.
لمرات عديدة عبر السنين قمت بزيارة متحف التاريخ الطبيعي في لندن، وكالعادة دائمًا تجربة المرة الأولى لها ذكرياتها وانطباعاتها الخاصة، وما أعجب منه الآن أنني كنت ولا زلت مفتونًا بمقتنيات المتحف من الأحافير وعينات الديناصورات ونماذج الحشرات والحيوانات. ولكن عندما وصلت إلى المعروضات الجيولوجية وشاهدت الخزائن الزجاجية العديدة التي تحتوي كمًّا غفيرًا من عينات الصخور والأحجار، ولقلة وعيي في تلك السن المبكرة مررت في ذلك الجناح بسرعة دون التوقف لتأمل تلك العينات الجيولوجية.
في منتصف التسعينيات الميلادية كان متحف التاريخ الطبيعي في لندن مفصولًا عن متحف الأرض لدرجة أنك تحتاج أن تشتري تذكرة دخول منفصلة، ولمتحف الأرض مدخلًا خاصًا. ومن المواقف التي أتذكرها أنه في فترة الصباح أهملت واستخففت بالأحجار الموجودة في متحف التاريخ الطبيعي، أما بعد الظهر من نفس ذلك اليوم، وفي أسفل السلالم المتحركة في متحف الأرض، وقفت مذهولًا أمام عينات (أحجار) أخرى لأنها كانت قادمة من القمر. ولهذا أود أن أعترف اليوم بأني أشعر بالسذاجة في طريقة التفكير لاستخفافي بأهمية الأحجار الجيولوجية، بالرغم من أنها تكشف عن معلومات مذهلة أكثر مما تكشف عنه أحجار القمر، كما سوف أشير له بعد قليل.
ومع ذلك ربما سبب عزوفي عن التمعن في عينات الصخور المتشابهة وغير المثيرة للاهتمام يعطي لمحة لمعاناة القائمين على المتاحف والمعارض عندما يحاولون قدر المستطاع تنظيم هذه المتاحف بشكل جذاب وشيق وسلس لتقليل ظاهرة (تعب المتاحف Museum fatigue)، وهذا التعب المتحفي يعني أن غالبية زوار المتاحف يبدؤون بالشعور بالملل بعد نصف ساعة من زيارة المتحف. وهذا ما يسبب أن بعض أجنحة المتاحف لا تحظى بالاهتمام والإعجاب اللائق بها، بينما في المقابل نجد أنه في الغالب ما نجد أن حدائق الحيوان تكون مشوقة أكثر للزوار بسبب التنوع الكبير في أشكال وسلوك الحيوانات.
قبل عدة سنوات قرأت كتابًا له فكرة غريبة وهي أن للنباتات أحاسيس وإدراك، وعنوان ذلك الكتاب (النباتات العاقلة Planta Sapiens)، وبحكم أن مؤلف الكتاب عالم النبات الإسباني باكو كالفو كان عاشقًا متعصبًا لتلك الكائنات الخضراء فقد رصد في بداية كتابه أسباب معرفة وإعجاب البشر بالكائنات الحيوانية أكثر بكثير من عالم النبات، لدرجة أن أغلبنا بالكاد يمكن أن يتعرف على عدد قليل من الأشجار، بينما يستطيع أن يفرق بسهولة بين عدد هائل من الحيوانات. والمقصود أن بعض التخصصات العلمية مثل علم الجيولوجيا أو علم النبات أو علم الإحصاء وأحيانًا علم الكيمياء ليس لديها الشعبية أو التقدير المستحق اللذان تتمتع بهما تخصصات علمية مدللة مثل الفيزياء والفلك وعلم الحيوان.
ولهذا بعض المناسبات العلمية مثل (اليوم العالمي للجيولوجيين Geologists Day) الذي يقع في أول يوم أحد من شهر أبريل (يوافق هذه السنة 5 أبريل)، أو مثل (مهرجان أدنبرة للعلوم) الذي تبدأ فعالياته اليوم السبت 4 أبريل ويستمر لمدة أسبوعين، ويعتبر منافسًا بقوة لشهرة (مهرجان أدنبرة للفنون) الذي يقام سنويًا في شهر أغسطس. والذي أرغب أن أصل إليه أن هذه المناسبات العلمية والأيام العالمية والمهرجانات الاحتفالية الدولية تعتبر فرصة مناسبة جدًا للتعريف ولفت الأنظار ونشر الوعي بأهمية بعض التخصصات العلمية (مثل علم الجيولوجيا) ومحاولة تقريبها وتحبيبها للناس.
القصور في الفهم وضعف الإدراك لديّ في مرحلة بداية الشباب جعلني أنظر لعلم الجيولوجيا على أنه غالبًا عبارة عن عينات صخور متشابهة، تركيبات بلورية متكررة، ولذلك فقدت الاهتمام بها بعد التجربة المريعة لطريقة تدريس مقرر علم الجيولوجيا في المرحلة الثانوية. ولكن مع الزمن، ومع القراءة العلمية الثقافية لبعض الكتب العلمية أو مشاهدة البرامج الوثائقية الاحترافية، بدأ وبشكل متصاعد يزداد تقديري وإعجابي لدرجة الانبهار من الأفكار والمكتشفات العلمية العجيبة لعلم الجيولوجيا، وهو ما أود الحديث عنه بشكل مختصر في هذا المقال.
من الأحجار نقرأ أعظم سردية للأرض
مقارنةً بعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، يعتبر علم الجيولوجيا علمًا حديثًا نسبيًا، فهو لم يظهر بشكل مقبول ومستقل إلا في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، علمًا بأنه ربما كان أول شخص يوصف بأنه (عالم جيولوجيا Geologist) هو العالم الأسكتلندي جيمس هاتون المتوفى في عام 1797م والملقب بأبي الجيولوجيا. بالإضافة لحداثة ظهور علم الجيولوجيا، من الغريب أن أحد أهم المفاهيم العلمية في هذا المجال وهي نظرية الانجراف القاري وحركة الصفائح التكتونية التي تفسر أغلب مظاهر علم الجيولوجيا مثل البراكين والزلازل وتكون الجبال والفوالق البحرية، هذه النظرية لم يتم القبول (النهائي) لها إلا في وقت متأخر جدًا جدًا في السبعينيات من القرن العشرين. وهنا تكمن المفارقة بالنسبة لي، حيث إن علم الجيولوجيا بالرغم من تأخره النسبي إلا أنه استطاع وفي زمن قصير أن يصل لاكتشافات مذهلة بكل المقاييس.
عندما وضع العالم الألماني ألفرد فيغنر نظرية (الانجراف القاري) في عام 1912م، والتي حاول أن يفسر بها لماذا يوجد تطابق في شكل الساحل الغربي لإفريقيا مع الساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية، وذلك لأنها في الماضي السحيق كانت القارتان اللتان يفصل بينهما المحيط الأطلسي الشاسع متلاصقتين. ولغرابة هذا التفسير العلمي الذي طرحه فيغنر سخر وتهكم منه أغلب علماء عصره، لأنهم لم يستوعبوا كيف تتحرك اليابسة من تحت أرجلهم وما هي القوة الطبيعية التي تستطيع نقل القارات. أغلبنا يعرف الآن أن القارات الخمس الحالية كانت في الأزمان القديمة متجمعة في كتلة واحدة تسمى (قارة بانجيا)، وهي القارة العملاقة الافتراضية التي تسمى القارة الأم، والتي بدأت في التفكك والانفصال في زمن جيولوجي حديث نسبيًا هو قبل 200 مليون سنة.
الأغرب من ذلك أن علماء الجيولوجيا، إلى عقود زمنية مضت، لم يقتنع بعضهم بنظرية الانجراف القاري، وأصبحوا ينجرفون في قبول نظريات وأفكار جيولوجية تصف شكل الأرض في العصور السحيقة، فمثلًا يقولون بأنه قبل قارة بانجيا القارة الأم السالفة الذكر كانت توجد القارة الجدة وهي (قارة رودينيا)، وهي قارة عتيقة عظمى تشكلت قبل حوالي 1200 مليون سنة من خلال تصادمها مع أجزاء من قارة أسبق وأقدم تُعرف باسم (قارة كولمبيا)، التي يُعتقد بأنها وُجدت وتكونت منذ حوالي 1800-2100 مليون سنة.
بلا شك عبر المليارات من تاريخ كوكب الأرض، وبسبب تصادم وتفكك القارات وظهور وزوال السلاسل الجبلية والهضاب وارتفاع قاع البحر وانخفاضه، تغيرت بشكل هائل معالم سطح القشرة الأرضية، ومع ذلك تمكن علماء الجيولوجيا بعبقرية مذهلة من دراسة تلك الأجزاء من الصخور والأحجار المتناثرة في بقاع الأرض (مثل تلك التي تعرض في المتاحف العلمية ونستخف بها)، وتمكنوا من خلال ذلك من الوصول لهذه الاكتشافات الغريبة. في الواقع، بسبب غرابة بعض هذه المكتشفات والنظريات الجيولوجية، لهذا ربما بعض علماء الأرض يتأخرون في قبولها، ومن هنا تساعد منهجية (التفكير خارج الصندوق) لتسهيل الوصول للأفكار الثورية.
فمثلًا نظرية الانجراف القاري التي توصل لها ألفرد فيغنر ربما تجرأ على طرح فكرة أن الجبال تتزحزح من أماكنها لأنه في الأصل كان عالم أرصاد جوية وليس عالم جيولوجيا، وكذلك في مجال علم الكيمياء نجد أن العالم الإنجليزي جون دالتون صاحب النظرية الذرية كان في الأصل عالم أرصاد جوية، ولهذا تجرأ على وضع نماذج علمية لذرات الأوكسجين والهيدروجين والنيتروجين وبقية الذرات.
وما دمنا مع الأرصاد الجوية والذرات الغازية، أود أن أشير أن من عجائب علم الجيولوجيا الحديث أنه كما حاول أن يعرف شكل القارات وطبيعة تضاريس القشرة الأرضية في أزمنة سحيقة قد تصل لأكثر من 2 مليار سنة، فكذلك توصل علماء الأرض لإعطاء تصور غريب عن طبيعة وتركيب الغلاف الجوي للأرض في العصور القديمة. من الشيّق أن نعلم أن غازات الغلاف الجوي تغيرت بشكل مذهل عبر العصور الجيولوجية، ولم تكن ثابتة كما لم تكن الجبال ثابتة ولا تتزحزح.
فعلى سبيل المثال، الغلاف الجوي الحالي مكون بشكل أساسي من غاز النيتروجين وغاز الأوكسجين. في حين أن علماء الجيولوجيا يقترحون أن أول غلاف لكوكب الأرض في الزمن السحيق كان غلافًا رقيقًا من غاز الهيدروجين وغاز الهيليوم (الغلاف رقم 1)، ثم بعد ذلك تلاشى تمامًا هذا الغلاف بسبب الرياح الشمسية، ومر على كوكب الأرض حين من الدهر وليس لها غلاف جوي (الغلاف رقم صفر). أما (الغلاف رقم 2) فيقترح علماء الجيولوجيا أنه في فترة من الزمن كان عبارة عن غاز النيتروجين وغاز ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء وغاز الميثان المنبعثة من صهارة الماجما ومن الثورات البركانية في بداية تشكل كوكب الأرض. ثم، ومع بدايات ظهور الكائنات الحية المجهرية وبالذات الطحالب قبل حوالي ثلاثة بلايين سنة، بدأ مع الزمن إنتاج كميات هائلة من غاز الأوكسجين في (الغلاف الجوي رقم 3)، والغريب أن نسبة الأوكسجين في ذلك الغلاف القديم وصلت إلى 30% قبل أن تنقص للنسبة الحالية في حدود 21% بعد تفاعل الأوكسجين مع الحديد، وبهذا أخيرًا تشكل الغلاف الجوي الذي نعرفه الآن.
