.
إذا كان المقال السابع قد دار حول السُّهال والتَّجفاف بوصفهما زيادةً في خروج السوائل واضطرابًا في توازن الجسد، فإنّ الانتقال إلى الإمساك والانتفاخ والمغص هو انتقالٌ منطقيٌّ إلى الطرف الآخر من المعادلة: لا شيء يخرج كما ينبغي، فيتكدّس «الداخل»، ويثقل البطن، ويظهر الألم على هيئة تقلّصات ومغص وتمدّد.
وهنا تبرز قيمة BAM 11 (المجلد 11 من سلسلة Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen)؛ إذ يقدّم،بحسب توصيفه العلمي، أوّل تحرير شامل لأهم مُدوَّنة علاجيّة تخصّ أمراض الجهاز الهضميّ وما يتصل بها من «أدواء صفراويّة» وحُمّيات، ضمن ما يُعرَف بـ «معاهدة المعدة» في “الموسوعة الطبيّة النِّينَوِيّة”، المُجمَّعة من أوصاف الأعراض، والوصفات الدوائيّة، والتعاويذ، وطقوس العلاج. (FU Berlin Blogs).
«الدّاخل» في لغة النُّصوص: libbu ليس «قلبًا» دائمًا
أحد مفاتيح فهم أمراض البطن في النصوص المسماريّة هو أنّ المصطلحات لا تُطابق دائمًا تقسيماتنا الحديثة. فالكلمة الأكّدية « libbu » تُترجم كثيرًا بـ«القلب»، لكنّها، في استعمالاتٍ واسعة، قد تعني كذلك «البطن/الأحشاء/الداخل»؛ أي إنّ «مركز الألم» قد يُصاغ لغويًّا كأنه داخلٌ ممتدّ لا كعضوٍ واحد. (avarjournal.com)
وحين نقرأ «وجع الداخل» أو «ثِقل الداخل»، فذلك لا يشير إلى «تشخيص تشريحيّ» بقدر ما يشير إلى تجربة جسديّة محسوسة: امتلاء، ضغط، غثيان، انحباس، غازات… إلخ.
كيف تُوصَف آلام الإمساك والانتفاخ؟
لا تُعطينا النصوص القديمة «مخططًا تشريحيًّا» بقدر ما تُعطينا سردًا للأعراض كما تُرى وتُعاش. ومن السمات الأسلوبيّة اللافتة في النصوص الطبيّة المسماريّة أنّها تستخدم أفعالًا تُصوّر المرض كأنه فاعلٌ يهاجم الجسد: «يقبض/يَقبِض عليه» أو «يضربه» أو «يستولي عليه». وهذا اللون من اللغة ليس تزيينًا، بل هو طريقةٌ في تنظيم الخبرة المرضيّة وتوصيف شدّتها ومسارها. (avarjournal.com)
وفي سياق الإمساك والانتفاخ، يمكن أن نتوقّع (وفق المنطق الداخلي لهذه اللغة) أن تتكرر صورٌ من قبيل:
– «انغلاقُ المسالك» أو «توقّف الجريان».
– «ثِقلُ الداخل» وتمدّده.
– ألمٌ يأتي على شكل نوبات (وهنا يقترب الوصف من معنى «المغص»: ألمٌ يشتدّ ثم يخفّ ثم يعود).
من الوصف إلى التدبير: ماذا يريد المعالِج البابليّ أن يفعل؟
إذا لخّصنا «منطق العلاج» في هذه الفئة من الأعراض، فسنجد هدفين كبيرين:
أ) إعادة الحركة إلى ما انحبس
الإمساك، في التجربة اليومية، ليس «غياب خروج» فقط، بل شعورٌ بأن شيئًا «عالِق» أو «ساكن» في الداخل. لذلك يميل التدبير العلاجي (في تقاليد الوصفات القديمة عمومًا، وضمن إطار «معاهدة المعدة» خصوصًا كما توصف مادّتها) إلى ما يُعيد الليونة والدفع اللطيف:
1- مشروبات/جرعات تُؤخذ بالفم.
