للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

تأملات في الإستراتيجية البيولوجية لآدم وحواء

  • الكاتب : ا.د. محمد لبيب سالم

    أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا – مصر

  • ما تقييمك؟

    • ( 4.5 / 5 )

  • الوقت

    04:31 ص

  • تاريخ النشر

    29 يونيو 2020

"الإنسان في عين الآخر خليط من البيولوجيا والروح والعقل .وعندما نتعامل ونحب فنحن نحب بهذه الأبعاد الثلاثة وسيكون الحب اجمل عندما نفهم بيولوجية الحب "عند آدم وحواء

آدم، هو إسم العائلة لنا جميعا وإن لم يُكتب في البطاقة أو السيرة الذاتية". وقد وقعت على سيدنا آدم، ومقارنة بأمنا حواء، منذ المهد معظم المسؤوليات الكبرى. فهو الذي خلق من سلالة من طين وليس من جينوم مثلنا، وهو أول بشر سمع من ربه، وهو من تعلم أولا، وهو الذي عاش فترة من عمره لا يعرف مخلوقا آخر اسمه حواء  فهو قد خُلق قبل حواء، وهو أول رجل يتعرف على الأنثى ويتزوجها، وهو الذي أنبأ الملائكة بالأسماء بعد أن تعلمها من الله سبحانه، وهو الذي تلقى الأمر من ربه ليسكن الجنة هو وحواء، وهو من سجدت له الملائكة بأمر من الله، وهو من بسببه عصى ابليس ربه فكانت بداية التحدي، وهو الذي تلقى من ربه  كلمات ليتوب عليه.

هذه هي الصفات والمواقف المتفردة لسيدنا آدم حتى عن السيدة حواء. ولكن هناك الكثير من المواقف المشتركة التي جمعت بينهما منذ أن خلقهما  في الجنة. فقد تعرضا هما الاثنين لإرتكاب ذنب وهما لا يزالان في الجنة عندما أغواهما ابليس اللعين ليأكلا من  الشجرة التي أمرهما الله ألا يأكلا منها. إنهما  آدم وحواء اللذان لم يستمتعا بمشاعر البنوة فلم يكن لكل منهما أب أو أم ولم يستمتعا بمشاعر العم والعمة أو مشاعر الخال والخالة وما يترتب عليهما من مشاعر أولاد العم والخال والخالة. هو الذي رأى الجنة بعينيه  ومعه حواء بكل ما فيها من خيرات ومتاع ثم هبطا إلى الأرض والفارق بين الجنة والأرض كبير. وتزوج سيدنا آدم من السيدة حواء ولم يرزقا بالولد في الجنة بل في الأرض لتبدأ مسيرة تعمير الأرض بالذرية (الإنسان) ليمثل ذلك درسا للبشرية أن الإنسان هو الأهم  وليس البنيان وليس المال .إنهما  آدم وحواء عليهما السلام اللذان  حملا المسئولية على كتفيهما منذ البداية. وما زالت ذريتهما من مليارات آدم وحواء تعمر بأمر الله الأرض متحملة المسئولية وإن لم تحفظها.

وقد يكون خلق سيدنا آدم، الذي مؤكد أن الله منحه كل الحسن، قبل السيدة حواء له علاقة بقوامة الرجل على المرأة وفيه دلالة على أن الرجل يصعب عليه العيش بدون إمرأة وكذلك المرأة، إن استطاعت العيش بدون رجل فستبقى العيشة ناقصة  لأن الإثنين نصفان في واحد. ومع أني لا أدري متى تم خلق السيدة حواء لتؤنس أبانا آدم، ولكن مؤكد أن خلق حواء كان معجزة ربانية فاجأ بها الله أبانا آدم ليسعده ويؤنسه بمخلوق من جنسه حتى يوم القيامة. ولأن الله يعلم بحاجة آدم الحقيقية وطبيعة السكن الذي يحتاجه فقد أعطاه حواء على هيئة خلق شبيها بخلقه ولكنها تُكمله فكانت أجمل هدية من الله سبحانه لآدم ليسعد بها وتصبح السيدة حواء أم نساء العالمين.  قال الله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً"  النساء (1(.

ومع أن سيدنا آدم تعلم الأسماء كلها قبل السيدة حواء، فلست أدري عند أي عمر تعلم الكلمات من ربه، وبأي لغة تعلم تلك الكلمات، وكم أخذ من الوقت لتعلم هذه الكلمات، وما إذا كان قد قام بنفسه بـتعليم حواء هذه الأسماء. وخلق الله لحواء عقلاً أيضا حتى تشارك آدم في التفكير والمسئولية. ومؤكد أن تعليم آدم من قبل ذات الله أولا ثم قيامه هو بتعليم حواء ما تعلمه من ربه يعطي رمزية المسئولية الكبرى التي ألقاها الله على آدم تجاه حواء. ومع أن الله كان يستطيع خلق حواء مباشرة من طين كما خلق آدم، إلا أنه ولحكمة الأُنس خلقها الله من أحد ضلوع صدر آدم حتى تكون هي الجزء وهو الكل، وحتى يتحقق معنى الأُنس جسديا ومعنويا، وحتى يظل كل منهما يبحث عن الآخر حتى يلقاه، وحتى يظل آدم محتويا حواء، وحتى ترتاح حواء وتهدأ على صدر آدم.

ومع أن الله قادر على خلق حواء من الطين وقت خلق آدم من البداية لحظة بلحظة، إلا أنه وبحكمة يعلمها آثر أن تُخلق حواء من آدم وبطريقة مختلفة لا يعلمها أحد إلا هو. ومع أنها لم تخلق من طين إلا أنها خلقت في هيئة بشرية جميلة حتى يسكن لها آدم ويرتاح إليها وتقر بها عينه ويسعد بها قلبه، فمؤكد أن خلقها جمع كل الحسن في نساء العالم. ولم يخلق الله آدم وحواء من جينوم كما خلق جميع نسلهما. قال تعالى  "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ  (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ"  (9)السجدة .

وهكذا خُلق آدم أولاً ونما وكبر وتعلم وتهيأ ليكون خليفة الله ثم خلقت حواء للإطمئنان والونس ولتبدأ مرحلة جديدة من الخلق تختلف تماماً عن خلق آدم وحواء، الخلق المبني على التزاوج الجسدي والنفسي الذي نعرفه حتى الآن بين الرجل والمرأة. وقد أودع الله في خلايا الذكر كروموسوما واحداً ينقل أسباب الذكورة من جيل إلى جيل.  هكذا هي العلاقة التاريخية والأزلية بين آدم وحواء، العلاقة بين العطاء والمسئولية، وبين الرقة والقوة، وبين العذوبة والملوحة، العلاقة التي تمنح للحياة طعم ولون ورائحة. ولو غير الناس طبائع الأشياء.

واظن والله أعلم،  أن خلايا سيدنا آدم والسيدة حواء كانت تحتوي على نفس نوع الجينوم الذي تحمله الذكور والإناث الآن: XY لدى سيدنا آدم  - XX لدي السيدة حواء. واعتقد أيضا والله أعلم،  أن خلق سيدنا آدم والسيدة حواء تم قبل تكوين الجينوم على عكس مايحدث لدى نسلهما حيث يتكون الجينوم أولا بعد التقاء الحيوان المنوي والبويضة بعد الزواج وتكوين الجنين .ومع ذلك، ورغم أنه ذكر في الأحاديث النبوية أن سيدنا آدم كان طوله 60 ذراعا، إلا أني اعتقد والله أعلم أن تكوين الدماغ لديه ولدى السيدة حواء كان متشابها لما نعرفه الآن من اختلافات في التفاصيل الدقيقة بين دماغ الرجال والنساء. وإن كنت أظن والله اعلم،  أن نفس الاختلاف في تفاصيل الدماغ كانت موجودة لتتناسب مع الوظيفة التي خلق من أجلها كل من سيدنا آدم وسيدتنا حواء تجاه بعضهما البعض في التعبير عن الذات وتكامل الآخر وتجاه نسلهما فيما بعد وتجاه الطبيعة والأشياء.

إنها لمعجزة كبرى أن يأتي كل هذا النسل بالمليارات من البشر من أبناء آدم وهو إسم العائلة الحقيقي لكل منا سواء ذكر أو أنثى بكل هذه اللغات والثقافات والديانات والأجناس. إنها حقاً لمعجزة كبرى كان السبب فيها سيدنا آدم والسيدة حواء اللذان لم يستسلما لصدمة الهبوط إلى الأرض، بل أذعنا لله وعمرا الأرض بأسباب الله. ومقارنة بآدم، كرم الله حواء بيولوجيا وجعلها مصونة بل ومتساوية مع الرجل في الحقوق البيولوجية بل زادت عنه في بعض الصفات البيولوجية التي جعلتها محط الإنجذاب. وسوف أسوق هنا بعض الأمثلة التي تشير إلى الإجلال البيولوجي لحواء من بيولوجيا آدم وعلى دور حواء البيولوجي الإستراتيجي في خلق الإنسان.

  1. فعلى مستوى الخلق الأول، لم يخلق الله حواء إلا بعد أن خلق آدم وبعد أن علمه الكلمات وبعد أن تحاور مع الملائكة فيما تعلمه وبعد أن سجدت له الملائكة.
  2. وعلى مستوى الطبيعة الجسدية أعطى الله لحواء الصفات الجسدية الجميلة والتي يتمناها الرجل والتي تجعل آدم ينجذب إليها ويرغبها أيا كان عرقها أو نسبها أو حسبها. ويشمل ذلك مكان الأعضاء التناسلية الداخلية لحواء مقابل الأعضاء التناسلية الخارجية لآدم.
  3. وعلى مستوى الإخصاب، جعل الله ملايين الحيوانات المنوية تهاجر مسافات كبيرة في رحم حواء لتنتهي بفوز حيوان منوي واحد فقط وهو الأفضل والأقوى في تخصيب البويضة وهي تنتظر في بيتها مصونة مكرمة في رحم حواء. أي بويضة واحدة مقابل ملايين الحيوانات المنوية. وسكون البويضة مقابل هجرة الحيوانات المنوية من جسد الرجل إلى المرأة وما يكلفه ذلك من مجهود ووقت ورحلة طويلة، الهدف منها واحد وهو تخصيب البويضة المصونة لكي تستمر الحياة.
  4. وعلى مستوى الإخصاب أيضاً، فإن نواة بويضة حواء هي المستقبلة لجينات آدم لتنتقل إليها كل مهام خلق الجنين على المستوى الجيني والبيئي حتى الولادة. أما باقي مكونات خلية آدم من سيتوبلازم والمايتوكوندريا وجهاز جولجي والشبكة الاندبلازمية  وباقي الجزيئات فالأساس فيها هي تلك الموجودة ببويضة حواء.  
  5. وعلى مستوى المشاركة في خلق الجنين، تشارك بويضة حواء بنصف عدد الجينات المطلوبة لخلق الجنين مثلها مثل آدم بل يزيد على ذلك أن جينات بويضة حواء غير مسئولة عن تحديد نوع الجنين ذكراً أم أنثى رغم أنها هي القرار المكين، لتترك هذه المهمة لكروموسومات آدم حتى لا يتهمها آدم يوما بأنها المسئولة عن خلفة الإناث لحكمة يعلمها الله 
  6. إذا أصبح الجنين ذكرا فإن عدد الجينات التي تشارك بها حواء أكثر في العدد من التي يشارك بها آدم وذلك لأن أحد كروموسومات حواء وهو كروموسوم (X) يحتوي على 2000 جين مقابل 78 جين في أحد كروموسومات آدم وهو كروموسوم  (Y) وهو المسئول عن تحديد ذكورة الجنين.
  7. وعلى مستوى خلق الجنين، فمعيشته واستضافته حتى ولادته تتم في رحم حواء وليس آدم الذي تنتهي مهمته بمشاركته بنصف جيناته من الحيوانات المنوية.
  8. وعلى مستوى ولادة الجنين فإن حواء هي التي تُرضع وتفطم وتربي في السنوات الأولى، بل حتى في الصبا والشباب ليتشكل الوليد بغذاء وفكر وحنان حواء.

