.
أحدث ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي وتطوره السريع في السنوات القليلة الماضية تأثيرًا عميقًا على التعليم العالي، معيدًا تشكيل ممارسات التدريس والتعلم والبحث. وأصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مدمجة بشكل متزايد في البيئات الأكاديمية، مما يوفر إمكانيات تربوية جديدة، ولكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن النزاهة الأكاديمية والتقييم الأخلاقي وأمن المعلومات.
دراسة ببليومترية نُشرت في دورية (Computers and Education: Artificial Intelligence) لباحثين من جامعة هونغ كونغ، كشفت عن النطاق غير المسبوق لهذا التحول. ومن خلال تحليل 2762 مقالة علمية نُشرت بين عامي 2022 و2025، استكشفت الدراسة كيفية تطور الذكاء الاصطناعي في بحوث التعليم العالي عبر السياقات العالمية، وما يعنيه ذلك لمستقبل إنتاج المعرفة في العصر الرقمي. وأظهرت أن الجغرافيا السياسية للمعرفة بأكملها تشهد تحولًا قد يُنذر بنهاية نظام أكاديمي هيمن عليه الغرب تاريخيًا، مع بروز لافت للسعودية ودول عربية أخرى في ترتيب الدول الأكثر إنتاجًا علميًا في هذا المجال.

تطور عدد المنشورات العلمية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي بين عامي 2022 و2025 (المصدر: دراسة المراجعة)
نمو هائل غير مسبوق
تُظهر الأرقام أن حجم المنشورات العلمية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي شهد نموًا هائلًا في السنوات القليلة الماضية. ففي عام 2022، وهو العام الذي أُطلق فيه برنامج “تشات جي بي تي”، لم يُنشر سوى 9 مقالات حول هذا الموضوع الناشئ. وبحلول عام 2023، قفز هذا العدد إلى 157 منشورًا، ثم تسارع هذا الاتجاه بشكل كبير ليصل إلى 1962 منشورًا في عام 2025 (حتى شهر نوفمبر)، وهو ما يمثل معدلًا يقارب 180 مقالًا جديدًا شهريًا. ويُظهر هذا التطور، وفقًا لمؤلفي الدراسة، “تعبئة عالمية غير مسبوقة” للمجتمع الأكاديمي استجابةً للتحديات والفرص التي يطرحها تأثير الذكاء الاصطناعي على ممارسات التدريس والبحث العلمي والنزاهة الأكاديمية.
وتؤكد الدراسة أيضًا أن هذا النمو الكمي يعكس تنوعًا سريعًا في الموضوعات المطروحة. فقد ركزت الدراسات المبكرة بشكل أساسي على الجوانب التقنية والإمكانات التربوية، بينما تشمل المنشورات الحديثة أبعادًا أخلاقية وثقافية وجيوسياسية ومؤسسية أكثر تعقيدًا. ويشير هذا النضج السريع في مجال البحث إلى أن الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه الآن ليس كمجرد ابتكار تكنولوجي، بل كذلك كظاهرة مجتمعية تعمل على تغيير أسس التعليم العالي بشكل جذري.

نحو بحث متعدد الأقطاب
تكمن إحدى أهم إسهامات هذه الدراسة في تسليطها الضوء على التحول التدريجي نحو نموذج بحث “متعدد الأقطاب”، حيث لم تعد مراكز إنتاج المعرفة التقليدية تحتكر هذا الإنتاج. ويكشف التحليل الببليومتري عن إعادة توزيع جغرافية مثيرة للاهتمام للقوة الأكاديمية، مع بقاء بعض الأنماط التقليدية.
تحافظ الولايات المتحدة على موقعها المهيمن بإنتاجها 556 منشورًا حققت 8435 استشهادًا، تليها الصين بإنتاج 475 ورقة علمية و6998 استشهادًا. لكن اللافت للنظر بشكل خاص هو الظهور الملحوظ لجهات أكاديمية جديدة تعمل على إحداث تغيير في التسلسلات الهرمية القائمة. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، تحتل المرتبة الخامسة عالميًا بإنتاج 138 منشورًا، متقدمة على قوى أكاديمية تقليدية مثل ألمانيا (111 منشورًا)، والهند (101)، وهولندا (34).
ويتسم هذا التوزيع للإنتاج العلمي “متعدد الأقطاب” بعدة سمات بارزة وفق المؤلفين، أولها الانتشار المتزايد للنفوذ الأكاديمي خارج الأوساط الغربية التقليدية. حيث تظهر دول مثل أستراليا وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، إلى جانب السعودية، قدرة متنامية على إنتاج بحوث مؤثرة تحظى باقتباسات دولية. أما السمة الثانية فتتمثل في ظهور مراكز إقليمية ناشئة تُشكل شبكات تعاون محددة، وهي شبكة الشرق الأوسط، التي تتمركز فيها المملكة العربية السعودية وعُمان وقطر والأردن، وشبكة جنوب شرق آسيا التي تنتمي إليها ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، وشبكة أمريكا اللاتينية التي تضم البرازيل والمكسيك، وشبكة أفريقيا الممثلة في جنوب أفريقيا ونيجيريا.

يؤكد الباحثون أن هذا التحول نحو التعددية القطبية لا يعني زوال التفاوتات، بل إعادة تشكيل لديناميكيات الإنتاج العلمي. فبينما لا تزال الولايات المتحدة والصين القوتين الأكاديميتين الرئيسيتين في هذا المجال، فإن هيمنتهما النسبية تتضاءل في ظل صعود جهات فاعلة ناشئة تستثمر بكثافة في بحوث الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبحسب الباحثين، يعكس هذا التطور “تزايدًا في تعدد الأصوات الأكاديمية”، مما يتيح وجهات نظر أكثر تنوعًا حول الآثار الثقافية واللغوية والتربوية لدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي.
العالم العربي والذكاء الاصطناعي التوليدي
من بين أبرز نتائج هذه الدراسة كذلك، الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للإنتاج العلمي العربي في قضايا الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي. فبعد أن كان يُنظر إلى العالم العربي لفترة طويلة كمستهلك سلبي للتقنيات المطورة في أماكن أخرى، بات اليوم يؤكد دوره كمنتج فاعل للمعرفة في هذا المجال الاستراتيجي.
وتقدم المملكة العربية السعودية مثالًا بارزًا في هذا الصدد بإنتاجها 138 منشورًا حصدت 3296 استشهادًا، محتلة بذلك المرتبة الخامسة عالميًا من حيث المساهمة، ومتجاوزة دولًا أوروبية ذات نفوذ تاريخي. ويتماشى هذا الأداء مع رؤية السعودية 2030، التي تضع الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجيتها للتنويع الاقتصادي. وتستثمر المؤسسات السعودية، ولا سيما جامعة الملك سعود، بكثافة في أبحاث التطبيقات التعليمية للذكاء الاصطناعي، مع التركيز بشكل خاص على التعلم الشخصي والتكيف مع السياقات الثقافية العربية.
وإلى جانب السعودية، تساهم دول عربية أخرى بفعالية في هذا التوجه. وتبرز عُمان وقطر بإنتاج 29 و14 ورقة علمية على التوالي، بينما تعمل الأردن ومصر والكويت ولبنان والمغرب على تطوير برامجها البحثية الخاصة.

المجالات الأربعة الرئيسية التي تتناولها البحوث حول الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي (المصدر: دراسة المراجعة)
أربعة مجالات موضوعية رئيسية
يحدد التحليل الببليومتري المُفصّل الذي أجراه الباحثون أربعة محاور موضوعية رئيسية تُشكّل حاليًا بنية الإنتاج العلمي حول الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي.
المحور الأول (باللون الأحمر في الشكل أعلاه) هو تبني الذكاء الاصطناعي العام في التعليم العالي. وهذا المجال البحثي يدرس المحددات النفسية والاجتماعية لتبني الذكاء الاصطناعي من قبل مختلف الجهات المعنية في الجامعة: طلاب، وأساتذة، وإداريين. وتستكشف الدراسات في هذا المجال، على وجه الخصوص، مقاومة التغيير، والمخاوف المتعلقة باستبدال المهارات البشرية بالآلات، والعوامل التي تسهّل التكامل الناجح.
يركز المجال الثاني على ممارسات البحث والتعليم المهني والتطبيقي (اللون الأزرق). ويدرس هذا المجال كيف يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا ملموسًا في منهجيات البحث، وممارسات التدريس في تخصصات محددة مثل الطب والتمريض والهندسة، والتطوير المهني المستمر.
ويتمثل المحور الثالث (اللون الأخضر) في مجال التقييم التقني والجدوى الأكاديمية لأنظمة الذكاء الاصطناعي العام. يقيّم هذا المجال أداء نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة وموثوقيتها، وقدرتها على توليد محتوى ذي صلة أكاديمية وصحيح من الناحية الواقعية.
ويتناول المحور الرابع (اللون الأصفر) قضايا “الأخلاقيات والنزاهة والحوكمة”. ويجمع هذا المحور مفاهيم أساسية مثل النزاهة الأكاديمية، والانتحال، والغش، والأخلاقيات، والتفكير النقدي. ويعكس المخاوف الأخلاقية المتزايدة المحيطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، مثل مخاطر الغش الأكاديمي، والتشكيك في أساليب التقييم التقليدية، والحاجة إلى إعادة النظر في النزاهة الأكاديمية في عصر الآلات التوليدية.
تحديات التعددية القطبية غير المكتملة
تسلط الدراسة الضوء أيضًا على التفاوتات الثقافية والجيوسياسية المستمرة التي لا تزال تشكل عائقًا أمام تطوير علم قائم على الذكاء الاصطناعي شامل ومتنوع. ويُبين التحليل أن دمج التعلم القائم على الذكاء الاصطناعي يختلف اختلافًا كبيرًا تبعًا للسياقات الاجتماعية والثقافية.
على سبيل المثال، تميل البحوث في دول آسيوية كالصين وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية إلى التركيز على قضايا الفعالية التربوية، وأداء الامتحانات، والميزة التنافسية. وغالبًا ما يُطرح التعلم القائم على الذكاء الاصطناعي هناك كأداة لتحسين التعلم وتعزيز الصرامة الأكاديمية.
في المقابل، وفي السياقات الغربية (شمال أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأستراليا)، تُعدّ المخاوف الأخلاقية المتعلقة بالخصوصية وشفافية الخوارزميات والحفاظ على استقلالية الإنسان مسائل جوهرية. وتركز الدراسات في هذه المناطق بشكل أكبر على مخاطر المراقبة، والتلاعب، وتراجع مهارات التفكير النقدي.
وتنعكس هذه الاختلافات أيضًا في المناهج التربوية المعتمدة، فبعض الأنظمة التعليمية تُقدّر استخدام الذكاء الاصطناعي لحفظ واسترجاع المعرفة المعيارية، بينما تعطي أنظمة أخرى الأولوية لاستخدامه في تحفيز الإبداع والتفكير النقدي وحلّ المشكلات المعقدة. وتشير الدراسة، على سبيل المثال، إلى بحث يُظهر أن الطلاب من الثقافات الآسيوية الجماعية ينظرون إلى التعاون مع الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل مختلف عن أقرانهم.
رؤى مختلفة وعقبات أساسية أمام التعدد القطبي الناشئ
يبرز التحليل تفاوتات بين الرؤى المختلفة لحوكمة الذكاء الاصطناعي. فبينما يتبنى الاتحاد الأوروبي نهجًا تنظيميًا صارمًا يرتكز على الحقوق الأساسية (عبر قانون الذكاء الاصطناعي)، تفضل الولايات المتحدة الابتكار القائم على السوق مع تنظيم لاحق، بينما تطور الصين نموذجًا تديره الدولة، حيث يخدم الذكاء الاصطناعي أهداف السيطرة الاجتماعية والسيادة الوطنية.
وتنعكس هذه الاختلافات في توجهات البحث، إذ ينشر الباحثون الأوروبيون المزيد حول الأخلاقيات والتنظيم، وينشر الأمريكيون حول الابتكار التقني والتطبيقات التجارية، بينما يركز الصينيون على عمليات النشر واسعة النطاق والتكيف اللغوي والثقافي.
تحدد الدراسة أيضًا قيودًا هيكلية في نظام النشر الحالي قد تُعيق هذا التعدد القطبي الناشئ. يتمثل العائق الرئيسي الأول في الهيمنة المستمرة للغة الإنجليزية كلغة علمية مشتركة. فمن بين 2762 مقالة تم تحليلها، نُشرت جميعها تقريبًا باللغة الإنجليزية، مما يُلحق ضررًا هيكليًا بالباحثين الذين لا يتحدثون الإنجليزية كلغة أم.
أما العائق الثاني، فيتمثل في تركز الدوريات ذات التأثير العالي في أيدي دور النشر الغربية (إلسيفير، سبرينغر، تايلور وفرانسيس، وايلي). ورغم أن بعض الدوريات أظهر انفتاحًا متزايدًا على المساهمات غير الغربية، فإن معايير التقييم ومقاييس الجودة لا تزال تستند إلى حد كبير إلى المعايير المعرفية الغربية.
أما العائق الثالث، فيتمثل في عدم تكافؤ فرص الوصول إلى الموارد الحاسوبية، إذ يتطلب تدريب واختبار نماذج اللغة الكبيرة بنية تحتية باهظة الثمن لا تستطيع جميع المؤسسات تحمل تكلفتها.
وتتمثل العقبة الرابعة في تحيزات التقييم والاستشهاد، حيث يميل الباحثون الغربيون إلى الاستشهاد بأعمال غربية في المقام الأول، مما يُنشئ دوائر تقدير ذاتية تُقصي البحوث من دول الجنوب.
وفي مواجهة هذه التحديات، يقدم مؤلفو الدراسة عدة توصيات لتعزيز التعددية القطبية الناشئة، من بينها تطوير مجلات متعددة اللغات، وإنشاء صناديق بحثية مشتركة، وتنظيم مؤتمرات إقليمية، وتعزيز المنهجيات متعددة الثقافات، ودعم الأبحاث المرتبطة بالسياق المحلي.
.
المصدر:
– Generative AI in higher education: A bibliometric review of emerging trends, power dynamics, and global research landscapes
.
تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com
هلوسة الذكاء الاصطناعي