.
نجح فريق بحثي من المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد “NIOF“، في مدينة الأسكندرية من تطوير نظام كهربائي متقدم ومنخفض التكلفة لمعالجة المياه الملوثة بالكروم السداسي السام Cr(VI)، أحد أخطر الملوثات الصناعية المعروفة عالميًا. وقادت الدراسة الباحثة منال السعداوي، بمشاركة باحثين أخرين في مجال التخصص، حيث ركّز الفريق على تصميم تقنية عملية قابلة للتطبيق الصناعي، تجمع بين الكفاءة العالية وانخفاض استهلاك الطاقة والتكلفة التشغيلية المحدودة. وقد نُشرت الدراسة في ديسمبر 2025، لتسلّط الضوء على حل هندسي واعد لمعالجة واحدة من أخطر مشكلات التلوث الصناعي المرتبطة بالمياه.
تكمن أهمية هذا العمل البحثي في أنه لا يقدّم مجرد تجربة مخبرية تقليدية، بل يطرح نموذجًا هندسيًا عمليًا يمكن توسيعه واستخدامه داخل محطات المعالجة الصناعية مستقبلًا. فقد اعتمد الفريق البحثي على دمج تقنيات التخثير الكهربائي مع النمذجة الرياضية والتحليل الإحصائي للوصول إلى أفضل ظروف تشغيل ممكنة، ما مكّن النظام من تحقيق كفاءة إزالة تتجاوز 99% خلال دقائق قليلة فقط، مع الحفاظ على تكلفة تشغيل منخفضة نسبيًا مقارنة بالتقنيات التقليدية المستخدمة لمعالجة المعادن الثقيلة.
الكروم السداسي، المعروف اختصارًا بـ Cr(VI)، يُعد من أخطر الملوثات الصناعية وأكثرها سمّية. هذا العنصر يدخل في عدد كبير من الصناعات مثل الطلاء الكهربائي والدباغة وتصنيع المعادن والمواد الكيميائية، لكنه في المقابل يمتلك تأثيرات صحية وبيئية خطيرة للغاية. فالتعرض المستمر له قد يؤدي إلى أضرار في الجهاز التنفسي والكبد والكلى، كما تصنفه منظمات دولية كمادة مسرطنة للإنسان. وعندما يصل إلى المياه الجوفية أو البيئات البحرية فإنه يهدد الأنظمة البيئية بشكل مباشر ويؤثر على الكائنات الحية وسلامة مصادر المياه.
ولسنوات طويلة اعتمدت محطات المعالجة التقليدية على استخدام مواد كيميائية مختلفة لترسيب المعادن الثقيلة وإزالتها من المياه، إلا أن هذه الطرق غالبًا ما تكون مرتفعة التكلفة وتنتج كميات كبيرة من الحمأة والمخلفات الثانوية. لذلك اتجه الباحثون عالميًا نحو البحث عن حلول كهروكيميائية أكثر كفاءة واستدامة، وهو ما جعل تقنية “التخثير الكهربائي” أو Electrocoagulation تحظى باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة.
تعتمد تقنية التخثير الكهربائي على تمرير تيار كهربائي عبر أقطاب معدنية مغمورة داخل المياه الملوثة. وعند تشغيل النظام تبدأ الأقطاب بإطلاق أيونات معدنية داخل الماء، تتفاعل لاحقًا لتكوين مركبات قادرة على جذب الملوثات واحتجازها داخل كتل أكبر يسهل فصلها وإزالتها. وفي هذه الدراسة استخدم الفريق البحثي أقطابًا حديدية، حيث يؤدي تفاعل الحديد داخل الماء إلى تكوين هيدروكسيد الحديد Fe(OH)₃، وهو مركب يمتلك قدرة عالية على امتصاص الكروم السداسي وتجميعه بعيدًا عن الماء النظيف.
لكن التحدي الحقيقي الذي واجه الباحثين لم يكن فقط إزالة الكروم، بل تطوير نظام قادر على تحقيق هذه الإزالة بكفاءة مرتفعة واستهلاك منخفض للطاقة في الوقت نفسه. ولهذا السبب صمّم الفريق ما يعرف بنظام “التخثير الكهربائي ثنائي القطب”، وهو تصميم يسمح بتحسين توزيع التيار الكهربائي داخل المفاعل ورفع كفاءة التفاعل الكيميائي دون زيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء.
ولتنفيذ التجارب، استخدم الباحثون مفاعلًا مصنوعًا من مادة Plexiglas يحتوي على تسعة أقطاب حديدية مرتبة بطريقة متوازية. كما جرى التحكم بدقة في مجموعة من العوامل المهمة مثل شدة التيار الكهربائي، والمسافة بين الأقطاب، ودرجة الحموضة، وزمن التشغيل، وتركيز الكروم داخل المياه. وقد أظهرت النتائج أن أفضل أداء للنظام تحقق عند درجة حموضة تبلغ 2، مع تركيز أولي للكروم مقداره 20 ملغم/لتر وإضافة كمية صغيرة من كلوريد الصوديوم لتحسين التوصيل الكهربائي.