2- مواد دُهنيّة/زيتيّة لتليين المجرى.
3- «معالجات موضعيّة» تسخينًا أو تليينًا لتخفيف التشنّج.
ب) تفكيك ما سبّب الانتفاخ والمغص
الانتفاخ ليس عرضًا منفصلًا عن الإمساك دائمًا؛ فقد يتولّد من توقّف الحركة، فينتج ضغط وألم. ومن هنا تبرز فئة إجراءات هدفها:
1- تقليل «التمدّد» الداخلي، وتهدئة الألم.
2- تنظيم الطعام/الشراب المسموح مؤقتًا (ضمن سياقٍ علاجيّ).
3- استعمال وصفات تُقرأ ضمنها الأعراض كـ«حالة» تحتاج إلى تهدئة ثم دفعٍ تدريجي.
(ومن المهمّ هنا أن نتذكّر أنّ (المعاهدة) نفسها، بحسب تعريفها في عرضها العلمي، تمزج الوصفات الدوائيّة مع التعاويذ والطقوس؛ أي أنّ علاج الألم قد يكون «مادّيًّا» و«رمزيًّا» في آنٍ واحد). (FU Berlin Blogs).
لماذا تُجاور التعاويذُ الوصفة في علاج «البطن»؟
قد يبدو وجود التعويذة بجوار الوصفة غريبًا للقارئ الحديث، لكنه يصبح مفهومًا إذا أخذنا بعين الاعتبار طريقتين للتفسير كانتا تتعايشان:
تفسير «علاجيّ/دوائيّ» يهتمّ بما يُشرب ويُؤكل ويُدهَن.
وتفسير «سببيّ/غَيْبيّ» يرى بعض الأعراض أثرًا لقوّةٍ خفيّة أو كيان غير منظور.
ولذلك لا يُستغرَب أن يكون الألم «مهاجمًا» في اللغة، وأن يكون العلاج «تحريرًا» أو «إطلاقًا» من هذا القبض، وهذه صورة تعبيريّة نجد لها أصداء واضحة في تحليل لغة الطبّ المسماريّ. (avarjournal.com)
الخلاصة
الإمساك والانتفاخ ومغص الأمعاء، في الطِّبّ البابليّ، ليست (تفاصيل هامشيّة)، بل نافذة ممتازة لفهم كيف:
1- تُصاغ الخبرة الجسديّة لغةً (الـ libbu بوصفه «الداخل»). (avarjournal.com)
2- يُحوَّل الألم إلى علامات يمكن تتبّعها في السرد العلاجي. (avarjournal.com)
3- تُصمَّم المعالجة لتستعيد «جريان الداخل» عبر وصفات وإجراءات تتجاور فيها المادةُ والرمز. (FU Berlin Blogs)

صورة نُصْب/تمثال للإلهة غولا (Gula) إلهة الشفاء. الصورة من Wellcome وتحت ترخيص CC BY 4.0.
https://commons.wikimedia.org/wiki/File:A_sculpture_of_Gula,_Sumerian_deity_of_healing_Wellcome_V0031350ER.jpg
.
.
المراجع
1- Cale Johnson & Krisztián Simkó, Gastrointestinal Disease and Its Treatment in Ancient Mesopotamia: The Nineveh Treatise, Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen(BAM), Band 11, De Gruyter, 2024. (ترخيص: CC BY‑NC‑ND 4.0). (ResearchGate(
2- تدوينة تعريفية بصدور BAM 11 ضمن مشروع BabMed (FU Berlin): (FU Berlin Blogs)
3- Moudhy Al‑Rashid, “His heart is low”: Metaphor and Making Sense of Illness in Cuneiform Medical Texts, AVAR 1/1 (2022) . (avarjournal.com)
.
البريد الإلكتروني: mmr@arsco.org
السُّهال والتجفاف في نصوص مُعالَجة المَعِدَة
الحُمّيات وأمراض البطن في الطبّ البابليّ
حين تضيء العين أمراض الرأس
من أمراض العين إلى أمراض الرأس
مدخل إلى الطب في بلاد الرافدين
الطب في حضارات بلاد الرافدين