الثابت والمتحول لدى الجيولوجيين
وإذا كنت تعجب مثلي أيها القارئ العزيز كيف تمكن علماء الجيولوجيا من تخمين التغير والتطور في تركيب وكثافة الغلاف الجوي قبل مليارات السنين، فلك أن تعجب معي كذلك وأن تنبهر بمهارة وعبقرية الجيولوجيا في التعرف على المراحل الحرجة التي مر بها كوكب الأرض من ناحية حرارة الكوكب قبل عشرات ملايين السنين. فمثلًا في علم الجيولوجيا يتوقعون أن (الأرض المحمومة Feverish Earth) المصابة بالحمى والسخونة، والتي ارتفعت حرارتها لدرجات عالية قبل حوالي 56 مليون سنة، لدرجة أن مياه المحيطات البالغة السخونة تسببت في إذابة كامل الأقطاب المتجمدة الشمالية والجنوبية. وعلى النقيض من ذلك، مرّ زمن على كوكبنا الأرض كاد فيه أن يتجمد بالكامل، وهي الفرضية التي يسميها علماء الجيولوجيا بـ (الكرة الأرضية الثلجية Snowball Earth)، حيث امتدت طبقات هائلة من الجليد الكثيف من القطبين إلى خط الاستواء، وذلك قبل حوالي 635 مليون سنة.
الجدير بالذكر أن فترة الجليد الشاملة هذه تُعرف بالعصر الجليدي الثاني، حيث إن علماء الجيولوجيا الأفذاذ تمكنوا من تحديد حوالي خمسة عصور جليدية رئيسية كبرى، كان أقدمها قبل 2000 مليون سنة، واستمر ذلك العصر الجليدي لمدة 300 مليون سنة، أما أحدث العصور الجليدية الكبرى فكانت قبل 2.6 مليون سنة.
وهنا يُطرح سؤال من قبل الأشخاص العاديين أمثالي، وهو كيف يستطيع علماء الجيولوجيا أن يعرفوا مثل هذه الأمور العلمية الدقيقة التي حصلت قبل مئات الملايين من الزمن، ولم يبق من الشواهد المتبقية منها إلا بعض الأحجار والصخور والأحافير. طبعًا الجواب لا أعرفه، وأتمنى من الزملاء الجيولوجيين توضيح بعض هذه الجوانب السحرية من الاكتشافات العلمية الغريبة، مثل أن القمر تكون نتيجة الاصطدام بين كوكب الأرض وكوكب آخر في حجم المريخ يسمى كوكب ثيا Theia، وتشكل القمر من الحطام المتناثر من الكوكبين.
كيف يعرف علماء الأرض وعلماء الفلك أن المسافة بين كوكب الأرض والشمس ليست ثابتة، وأن الأرض تبتعد مع الزمن عن الشمس (وكذلك القمر يبتعد مع الزمن عن الأرض)، حيث يقدر العلماء بأن الأرض ابتعدت عن الشمس بمسافة 50000 كيلومتر من الموقع الذي كانت تقع فيه الأرض عند تكونها قبل 4.5 مليار سنة. وبالمناسبة، من غرائب علم الفلك أن كوكب المشتري في بداية تكون المجموعة الشمسية كان يقع في مدار بعيد جدًا عن الشمس، ثم انتقل مع الزمن إلى داخل المجموعة الشمسية ليصل إلى حدود مدار المريخ، ثم تحرك مرة أخرى ليبتعد كثيرًا عن الشمس.
وفي الختام، نحن ننظر لأشياء من حولنا بأنها (ثابتة) لا تتغير ولا تتحرك، فالأرض نشعر وكأنها ثابتة لا تدور، والجبال راسخة في مواقعها لا تزول، والهواء الجوي حتى مع تغير الطقس والمناخ تركيبه ثابت، ومواقع القمر والشمس والكواكب بالنسبة لبعضها البعض لا تتغير. ومع ذلك هذه هي فقط النظرة (السطحية) لأشياء من حولنا، بينما أهل الإدراك والفطنة والعبقرية العلمية والكفاءة البحثية من مثل علماء الجيولوجيا لهم نظرة مختلفة وسردية عجيبة عن تاريخ كوكب الأرض في العصور السحيقة، بل والغوص إلى داخل طبقات الأرض والاستعانة بالموجات الزلزالية لتحديد أن مركز الأرض ليس مكونًا من الصخور المصهورة، وإنما لأمنا الأرض قلب من حديد أثبتت الأبحاث الفلكية والجيولوجية الحديثة أنه بالفعل قادم من الفضاء في شكل النيازك، وأنه أُنزل إلى الأرض وتغلغل إلى مركزها.
.
تواصل مع الكاتب: ahalgamdy@gmail.com