 

ولذلك فالمسئولية الكبرى التي وقعت على آدم في بداية الخلق تبعتها مسئوليات أكبر على حواء بعد خلقها بما منحها الله من صفات أعطتها حقوقاً بيولوجية بل أكاد أقول هيمنة بيولوجية أثناء خلق الجنين وبعد ولادته. وبيولوجياً، فإن آدم وحواء مختلفان في الكروموسومات الجنسية والجينات التي تقع عليها. فحواء لديها نسختين من كروموسوم (متوسط الحجم) يسمى (X) أما آدم فلديه كروموسوم X  واحد وكروموسوم Y صغير الحجم يحتوي على عدد قليل من الجينات مقارنة بـكروموسومX . والمعروف أن كروموسوم Y هذا بالكاد يحتوي على جين يسمي SRY  ولا يحتوي على جينات أخرى كالتي على كروموسوم X  بل يمتلأ بالتسلسلات المتكررة من الحامضDNA  الغير المرغوب فيها. وهذا الجين SRY  الموجود على كروموسوم  Y هو المسؤول عن تفعيل الذكورة عن طريق البدء في تطوير الخصيتين في الجنين الذي تكوينه الوراثي .XY  ففي الجنين الذكر تتكون الخصيتان وتقوم بتصنيع هرمونات ذكورية تجعل الطفل ينمو كصبي. أما في غياب SRY فيتكون المبيض والذي يصنع الهرمونات الأنثوية.

إنها الهرمونات التي تتحكم في معظم الاختلافات البيولوجية بين آدم وحواء من حيث  الأعضاء التناسلية والثديين والصوت والشعر وتضاريس هيئة الجسم، وكذلك فإن لها تأثير كبير على السلوك. فآدم لديه مستويات عالية من الهرمون الذكري التستوستيرون الذي يطلقه جين SRY  المسئول عن عزم الصفات الذكورية بما فيها الصوت والعضلات ولكنه أيضا متورط في العديد من الأمراض، خاصة أمراض القلب والضغط، والتي بالطبع تؤثر على العمر. وعلى عكس آدم، فإن حواء لديها  مستويات عالية من هرمون الإستروجين، والذي يحميها من العديد من الأمراض، بما في ذلك أمراض القلب.

وقد يكون وجود اثنين من الكروموسومات X   في الإناث أفضل من وجود كروموسوم واحد فقط  في الذكور وذلك لأن كروموسوم X  عليه أكثر من 1000 جين تقوم بـوظائف عدة بما في ذلك التمثيل الغذائي الروتيني وتخثر الدم ووظائف الدماغ . كما أن لوجود كروموسومين X في الإناث ميزة أخرى كبيرة حيث يوفر ذلك فرصة لتصحيح الأخطاء الجينية إذا ما حدثت طفرة في أحد الجينات على كروموسوم  X  فيقوم نفس الجين على الكروموسوم  Xالآخر بـتصحيحه وذلك مقارنة بالذكور ( XY) التي تفتقر إلى نسخة احتياطية من الكروموسوم  Xفتكون فرصة تصحيح الخطأ أقل. وقد يفسر ذلك لماذا يعاني الذكور من العديد من الأمراض المرتبطة بالجنس مثل الهيموفيليا (ضعف تخثر الدم) والأمراض الأخرى المنتشرة في الذكور مثل التوحد.

وتنعكس الإختلافات البيولوجية بين آدم وحواء أيضا على وظائف جهاز المناعة. فمن المعروف أن النساء لديهن جهاز مناعة أقوى من الرجال مما يمنحهن ميزة عندما يتعلق الأمر بالتعرض للإصابات الميكروبية. فهناك ما لا يقل عن 60 جينًا للاستجابة المناعية على الكروموسوم X  مما يمنح النساء طيفاً أوسع من الدفاعات المناعية ضد الميكروبات. وقد يفسر ذلك سبب كون الرجال أكثر عرضة للإصابة بالعديد من الفيروسات عن النساء. ولكن على الجانب الآخر، فإن  هذه القوة المناعية لدى النساء تجعلهن أكثر عرضة من الرجال لأمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة الحمراء والتصلب المتعدد.

كما ان الاختلافات البيولوجية بين آدم وحواء تنعكس أيضاً في الآلية التي يعمل بها دماغ كل منهما. فآدم يستخدم أجزاءً مختلفة من الدماغ لتشفير الذكريات، واستشعار العواطف، والتعرف على الوجوه، وحل بعض المشكلات واتخاذ القرارات عن تلك التي تستخدمها النساء، مما ينتج عنه وجود العديد من الاختلافات في طرق تفكير المرأة والرجل في أمور عدّة. ويعود السبب في هذا الاختلاف إلى الهرمونات، فعند تعرُّض أيُّ شخصٍ ذكراً كان أم أنثى للضغط النفسي يُفرز الجسم هرمون الأوكسيتوسين ( ( Oxytocin للتخفيف من وطأة الشعور به، وهو الهرمون الذي يعززه هرمون الإستروجين Estrogen) ) الأنثوي، مما يُساعد على الحفاظ على الهدوء والتؤدة عند المرأة. وعلى عكس  هرمون الإستروجين، يقوم هرمون التستوستيرون (( Testosterone  في الرجال بتقليل أثر هرمون الأوكسيتوسين مما قد يتسبب بزيادةٍ في درجة الانفعال.

وهناك بعض الاختلاف البيولوجية في التفاصيل الدقيقة في الدماغ بين آدم وحواء الأمر الذي قد يفسّر اختلاف كثير من سلوكيات النساء عن سلوكيات الرجال. فعلى سبيل المثال، عملية التفكير لدى الرجل تتسم بكونها عمليّة منطقيّة بعيدًة عن العواطف، كما أنّ نمط التفكير لدى الرجال  يتوجه في خطوط مستقيمة دون تداخل للأفكار، على عكس المرأة التي يتميّز نمط التفكير لديها بأنه تشابكي متشعب. ومن بعض هذه الاختلافات مايلي:

  • رغم أن دماغ المرأة أصغر من الرجل بـحوالي 8% إلا أنه قد وجد على وجه العموم أن حجم البنية لا يشير بالضرورة إلى أي علاقة بمدى كفاءة الأداء، وأن النساء أفضل في الإستدلال الإستقرائي وفي بعض المهارات العددية، وفي مراقبة ومتابعة المواقف المتغيرة، وأن الرجال كانوا أفضل في الذكاء المكاني مقارنة بالإناث. وقد يفسر ذلك لماذا يفشل الرجل في الكذب على المرأة إذا كانت أمامه لأن عقل المرأة يمكنه ملاحظة 70% من تعابير الوجه، 20% من لغة الجسد، 10% من حركة الشفاه، بعكس الرجل فهو لا يمتلك تلك الموهبة، ويمكن للمرأة أن تكذب عليه بسهولة حتى وهي أمامه.
  • حجم الفص الجداري Inferior-parietal lobule في الذكور أكبر، خاصة ذلك الموجود في الجهة اليسرى. وحيث أن وظيفة الفص الجداري تتمثّل في معالجة المعلومات الحسية، إضافةً إلى معالجة المعلومات الرياضية الذهنيّة، فإن القدرات الرياضية الذهنية والتحليلية تكون عند الرجال أعلى من النساء. بينما نجد النساء يُركزن على الأنشطة التي تتطلب قدراً أعلى من الدقة كالانتباه إلى بكاء الطفل في منتصف الليل مثلاً، حيث يعُّد ذلك من مسؤوليات الجزء الأيمن في الدماغ والذي هو أكبر عند النساء.
  • يختلف دماغ الذكر ودماغ الأنثى من حيث ترابط أجزائهما، فقد وجد أن ترابط أجزاء دماغ الرجل يتم من الأمام إلى الخلف، أما الترابط في دماغ المرأة فيتم من الجانبين، بين اليمين واليسار. وقد يفسر هذا الاختلاف في طريقة الارتباط هذه الاختلافات بين سلوك الرجل وسلوك المرأة.
  • تتميز النساء بكِبَر الجسم المعروف باسم  Corpus Callosum في الدماغ بنسبة 25% منه عند الرجال، ويُمثّل هذا الجزء من الدماغ مجموعة واسعة وسميكة من الأعصاب التي تربط جانبي الدماغ الأيسر والأيمن معاً. وبسبب هذا الفرق البيولوجي تتميز النساء عن الرجال بالتركيز على التفاصيل بشكل كبير، على عكس الرجال الذين يواجهون القضايا بصورة مباشرة دون الخوض في التفاصيل، بالإضافة إلى قدرة المرأة على التنقل بين الحقائق والمشاعر بيسرٍ وسهولة.
  • كما أنّ دماغ المرأة محاط بطبقة أكثر سمكاً من تلك التي تحيط بدماغ الرجل، مما يقلل من قدرتها على تدوير الماديات من حولها بذات الحرية التي يدوِّرها بها الرجل، وهو الأمر الذي يكسب آدم  القدرة على استحضار الأشياء والربط بينها بعلاقات ديناميكية مما يعزّز قدرة الإدراك المكاني لديه، كما وُجد أنّ الرجال يميلون إلى تخيُّل الأجسام بشكل ثلاثي الأبعاد، مما يولّد لديهم القدرة على تصوّرها من جميع الزوايا وهذا بسبب كِبَر الفص الجداري لأدمغتهم..
  • تملك النساء مراكز لفظية موزّعة في جزئي الدماغ الأيمن والأيسر، كما أنّ النساء يستطعن ربط الكلام بشعورهنّ وبتجاربهن الحسيّة، أمّا المراكز اللفظية للرجال فهي موجودة في الجزء الأيسر للدماغ لديهم حيث تتم جميع العمليات المُرتبطة بالكلام في الجزء الأيسر للدماغ فقط. كما أن وجود مراكز لفظية أكثر لدى النساء يُفسر سبب استخدامهن لعدد أكبر من الكلمات أثناء نقاش موضوع ما.
  • حجم الحصين في النساء أكبر منه في الرجال. وحيث أن الحصين يعد مركزاً أساسياً للذاكرة في الدماغ فإن هذا الاختلاف في الحجم ينتج عنه اختلاف في التفكير لدى كلا من آدم وحواء. ليس هذا فقط بل أنّ عدد الوصلات العصبية الواصلة بين الحصين ومراكز الإحساس والعواطف أكثر عند النساء، وهو الأمر الذي يُفسر سبب قدرة النساء على مناقشة عواطفهن ومشاعرهن بشكل أفضل من الرجال.
  • تستخدم النساء المادة البيضاء الأساسية الموجودة في قشرة الدماغ، والتي تُمثّل شبكة من الخلايا وظيفتها ربط المادة الرمادية مع مراكز المعالجة المختلفة في الدماغ، عشرة أضعاف مقارنة بالذكور وذلك لأن تدفق الدم إلى دماغ المرأة أكبر منه إلى دماغ الرجل خاصة إلى منطقة القشرة الحزامية( Cingulate Gyrus)  المرتبط بمستويات التركيز والاتصال .وعلى النقيض فإن استخدام الذكور للمادة الرمادية الموجودة في قشرة الدماغ، والتي لها الدور الأساسي في كلٍ من معالجة المعلومات وحركة العضلات، يزيد سبعة أضعاف عنه لدى النساء. ويفسر هذا الاختلاف البيولوجي قدرة النساء لتغيير المهام الموكلة إليهن بشكل أسرع من الرجال، كما أنه قد  يُفسّر تميُّز النساء في المسابقات متعددة المهام على عكس قدرة الرجال على التركيز وفي إنجاز المشاريع التي تحتاج إلى تركيزٍ عالٍ.
  • عند معالجة القضايا المختلفة، فإنّ الرجل يميل إلى المعالجة بشكلٍ أفضل في النصف الأيسر من دماغه، بينما تميل المرأة إلى المعالجة بشكلٍ متساوٍ في جزئي الدماغ الأيمن والأيسر، وهذا يؤثر على كيفية معالجة القضايا لدى كلٍ منهما، فمعالجة القضايا وحل المشاكل عند الرجل تتميز بأنها باتجاه واحد، مما يترتب عليه تفكير الرجل في قضية واحدة، أمّا المرأة تتميز بأن معالجة القضايا لديها تكون بشكل إبداعي أكثر من الرجل، كما أنها تهتم بمشاعر الآخرين أثناء ذلك.

