مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

السكري في العالم العربي

خطر صامت يتسارع
الكاتب

د. سمير عبد الحميد

أستاذ مشارك في معهد التقنيات الحيوية - مصر

الوقت

11:17 صباحًا

تاريخ النشر

03, مايو 2026

.

في وقت تتجه فيه الأنظار عالميًا إلى الأمراض المزمنة غير المعدية، يبرز داء السكري كأحد أخطر التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات الحديثة، لكن في العالم العربي تحديدًا، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا وإثارة للقلق. فوفق مراجعة علمية حديثة نُشرت سنة 2025 في Journal of Public Health، لم يعد السكري مجرد مرض مزمن يمكن التعايش معه، بل تحول إلى أزمة صحية واقتصادية عميقة الجذور، تهدد بنية الأنظمة الصحية ومستقبل الأجيال القادمة.

تشير الدراسة إلى أن عدد المصابين بالسكري في الدول العربية بلغ نحو 43.2 مليون شخص بالغ، وهو رقم يضع المنطقة ضمن أعلى مناطق العالم من حيث انتشار المرض.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تكشف التوقعات المستقبلية عن سيناريو أكثر خطورة، حيث يُرجح أن يرتفع عدد المصابين بنسبة تصل إلى 96% بحلول عام 2035، وهو ما يعني تضاعف العبء الصحي خلال عقد واحد فقط.

هذا التصاعد السريع لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات العميقة التي شهدتها المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة. فالنمو الحضري السريع، وتغير أنماط الحياة، وزيادة الاعتماد على الغذاء عالي السعرات، إلى جانب تراجع النشاط البدني، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة مثالية لانتشار السكري، خصوصًا من النوع الثاني، الذي يمثل الغالبية الساحقة من الحالات.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أعداد المصابين، بل في طبيعة المرض نفسه ومضاعفاته. فالسكري ليس مرضًا معزولًا، بل بوابة لسلسلة من المشكلات الصحية الخطيرة، تشمل أمراض الكلى، وتلف الأعصاب، وفقدان البصر، وبتر الأطراف. هذه المضاعفات لا تؤثر فقط على جودة حياة المرضى، بل تجعل المرض أحد الأسباب الرئيسية للوفاة في المنطقة.

اقتصاديًا، يتحول السكري إلى عبء ثقيل يثقل كاهل الأنظمة الصحية والأسر على حد سواء. فتكاليف العلاج لا تقتصر على الأدوية والمتابعة الطبية، بل تمتد إلى العمليات الجراحية، والرعاية طويلة الأمد، وفقدان الإنتاجية نتيجة الإعاقة أو الوفاة المبكرة. وتشير الدراسة إلى أن هذه التكاليف، المباشرة وغير المباشرة، تجعل من السكري أحد أكثر الأمراض استنزافًا للموارد في الدول العربية، خاصة في ظل تفاوت الإمكانيات الصحية بين الدول.

المفارقة التي تبرزها الدراسة تكمن في أن هذا العبء المتزايد يحدث رغم التقدم العلمي والتقني في مجال الطب. فالعلاجات الحديثة، والتقنيات الرقمية، وبرامج التوعية موجودة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في فجوة التطبيق، وضعف الوعي المجتمعي، وعدم وصول الخدمات الصحية بشكل عادل إلى جميع الفئات. كما أن نسبة غير قليلة من المصابين لا يدركون إصابتهم بالمرض إلا بعد ظهور المضاعفات، وهو ما يزيد من تعقيد الحالة وارتفاع تكلفة علاجها.

وتلفت المراجعة العلمية إلى جانب آخر بالغ الأهمية، وهو تزايد انتشار السكري بين الفئات العمرية الصغيرة، بما في ذلك الأطفال والمراهقين. هذا التحول يعكس تغيرًا خطيرًا في نمط المرض، حيث لم يعد مرتبطًا فقط بالتقدم في العمر، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بنمط الحياة منذ سن مبكرة، ما ينذر بجيل كامل معرض لمضاعفات صحية طويلة الأمد.

تشهد دول الخليج العربي ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بمرض السكري، ما جعلها تتصدر قائمة الدول العربية، بل وتقترب من أعلى المعدلات عالميًا. ويعود هذا التفوق في النسب إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بنمط الحياة الحديث، أبرزها قلة النشاط البدني، والاعتماد الكبير على الأغذية عالية السعرات، وارتفاع معدلات السمنة. ومع تسارع التحضر وازدياد الرفاهية، أصبحت هذه العوامل أكثر تأثيرًا، مما ساهم في تضاعف معدلات الإصابة خلال العقود الأخيرة. ورغم الجهود الصحية المبذولة في دول الخليج، فإن الوتيرة المتسارعة لانتشار المرض تعكس تحديًا حقيقيًا يتجاوز المعدلات المسجلة في بقية الدول العربية، ويؤكد الحاجة إلى استراتيجيات وقائية أكثر فاعلية للحد من هذا التصاعد المستمر.

أين يتركز السكري في الوطن العربي؟

ورغم هذا المشهد القاتم، لا تخلو الصورة من بعض المؤشرات الإيجابية. إذ بدأت عدة دول عربية في تبني استراتيجيات وقائية، مثل حملات التوعية، وتحسين خدمات الكشف المبكر، وتوسيع الوصول إلى الرعاية الصحية. كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا باستخدام التكنولوجيا، مثل الطب الرقمي والتطبيقات الصحية، لتحسين متابعة المرضى وتقليل المضاعفات.

غير أن الدراسة تؤكد أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لمواجهة حجم التحدي. فالتعامل مع السكري في العالم العربي يتطلب تحولًا جذريًا في السياسات الصحية، يبدأ من الوقاية المبكرة، ويمر بتغيير أنماط الحياة، ولا ينتهي عند تحسين جودة العلاج. كما يتطلب استثمارًا أكبر في البحث العلمي لفهم الخصائص الخاصة بالمرض في المنطقة العربية، وتطوير حلول تناسب السياق الاجتماعي والاقتصادي المحلي.

في النهاية، يمكن القول إن السكري في العالم العربي لم يعد مجرد قضية طبية، بل أصبح قضية تنموية شاملة، تمس الصحة والاقتصاد والمجتمع في آن واحد. وإذا لم تُتخذ إجراءات جادة وسريعة، فإن الأرقام الحالية قد لا تكون سوى مقدمة لأزمة أكبر في المستقبل القريب.

.

المصادر

Burden of diabetes mellitus on health and economy of the Arab world: current situation and perspectives
https://link.springer.com/article/10.1007/s10389-025-02448-7

International Diabetes Federation – Diabetes Atlas 2025
https://diabetesatlas.org/resources/idf-diabetes-atlas-2025/

WHO – Global Diabetes Trends Report
https://www.who.int/news/item/13-11-2024-urgent-action-needed-as-global-diabetes-cases-increase-four-fold-over-past-decades

.

تواصل مع الكاتب: drsamirabdulhamid@gmail.com

الكلمات المفتاحية

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

الكلمات المفتاحية

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons