.
لم تعد التكنولوجيا الحيوية مجرد مجال علمي متخصص يُعنى بالمختبرات والأبحاث الجزيئية، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي، وركيزة أساسية للأمن الصحي والغذائي والدوائي. وفي هذا السياق، بدأت دول الخليج العربي، التي ارتبطت تاريخيًا بالاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، في إعادة صياغة موقعها ضمن خريطة الابتكار العالمي، من خلال الاستثمار المتسارع في هذا القطاع الحيوي، ليس بوصفه خيارًا تقنيًا فحسب، بل مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد يعكس تحوّلًا عميقًا في الرؤية الاقتصادية والعلمية.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو استجابة مباشرة لتحديات عالمية كشفتها الأزمات الحديثة، وعلى رأسها جائحة كوفيد-19، التي أبرزت هشاشة سلاسل الإمداد الدوائية، وأظهرت الحاجة الملحّة إلى امتلاك القدرات المحلية في إنتاج اللقاحات والعلاجات. ومن هنا، بدأت دول الخليج تنظر إلى التكنولوجيا الحيوية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تحقيق السيادة الصحية، إلى جانب كونها قطاعًا اقتصاديًا واعدًا قادرًا على خلق قيمة مضافة عالية في اقتصاد ما بعد النفط.
في المملكة العربية السعودية، يتجسد هذا التوجه بوضوح في “الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية”، التي تهدف إلى بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار، وتعزز الاكتفاء الذاتي، وتخلق فرصًا اقتصادية مستدامة. وتسعى هذه الاستراتيجية إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي في هذا المجال، من خلال تطوير البحث العلمي، وتعزيز الشراكات الدولية، وتوطين الصناعات الحيوية، بما في ذلك تصنيع اللقاحات والأدوية المتقدمة. ولا يقتصر الأمر على التخطيط الاستراتيجي، بل يمتد إلى خطوات عملية تشمل إنشاء مراكز أبحاث متخصصة، وتحفيز القطاع الخاص للدخول في هذا المجال الحيوي.
أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد تجلّى التحول بشكل عملي خلال جائحة كوفيد-19، عندما بدأت تصنيع اللقاحات محليًا بالشراكة مع شركات عالمية، وهو ما شكّل نقطة تحول استراتيجية في مسار الصناعة الحيوية في المنطقة. هذه الخطوة لم تكن مجرد استجابة ظرفية، بل أسست لبنية تحتية صناعية ومعرفية متقدمة، جعلت الإمارات نموذجًا إقليميًا في القدرة على الانتقال السريع من الاستيراد إلى الإنتاج في مجال حيوي شديد الحساسية.
وفي مملكة البحرين، تتخذ التكنولوجيا الحيوية مسارًا متقدمًا من خلال دمجها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، وهو أحد أحدث الاتجاهات عالميًا في تسريع اكتشاف الأدوية. وقد برزت شراكات استراتيجية تهدف إلى تطوير علاجات مبتكرة، ما يعكس توجهًا نوعيًا نحو المشاركة في إنتاج المعرفة، لا الاكتفاء بتطبيقها.
أما دولة قطر، فتقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على الاستثمار العميق في البحث العلمي والبنية الأكاديمية المتقدمة. فقد لعبت “مؤسسة قطر” دورًا محوريًا في بناء منظومة بحثية متكاملة، تضم مراكز متخصصة مثل معهد قطر لبحوث الطب الحيوي ومعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، إلى جانب المدينة التعليمية التي تستقطب جامعات عالمية. وقد برز دور قطر بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، حيث ساهمت مراكزها البحثية في الدراسات الجينية للفيروس، وتحليل انتشاره، وتطوير أدوات التشخيص، بالتعاون مع مؤسسات دولية. كما تستثمر قطر في مجالات الطب الدقيق (Precision Medicine) والطب الجينومي، وهو أحد أكثر الاتجاهات تقدمًا في الطب الحديث، حيث يتم تصميم العلاجات بناءً على الخصائص الجينية للأفراد، ما يعكس انتقالًا حقيقيًا نحو موقع “المنبع العلمي”.
