المسيّرة إلى الروبوتات المنزلية والنظارات الذكية. فقد أعلن باحثون من MIT عن تطوير بنية فوتونية جديدة لحساسات LiDAR، تسمح ببناء أنظمة رؤية ثلاثية الأبعاد أصغر حجمًا وأكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة، دون الحاجة إلى الأجزاء الميكانيكية الضخمة التي كانت تمثل العائق الأكبر أمام انتشار هذه التقنية.
ورغم أن الخبر يبدو أكاديميًا وتقنيًا، فإن ما يحدث هنا قد يكون جزءًا من التحول الكبير القادم في عالم الذكاء الاصطناعي المجسّد، حيث لا يكفي أن “يفكر” النظام الذكي، بل يجب أيضًا أن “يرى” ويفهم البيئة المحيطة به لحظة بلحظة.
تقنية LiDAR، التي تعني “كشف الضوء وتحديد المدى”، تعمل بطريقة تشبه الرادار، لكن باستخدام الليزر بدل الموجات الراديوية. يطلق النظام نبضات ضوئية سريعة جدًا، ثم يقيس الزمن الذي تستغرقه هذه النبضات حتى ترتد من الأجسام المحيطة. ومن خلال ملايين القياسات في الثانية، يتمكن الجهاز من بناء خريطة ثلاثية الأبعاد دقيقة للعالم المحيط.
لهذا السبب أصبحت LiDAR من أهم تقنيات السيارات الذاتية القيادة، إذ تمنح المركبة قدرة على “رؤية” الطريق والمشاة والعوائق حتى في ظروف الإضاءة المعقدة. كما تستخدم في الروبوتات الصناعية والطائرات المسيّرة والمسح الجغرافي وحتى التطبيقات العسكرية.
لكن هذه التقنية ظلت تواجه مشكلة أساسية: الحجم والتكلفة والتعقيد الميكانيكي.
فأنظمة LiDAR التقليدية تعتمد غالبًا على أجزاء متحركة ومرايا دوارة تقوم بمسح البيئة المحيطة ميكانيكيًا. وهذا يجعل الأجهزة كبيرة الحجم، مرتفعة السعر، وأكثر عرضة للاهتزاز والتلف مع الزمن. لذلك بدت فكرة وضع LiDAR صغير داخل هاتف ذكي أو نظارة ذكية أو روبوت منزلي أمرًا بعيد المنال.
هنا تحديدًا يأتي الابتكار الجديد من MIT
بدل الاعتماد على المكونات الميكانيكية، استخدم الباحثون ما يعرف بالفوتونيات السيليكونية، وهي تقنية تسعى إلى التحكم بالضوء داخل شرائح إلكترونية صغيرة جدًا، تمامًا كما تتحكم المعالجات الإلكترونية بالكهرباء داخل الحواسيب.
بمعنى آخر، بدل تحريك المرايا لتوجيه الليزر، أصبحت الشريحة نفسها قادرة على توجيه الضوء إلكترونيًا دون أي حركة ميكانيكية. وهذا تطور بالغ الأهمية، لأنه يفتح الباب أمام تصنيع أنظمة LiDAR صغيرة للغاية، قابلة للإنتاج بكميات ضخمة، وأقل استهلاكًا للطاقة.
الوصول إلى هذا الهدف لم يكن سهلًا
المشكلة الكبرى التي واجهت الباحثين كانت ظاهرة تعرف باسم “التداخل الضوئي” أو Crosstalk. فعندما توضع الهوائيات الضوئية داخل الشريحة بالقرب من بعضها، تبدأ الإشارات الضوئية بالتداخل، مما يسبب تشوهات وضوضاء وأخطاء في الرؤية. وفي بعض الحالات تظهر “نسخ وهمية” من الشعاع الليزري، وهي مشكلة خطيرة بالنسبة لأي نظام يعتمد على الإدراك الدقيق للبيئة.
لحل هذه المعضلة، طور فريق MIT تصميمًا غير تقليدي يعتمد على هوائيات ضوئية مختلفة هندسيًا بدل أن تكون متطابقة. كل هوائي يمتلك عرضًا وخصائص انتشار مختلفة قليلًا عن الآخر، ما يقلل من التداخل بشكل كبير ويسمح بتقريب الهوائيات داخل الشريحة دون فقدان الجودة.
النتيجة كانت نظامًا أكثر استقرارًا، أوسع مجالًا للرؤية، وأقل ضوضاء، مع إمكانية تصغير الحساسات إلى مستويات لم تكن ممكنة سابقًا.
هذا التطور لا يتعلق فقط بالسيارات الذاتية القيادة كما قد يبدو. فالحقيقة أن العالم يتجه اليوم نحو مرحلة جديدة من الذكاء الاصطناعي، لا يكون فيها الذكاء مجرد برنامج داخل شاشة، بل كيانًا قادرًا على التفاعل المادي مع العالم الحقيقي.
الروبوتات البشرية، والطائرات المسيّرة المستقلة، والأنظمة الصناعية الذكية، كلها تحتاج إلى فهم ثلاثي الأبعاد دقيق للبيئة المحيطة. والكاميرات التقليدية، رغم تطورها، لا تكفي وحدها دائمًا، لأنها تعتمد على الضوء المرئي وقد تواجه صعوبات في قياس العمق والمسافات بدقة.
أما LiDAR، فيمنح الآلة نوعًا من “الإدراك المكاني” المتقدم، يجعلها تفهم المسافات والأبعاد والحركة بشكل أقرب إلى الطريقة التي يدرك بها البشر العالم من حولهم. ولهذا يرى كثير من الباحثين أن مستقبل الذكاء الاصطناعي المجسّد لن يعتمد فقط على تطور النماذج اللغوية أو الخوارزميات، بل أيضًا على تطور “الحواس” الإلكترونية التي تربط الذكاء بالعالم الفيزيائي. ومن هنا تأتي أهمية الفوتونيات السيليكونية نفسها، وهي مجال يزداد الاهتمام به عالميًا بوصفه أحد المسارات المحتملة لما بعد الإلكترونيات التقليدية.
فعلى مدار عقود، اعتمدت الحواسيب على نقل المعلومات بالكهرباء عبر الأسلاك والترانزستورات. لكن مع تزايد الحاجة إلى السرعة وتقليل استهلاك الطاقة، بدأ الباحثون ينظرون إلى الضوء باعتباره الوسيلة المثالية لنقل البيانات داخل الشرائح ومراكز البيانات.
الضوء أسرع، ويولد حرارة أقل، ويمكنه نقل كميات هائلة من المعلومات بكفاءة عالية. ولهذا تستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم مليارات الدولارات في تقنيات الفوتونيات، سواء لتطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أو لبناء معالجات ضوئية مستقبلية.
وفي هذا السياق، لا يبدو إنجاز MIT مجرد تحسين لحساسات LiDAR، بل خطوة ضمن سباق عالمي أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الضوء والحوسبة والذكاء الاصطناعي. وربما يكون الجانب الأكثر إثارة في هذا التطور هو أن التقنيات التي تبدأ اليوم داخل مختبرات جامعية متخصصة، غالبًا ما تتحول بعد سنوات قليلة إلى جزء غير مرئي من حياتنا اليومية. قبل عقود، كانت الكاميرات الرقمية والـ GPS والهواتف الذكية مجرد مشاريع بحثية معقدة. واليوم لا يمكن تخيل العالم بدونها.
الأمر نفسه قد يحدث مع LiDAR الفوتوني
فإذا نجحت هذه التقنيات في الوصول إلى الإنتاج التجاري واسع النطاق، فقد نشهد خلال السنوات القادمة ظهور طبقة جديدة من “الرؤية الذكية” المدمجة داخل كل شيء تقريبًا: سيارات تفهم الطريق لحظة بلحظة، روبوتات تتحرك بثقة داخل المنازل، نظارات ذكية ترسم العالم ثلاثي الأبعاد أمام المستخدم، وحتى أجهزة صغيرة قادرة على إدراك البيئة المحيطة بدقة غير مسبوقة.
وفي النهاية، يبدو أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُبنى فقط على من يملك الخوارزمية الأذكى، بل أيضًا على من يستطيع أن يمنح الآلة عينًا ترى العالم بأفضل طريقة ممكنة.
.
المصادر
– Photonics advance could enable compact, high-performance lidar sensors
.
تواصل مع الكاتب: mohamedmouradgamal@gmail.com