.
دراسة علمية ترصد انتشار جسيمات البلاستيك في الغذاء في الدول العربية
في السنوات الأخيرة، برز الانتشار الواسع للجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية كأحد الشواغل الصحية العالمية. وقد تم رصد هذه الجسيمات في مكونات مختلفة من السلسلة الغذائية، مما أثار مخاوف متزايدة بشأن آثارها المحتملة على صحة الإنسان
من ملح الطعام إلى المياه التي تشربها والأسماك التي تتناولها، لا شيء يبدو بمنأى عن جزيئات البلاستيك الدقيقة، وفقا لدراسة علمية جديدة نشرت في مارس 2026 في دورية “Applied Food Research”. في هذه الدراسة حلّل باحثون من قطر والامارات ولبنان ثلاثين دراسة علمية شملت عشر دول عربية، وكانت النتائج التي توصلوا إلى أن التلوث بجزيئات البلاستيك الدقيقة أصبح واسع الانتشار في كثير من الأغذاء، ويستهان به إلى حد كبير.
التلوث الذي يغزو موائدنا، من الملح إلى السردين
الملح هو أحد أكثر المواد شيوعا واستخداما على موائد الأكل. ومع ذلك، أظهرت دراسة علمية أجريت في لبنان، أن 81.3% من أنواع الملح التي تم اختبارها احتوت على جسيمات بلاستيكية دقيقة، مما يعني أن كل شخص يتعرض سنويا لحوالي 2372 جزيئا من خلال هذا المصدر وحده. التلوث البلاستيكي يشمل أيضا المياه المعبأة، فقد كشفت دراسة أُجريت في بيروت عن وجود ما يصل إلى 10134 جسيما بلاستيكيا دقيقا لكل لتر في بعض العينات، يتراوح بين 1 و5 ميكرومتر، مما يعني أنها صغيرة بما يكفي لامتصاصها من قبل جسم الإنسان.
وفي المملكة العربية السعودية، كشفت دراسة أخرى أن 57% من عينات المياه المعبأة ومياه الصنبور التي تم تحليلها في خمس مناطق من البلاد، احتوت على جسيمات بلاستيكية دقيقة تراوحت تركيزاتها بين 0.99 و26 جسيما في كل لتر. هذا يعني أن الفرد العادي يستهلك ما بين 2550 و5100 جسيما سنويا، وقد يصل هذا الاستهلاك إلى ما بين 43400 و48500 جسيم لدى الأشخاص الذي اعتادوا تناول كميات كبيرة من المياه. ويظهر فحص أجراه باحثون سعوديون على 112 منتجا غذائيا تجاريا، تبين أن جميعها تحتوي على جسيمات بلاستيكية دقيقة. وكان أكثرها تلوثا أكياس الشاي، بمتوسط 622 جسيما لكل كيس.
وتعد المأكولات البحرية أحد أكثر المواد الغذائية تلوثا بجسيمات البلاستيك، ففي الكويت على سبيل المثال، وجد باحثون جسيمات دقيقة من البولي إيثيلين في الجهاز الهضمي لثلاثة أنواع من الأسماك شائعة الاستهلاك. وفي عُمان، كانت جميع عينات الأسماك من نوعين ملوثة بمستويات تصل 43 جسيما لكل سمكة. وفي المغرب، أظهرت نتائج تحليل قام به باحثون على 240 عينة من 12 نوعا من الأسماك، احتواءها هذه المواد الدقيقة. أما في تونس، فقد كشفت الدراسات مستويات مثيرة للقلق في بحيرة بنزرت، إذ أظهرت بعض عينات محار الإسكالوب العملاق (Crassostrea gigas) ما يصل إلى 1482 جسيما لكل كيلوغرام من الأنسجة الرطبة. ويتناول الصيادون وجامعو المحار في هذه المنطقة ما بين 2557 و4919 جسيما سنويا، مقارنة بما بين 22 و43 جسيما لبقية سكان تونس، وهو تفاوت في التعرض يبرز البعد الاجتماعي للمشكلة.
مجموعة من العوامل المُفاقمة الخاصة بالمنطقة
لماذا تعدّ المنطقة العربية معرّضة للخطر إلى هذا الحد؟ يحدّد مؤلفو الدراسة مجموعة من العوامل الهيكلية المترابطة، وفي مقدمتها سوء إدارة النفايات البلاستيكية، إذ ينتهي المطاف بملايين الأطنان من البلاستيك، التي تفرز بشكل سيئ أو تعالج بطريقة غير سليمة في البحار أو الأنهار أو التربة، أين تتحلل تدريجيا بفعل الشمس والرياح والكائنات الدقيقة.
كما تعمل الظروف المناخية في المنطقة على تسريع عملية التحلل هذه. ففي دول الخليج، حيث يمكن لدرجات الحرارة أن تتجاوز 50 درجة مئوية في الصيف، أن تعزز التحلل الضوئي للبلاستيك، مما يسرّع تفتته إلى جزيئات أصغر فأصغر مشكلة ما يعرف بـ”حساء البلاستيك” بوتيرة أسرع من أي مكان آخر.
ومن العوامل الأخرى التي حددتها الدراسة، زيادة التوسع العمراني الساحلي المتسارع من التصريفات المباشرة في البحر. ومساهمة أنشطة الصيد في التلوث من خلال تحلل الشباك والحبال والمعدات البلاستيكية في البحر، مما يجعلها مصدرا هاما للجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي تبتلعها الأسماك.
في الجزائر، ميز الباحثون أنماط التلوث وفقا لنوع المنطقة صناعية كانت أم حضرية: ففي مدينة سيدي سالم الصناعية، لاحظ الباحثون أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة تأتي بشكل أساسي من المبيدات الحشرية وأنشطة الصيد، بينما في منطقة سان كلو الحضرية، كانت المنتجات المنزلية ومستلزمات العناية الشخصية والمنسوجات الاصطناعية المصادر الرئيسية لهذه الجسيمات. وكشفت دراسة أجريت في الإمارات العربية المتحدة عن تفصيل مثير للدهشة يتعلق بألواح التقطيع البلاستيكية، المنتشرة في محلات الجزارة والمنازل، والتي تطلق جزيئات بلاستيكية دقيقة مباشرة في اللحوم. وفي دراسة أُجريت في الكويت والإمارات، وجد الباحثون أن 100% من الدجاج المقطع على ألواح تقطيع بلاستيكية يحتوي على جزيئات بلاستيكية دقيقة. وقد أدى غسل اللحم لمدة ثلاث دقائق إلى خفض التلوث من 1.19 ملغم في كل غرام إلى 0.07 ملغم في الغرام، وهو ما يعدّ توصية عملية وفورية.
على النقيض من ذلك، أدى الطهي بالضغط والقلي العميق إلى زيادة مستويات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة نتيجة التحلل الحراري للبلاستيك.
مخاطر صحية
تجمع الكثير من الدراسات على أن الجسيمات البلاستيكية تمثل خطرا صحيا بالنسبة للانسان، رغم أن كيفية تأثيرها على أجسامنا لا تزال غير مفهومة في الكثير من جوانبها. تدخل الجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى الجسم عبر ثلاث طرق عبر الابتلاع والاستنشاق وملامسة الجلد. بمجرد الابتلاع، يمكن لأصغر الجسيمات، خاصة الجزيئات البلاستيكية النانوية التي يقل حجمها عن ميكرومتر واحد، أن تعبر الأغشية البيولوجية وتستقر في الأنسجة. تشير الدراسات إلى أنها يمكن أن تحدث التهابات واضطرابات في الغدد الصماء وتغيرات في الميكروبيوم المعوي وإجهاد تأكسدي. كما تشير بعض الأبحاث إلى أن هذه الجسيمات يمكن أن تحدث تغيرات جينية قد تؤدي إلى مشاكل في الخصوبة أو السمنة أو الإصابة بالسرطان. كما يمكنها أن تعمل أيضا كناقلات كيميائية، حيث تنقل الملوثات العضوية الثابتة والمعادن الثقيلة أو ثنائي الفينول، وتزيد من خطورتها.
لكن مؤلفو الدراسة يدعون إلى توخي الحذر بالنسبة إلى هذه التأثيرات، إذ تستند الأدلة المتاحة بشكل أساسي إلى دراسات على الحيوانات أو دراسات مخبرية، فيما لا تزال البيانات البشرية شحيحة، والآثار طويلة الأمد للتعرض المزمن لجرعات منخفضة غير معروفة إلى حد كبير في هذه المرحلة. أما الجسيمات النانوية البلاستيكية، فهي غائبة تماما تقريبا عن الأدبيات العلمية المتاحة في المنطقة العربية، إذ لم تتناول أي من الدراسات الثلاثين التي تمت مراجعتها هذا الموضوع تحديدا، وذلك بسبب نقص الأدوات التحليلية المناسبة.
كما أن هذه الدراسات استخدمت أساليب مختلفة في جمع الجسيمات واستخلاصها وتصنيفها، عبّر بعضها عن النتائج بوحدات الجسيمات لكل كيلوغرام، بينما عبّرت أخرى عن النتائج بوحدات اللتر أو لكل شخص ، مما يجعل أي مقارنة بين الدول أمرا بالغ الصعوبة. ويحول هذا التباين المنهجي دون إنشاء خريطة دقيقة للتلوث على المستوى الإقليمي، وبالتالي يعيق وضع سياسات فعّالة.
لذلك دعا المؤلفون إلى اعتماد بروتوكولات موحدة، ومراقبة منهجية للغذاء والماء مع تدخلات تشريعية محددة الأهداف مثل الحد من استخدام البلاستيك ذي الاستخدام الواحد، وتحسين البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي، وتشجيع استخدام المواد القابلة للتحلل الحيوي. كما أشاروا إلى أن العديد من الدول العربية (بما فيها معظم دول الخليج وسوريا والعراق والأردن) لم تدرج في أي من الدراسات التي تمت مراجعتها، مما يترك مساحات شاسعة من المنطقة في حيرة من أمرها.
.
المصادر:
– Dietary exposure to micro- and nanoplastics in the Arab Region, a narrative review
.تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com