تحت هذه الظروف المثالية، استطاع النظام إزالة أكثر من 99% من الكروم السداسي خلال سبع دقائق فقط، وهي نتيجة لافتة مقارنة بعدد من تقنيات المعالجة التقليدية التي تحتاج إلى وقت أطول واستهلاك أكبر للمواد الكيميائية والطاقة. كما أثبتت الدراسة أن النظام حافظ على استقراره وكفاءته العالية خلال مختلف التجارب التشغيلية، ما يعزز إمكانية استخدامه عمليًا في معالجة مياه الصرف الصناعي.

وللتأكد من آلية إزالة الكروم، استخدم الفريق تقنيات تحليل متقدمة مثل EDX لدراسة الرواسب الناتجة عن عملية المعالجة. وأظهرت النتائج أن هيدروكسيد الحديد المتكوّن داخل النظام هو العامل الرئيسي المسؤول عن احتجاز الكروم وامتصاصه، حيث يعمل كمادة تجمع الملوثات وتسحبها من الماء بشكل فعال.
ومن أهم الجوانب التي ركزت عليها الدراسة أيضًا الجانب الاقتصادي. فالكثير من تقنيات معالجة المياه قد تحقق نتائج ممتازة داخل المختبر، لكنها تصبح غير عملية عند تطبيقها صناعيًا بسبب ارتفاع التكلفة. لذلك أجرى الباحثون تحليلًا اقتصاديًا دقيقًا لتقدير تكلفة التشغيل، وأظهرت النتائج أن معالجة متر مكعب واحد من المياه الملوثة تكلف أقل من دولار واحد فقط، وهي تكلفة منخفضة نسبيًا مقارنة بتقنيات الأغشية أو الترسيب الكيميائي التقليدية.
ولم تتوقف الدراسة عند حدود التجارب المخبرية الاصطناعية، بل قام الفريق البحثي باختبار النظام على عينات حقيقية من مياه البحر ومياه الصرف الصناعي. وكانت النتائج مهمة للغاية، إذ حافظ النظام على كفاءة إزالة تجاوزت 99% حتى في البيئات المعقدة التي تحتوي على أملاح وشوائب إضافية. وهذه الخطوة تُعتبر مؤشرًا قويًا على أن التقنية تمتلك قابلية حقيقية للتطبيق الميداني وليس فقط النجاح داخل المختبر.
كما استخدم الباحثون أساليب متقدمة في النمذجة الرياضية والتحسين الإحصائي للوصول إلى أفضل ظروف تشغيل ممكنة. فقد جرى تطوير نموذج تجريبي قادر على التنبؤ بكفاءة إزالة الكروم اعتمادًا على المتغيرات المختلفة مثل الزمن ودرجة الحموضة وتركيز الملوثات وشدة التيار الكهربائي. هذا النوع من النمذجة يمنح المهندسين والصناعات أداة عملية تساعد على تصميم أنظمة معالجة أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة.
وتأتي هذه الدراسة ضمن اتجاه عالمي متزايد نحو تطوير تقنيات معالجة مياه تعتمد على العمليات الكهروكيميائية الذكية بدل الاستخدام الكثيف للمواد الكيميائية التقليدية. فمع تصاعد أزمة المياه عالميًا وازدياد حجم التلوث الصناعي، أصبح العالم بحاجة إلى حلول تجمع بين الفعالية البيئية والجدوى الاقتصادية، خصوصًا في الدول التي تواجه تحديات كبيرة في إدارة الموارد المائية.
ورغم النتائج الواعدة، لا تزال هناك تحديات تقنية مرتبطة بتوسيع هذه الأنظمة على المستوى الصناعي الكامل، مثل ترسب المواد على الأقطاب المعدنية مع الزمن واستهلاك الطاقة عند معالجة كميات ضخمة من المياه. لكن الدراسة الحالية توضح أن التحسين الهندسي والنمذجة الإحصائية يمكن أن يسهما بشكل كبير في تقليل هذه العقبات ورفع كفاءة الأنظمة مستقبلًا.
وفي النهاية، يقدّم هذا العمل البحثي نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للهندسة الكهروكيميائية أن تتحول إلى أداة فعالة في مواجهة التلوث البيئي. فما طوّره فريق المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد لا يمثل مجرد تجربة علمية معملية، بل خطوة عملية نحو تقنيات معالجة مياه أكثر استدامة وأقل تكلفة، قد تلعب دورًا مهمًا في حماية الموارد المائية وتقليل أخطار التلوث الصناعي خلال السنوات القادمة.
.
المصادر
1. Discover Applied Sciences – Springer
2. Springer PDF النسخة الكاملة للبحث
3. Hexavalent Chromium Removal from Water and Wastewaters by Electrochemical Methods
4. Removal of chromium from tannery wastewater using electrocoagulation
.
تواصل مع الكاتب: drsamirabdulhamid@gmail.com