وتتقاطع هذه الجهود الخليجية مع تحول أوسع نحو اقتصاد قائم على الابتكار والاستدامة، حيث تسعى هذه الدول إلى تنويع مصادر دخلها وتقليل اعتمادها على النفط، عبر الاستثمار في القطاعات المعرفية والتكنولوجية المتقدمة. وفي هذا السياق، تُعد التكنولوجيا الحيوية أحد أكثر القطاعات قدرة على تحقيق هذا التحول، نظرًا لتداخلها مع مجالات متعددة مثل الصحة، والزراعة، والطاقة، والبيئة.
غير أن هذا التحول لا يخلو من تحديات جوهرية. فبناء منظومة متكاملة للتكنولوجيا الحيوية يتطلب أكثر من مجرد استثمارات مالية؛ إذ يحتاج إلى بنية تحتية بحثية متقدمة، ونظام تعليمي قادر على إنتاج الكفاءات العلمية، وإطار تشريعي يوازن بين الابتكار والرقابة، إضافة إلى بيئة تشجع على التعاون بين القطاعين العام والخاص. كما أن المنافسة العالمية في هذا المجال شديدة، حيث تتصدره دول تمتلك تاريخًا طويلًا في البحث العلمي والتطوير.
ومع ذلك، فإن ما يميز التجربة الخليجية هو الإرادة السياسية الواضحة، والقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى، إضافة إلى توفر الموارد التي تتيح الاستثمار المكثف في هذا المجال. كما أن التكامل بين دول المنطقة، من حيث توزيع الأدوار بين التصنيع والبحث والتطوير، يفتح الباب أمام بناء منظومة إقليمية متكاملة للتكنولوجيا الحيوية، قادرة على المنافسة عالميًا.
في ظل التحول المتسارع نحو اقتصاد عالمي تقوده المعرفة والابتكار، لم يعد التحدي المطروح أمام دول الخليج يتمثل في إمكانية دخولها مجال التكنولوجيا الحيوية، بل في قدرتها على ترجمة استثماراتها ورؤاها الاستراتيجية إلى منظومة علمية وصناعية متماسكة، تُنتج المعرفة وتُحوّلها إلى تطبيقات ذات أثر اقتصادي وصحي مستدام، بما يرسّخ موقعها فاعلًا حقيقيًا في هذا القطاع الحيوي خلال العقود المقبلة.
في النهاية، يمكن القول إن ما تشهده دول الخليج اليوم ليس مجرد دخول إلى مجال جديد، بل محاولة لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد العالمي. فالتكنولوجيا الحيوية تمثل فرصة حقيقية للانتقال من دور “المستهلك للمعرفة” إلى “منتج لها”، ومن الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى الاستثمار في رأس المال المعرفي. غير أن نجاح هذا التحول سيعتمد في المقام الأول على القدرة على بناء منظومة مستدامة تقوم على البحث العلمي، والتكامل المؤسسي، والرؤية بعيدة المدى.
.
المصادر
Saudi Arabia’s Biotech Strategy – Nature
https://www.nature.com/articles/d43747-025-00130-1
Biotechnology and Digital Health in Saudi Arabia and UAE (2025)
https://www.orfonline.org/english/research/biotechnology-and-digital-health-in-saudi-arabia-and-the-uae
Realizing Biotech Aspirations in Saudi Arabia
https://pharmaboardroom.com/articles/realizing-biotech-aspirations/
Biotechnology & Genomics Initiatives
https://g42healthcare.ai/
Qatar Biomedical Research Institute
https://www.hbku.edu.qa/en/qbri
Bahrain Economic Development Board
https://www.bahrainedb.com/sectors/healthcare/
SandboxAQ – Biotech & AI Collaboration in Bahrain
https://www.sandboxaq.com/
Biobanking & Precision Medicine in the GCC
https://www.biobanking.com/biobanking-in-the-gcc-powering-precision-medicine-ai-driven-diagnostics-and-health-sovereignty-in-the-middle-east/
.
تواصل مع الكاتب: drsamirabdulhamid@gmail.com