 

كل هذه الاختلافات البيولوجية بين آدم وحواء ليست وليدة الصدفة ولكنها  بحكمة من الخالق الذي خلق آدم  وحواء لوظائف عامة وأخرى خاصة لكل منهما . فليست الاخلتفات البيولوجية تفضيل أحدهما على الآخر ولكن بالطبع من أجل  التكامل في المظهر والمخبر والسلوك  وأداء المهام المختلفة في الحياة على أكمل وجه، ليتفوق الرجال في القيام ببعض المهام بينما تتفوق النساء في البعض الآخر. ولذلك فمن المهم جدا تدريس هذه الاختلافات بين الذكور والاناث للطلاب في المرحلة الأساسية لينشأ الأطفال على فلسفة الاختلاف البيولوجي والسلوكي من أجل تحمل الآخر وفهمه ليس فقط لتقليل حدة الخلافات، ولكن من أجل الإستمتاع بالحياة المتكاملة تماما كما يحدث في العلاقات العاطفية والجنسية التي تصل ذروة الاحساس بها بالتكامل الجسدي والروحي والسلوكي. كما أن المعرفة بهذه الاختلافات البيولوجية والسلوكية بين الرجال والنساء مهمة للغاية، حيث يجب أخذها في الاعتبار عند معالجة الأمراض النفسية وفي الأمور التعليمية خاصة تلك المتعلقة بفرز المواهب الرياضية والفنية والأدبية والعلمية.

