.
تشهد أبحاث الطاقة الاندماجية خلال السنوات الأخيرة تسارعًا ملحوظًا، مدفوعًا بتقدم تقني في المواد فائقة التوصيل ونماذج الحوسبة الفيزيائية. ويبرز مشروع SPARC، الذي يُطوَّر بالتعاون مع مؤسسات بحثية مرتبطة بمعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، كأحد أبرز النماذج التجريبية التي تسعى إلى تحقيق إنتاج طاقة صافية من تفاعل الاندماج النووي، وهو هدف ظل لعقود بعيدا عن التطبيق العملي.
ما الذي يجعل SPARC مختلفًا؟
يعتمد مشروع SPARC على مبدأ الاندماج النووي، وهو نفس التفاعل الذي يغذي الشمس.. ببساطة، يقوم الاندماج على دمج نوى ذرات خفيفة (مثل الهيدروجين) لإنتاج طاقة هائلة، بدلًا من تفكيك ذرات ثقيلة كما في المفاعلات التقليدية.
الهدف الأساسي للمشروع هو تحقيق ما يُعرف بـ “صافي طاقة إيجابي”، أي إنتاج طاقة تفوق ما يتم استهلاكه لتشغيل المفاعل. وإذا تحقق ذلك، فسيكون إنجازًا تاريخيًا يُنهي عقودًا من التحديات التقنية في هذا المجال.
يقوم مبدأ الاندماج النووي على دمج نوى خفيفة، عادة نظائر الهيدروجين مثل الديوتيريوم والتريتيوم، لإنتاج نواة أثقل مع إطلاق كمية كبيرة من الطاقة. ويُعد هذا التفاعل المصدر الأساسي لطاقة الشمس، حيث تحدث عمليات الاندماج تحت درجات حرارة وضغوط هائلة. التحدي في التطبيقات الأرضية يتمثل في إعادة إنتاج هذه الظروف ضمن بيئة محكومة، مع الحفاظ على استقرار البلازما عند درجات حرارة تتجاوز عشرات الملايين من الدرجات المئوية.
الاندماج ضد الانشطار: الفرق الذي يغير كل شيء
يهدف مشروع SPARC إلى الوصول إلى ما يُعرف بـ “معامل الكسب الطاقي” (Q) الأكبر من 1، أي إنتاج طاقة تفوق الطاقة المستهلكة لتشغيل المفاعل. ويعتمد التصميم على مفاعل من نوع “توكاماك”، يستخدم حقولًا مغناطيسية قوية لحصر البلازما ومنعها من ملامسة جدران المفاعل. وقد ساهمت المواد فائقة التوصيل عالية الحرارة (HTS) في تطوير مغناطيسات أكثر قوة وكفاءة، وهو ما يُعد من العوامل الحاسمة التي أعادت إحياء جدوى هذه التقنية.
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة عند مقارنتها بمفاعلات الانشطار النووي التقليدية، التي تعتمد على انقسام نوى ثقيلة مثل اليورانيوم. فرغم أن الانشطار يوفر مصدرًا مستقرًا للطاقة، إلا أنه يرتبط بإنتاج نفايات مشعة طويلة العمر، إضافة إلى مخاطر تشغيلية معروفة. في المقابل، يتميز الاندماج بإنتاج نفايات أقل خطورة، وغياب احتمالية حدوث تفاعل متسلسل خارج السيطرة، ما يجعله خيارًا أكثر أمانًا من الناحية النظرية.

من الناحية التطبيقية، لا تزال الطاقة الاندماجية تواجه تحديات هندسية معقدة، أبرزها التحكم في سلوك البلازما، وتقليل فقدان الطاقة، وتحقيق استمرارية التشغيل. كما أن تحويل الطاقة الحرارية الناتجة إلى كهرباء بكفاءة اقتصادية يمثل تحديًا إضافيًا. ومع ذلك، تشير نتائج النماذج التجريبية الحالية إلى أن هذه العقبات تتجه تدريجيًا من كونها إشكاليات نظرية إلى مسائل قابلة للحل التقني.
في سياق التحول العالمي نحو مصادر طاقة منخفضة الكربون، تمثل الطاقة الاندماجية خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد. فهي لا تعتمد على موارد نادرة بالمعنى التقليدي، كما أن وقودها الأساسي، مثل الديوتيريوم، متوفر بكميات كبيرة في مياه البحر. وإذا ما تحقق إنتاج مستقر للطاقة الاندماجية، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل أنظمة الطاقة العالمية، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مع ما يترتب على ذلك من آثار بيئية واقتصادية واسعة.
لا يمكن الجزم بجدول زمني دقيق لانتقال هذه التقنية من المختبر إلى الشبكات الكهربائية، إلا أن التطورات المرتبطة بمشروع SPARC تعكس تحولًا نوعيًا في مسار الأبحاث. وللمرة الأولى، يبدو أن تحقيق طاقة اندماجية صافية لم يعد هدفًا نظريًا بعيد المدى، بل احتمالًا علميًا مدعومًا بتقدم تقني ملموس.
.
المصادر
1. MIT News – Validating the physics behind the new MIT-designed fusion experiment
https://news.mit.edu/2020/physics-fusion-studies-0929
2. Commonwealth Fusion Systems – SPARC Fusion Technology
https://cfs.energy/technology/
3. SPARC Tokamak Overview (MIT & CFS Collaboration)
https://en.wikipedia.org/wiki/SPARC_(tokamak)
4. Power Technology – Bright SPARC: Can MIT scientists make fusion power a reality?
https://www.power-technology.com/features/bright-sparc-can-mit-scientists-make-fusion-power-reality/
5. ZME Science – MIT researchers confident fusion reactor will work
https://www.zmescience.com/science/mit-researchers-confident-their-fusion-reactor-is-very-likely-to-work/
.
تواصل مع الكاتب: mohamedmouradgamal@gmail.com