وهناك أسئلة أخرى كثيرة تستوقفني في بيولوجيا خلق أبينا آدم وأمنا حواء لمزيد من التفكر والتدبر. والعجيب أن الجهل بإجابة الكثير من هذه الأسئلة فيه لذة واستمتاع كبيرة. فأحيانا الجهل بالإجابات يعطي العقل فرصة كبيرة للتخيل  وإستمرارية التفكر والتدبر والتمعن في معجزة خلق جدنا الأكبر آدم وأمنا حواء . فقصة خلقهما قصة رائعة فيها الكثير من العبر والقضايا الإيمانية الكبرى التي تتمحور حولها حياتنا في الدنيا وترشدنا إلى طريق الآخرة. وكل مرة أقرأها أتعلم منها الكثير وخاصة رحمة الله سبحانه وتعالى بعبده آدم وأمته حواء، فالبرغم من وقوعهما في ذنب ومعصية كبيرة إلا أن الله لم يعذبهما بل أعطاهما فرصة عملية للتعبير عن التوبة وذلك بنزولهما إلى الأرض وتحدي الشيطان وذريته إلى يوم الدين. وها نحن نسلهما ما زلنا نتحدى الشيطان فمرات نقوى ومرة نفشل ثم نتوب ثم ننجح تحت غطاء من رحمة الله وعطفه.

لكم أشتاق لرؤية سيدنا آدم هو والسيدة حواء، فقد أتيحت لهما الفرصة لرؤية الجنة والعيش فيها ثم الهبوط إلى الأرض. مؤكد كم كان الهبوط من الجنة قاسيا عليهما، وكم كانت الدنيا وحيدة من حولهما والشيطان معهما يمرح في كل مكان. كم كان ذلك قاسيا عليهما وخاصة أن المسؤوليه كانت عليهما كبيرة في تعمير الأرض وإرساء الحق فيها.

كم أشتاق لسيدنا آدم، مؤكد أنه كان صبورا و مفكرا ومتأملا ومعلما ومجاهدا في كل شيئ. وكم أشتاق للسيدة حواء فمؤكد انها كانت حنونة مبتسمة شغوفة على سيدنا آدم وحريصة على إسعاده  وعلى تربية نسلهما على طريق الصلاح، ومؤكد أنها كانت تعطي معظم وقتها تساعده يدا بيد في جميع أمور الحياة،  تخفف عنه المتاعب والأوجاع. رحمة الله على جدي الأكبر وجدتي الكبرى اللذين كانا سبب وجودنا في هذه الدنيا لنجاهد فيها ونميز الحق من الباطل بنعمة العقل، وهي الأمانة التي وهبها الله لآدم لتنفعه في تعمير الأرض هو ونسله بتكامل بين آدم وحواء .ولو كان الأمر بيدي لكتبت اسم العائلة "آدم" في بطاقتي  واسم الجدة "حواء ." وهبوط أبينا آدم للأرض لم يكن أبداً نفيا من الله له ولأمنا حواء، بل كان رسالة لتعمير الأرض التي خلقها الله قبل أن يخلق آدم، ودرساً لأبينا آدم وأمنا حواء في طاعة الله.

ومع أن حواء تعطي للجنين نصف الجينات والتي تزيد في عددها عن جينات آدم، ومع أن حواء هي المستقبلة والحاضنة للحمل ومع أنها هي المرضعة والمربية، إلا أن الولد يدعى بإسم أبيه آدم في الدنيا مع أن العبد ينادى عليه بإسم أمه حواء يوم القيامة. وبذلك تكون حواء هي الفائزة باللقب في الآخرة وبالطبع العبرة بالنهاية. فتحية إلى حواء وكل التقدير لآدم إذا قدّر حواء ...

رحم الله أبانا آدم وأمنا حواء ورضي عنهما حتى نلقاهما يوم القيامة ونرى وجهيهما الجميلين.

 


البريد الالكتروني للكاتب: mohamedlabibsalem@yahoo.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك