مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

انهيار متوسط العمر المتوقع في غزة إلى النصف

تشير التقديرات إلى أن عدد القتلى قد يتجاوز 100 ألف شخص
الكاتب

الصغير محمد الغربي

صحفي علمي

الوقت

09:44 مساءً

تاريخ النشر

03, فبراير 2026

.

كشفت دراسة علمية جديدة عن انهيار غير مسبوق في متوسط العمر المتوقع في قطاع غزة، حيث انخفض إلى نحو النصف مقارنة بمستوياته قبل الحرب. وتأتي هذه النتائج في سياق حرب وُصفت بأنها عملية إبادة جماعية، استهدف فيها الجيش الإسرائيلي جميع مقومات الحياة الأساسية، ما أدى إلى استشهاد عشرات الآلاف، وإصابة مئات الآلاف، وتدمير شبه كامل للبنية التحتية والمباني.

اعتمدت الدراسة، التي أجراها فريق من الباحثين في معهد ماكس بلانك للبحوث الديموغرافية (MPIDR) ومركز الدراسات الديموغرافية (CED)، ونُشرت في دورية Population Health Metrics العلمية، على نمذجة إحصائية متقدمة لتقدير أثر الحرب على معدلات الوفيات ومتوسط العمر المتوقع في غزة. وكشفت النتائج عن حجم الصدمة الديموغرافية العميقة التي تعرّض لها السكان؛ إذ ارتفع معدل الوفيات الإجمالي في قطاع غزة عام 2023 إلى ما يقارب ثمانية أضعاف مستوياته السابقة، مصحوبًا بانخفاض حاد في متوسط العمر المتوقع، أعاد السكان إلى مستويات لم يشهدوها منذ أجيال.

وبعيدًا عن العنف المباشر، تشير التوقعات إلى أزمة مطوّلة تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من عدد الضحايا المسجّلين، لتطال البنية السكانية الفلسطينية نفسها، تحت وطأة العنف المروّع والوحشية التي مارسها جيش الاحتلال.

وقدّرت الدراسة أن نحو 78 ألف شخص قُتلوا في غزة بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونهاية عام 2024 نتيجة مباشرة للنزاع. وفي تحليل لاحق أُجري بعد النشر، وجد الباحثون أنه بحلول 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025، من المرجّح أن يكون عدد الوفيات المرتبطة بالنزاع قد تجاوز 100 ألف شخص.

تراجع متوسط العمر المتوقع في فلسطين (باللون البرتقالي)، وغزة (باللون الأحمر)
والضفة الغربية (باللون الأزرق) بين عامي 2012 و2024 (المصدر: معهد ماكس بلانك)

انهيار متوسط العمر المتوقع

يُعدّ الانهيار التاريخي في متوسط العمر المتوقع أول مؤشر رئيسي يعكس حجم الكارثة الديموغرافية. فقبل الحرب، كان متوسط العمر المتوقع في قطاع غزة يُقدَّر بنحو 77.2 سنة للنساء وحوالي 75 سنة للرجال، استنادًا إلى القيم المرجعية للفترة بين عامي 2012 و2019. غير أنه بحلول عام 2023، انخفض هذا المتوسط إلى 44.3 سنة للنساء و40.6 سنة للرجال. وفي عام 2024، أظهرت التوقعات زيادة طفيفة للنساء إلى 45.9 سنة، في مقابل انخفاض متوسط العمر المتوقع للرجال إلى 38.2 سنة.

وبحسب الدراسة، فإن الانخفاض التراكمي في متوسط العمر المتوقع كان هائلًا، حيث بلغ فقدان 34.4 سنة من متوسط العمر المتوقع للرجال في عام 2023، و33.9 سنة للنساء. وهي مستويات لا تُلاحظ عادة إلا في حالات الإبادة الجماعية الموثّقة أو في سياقات الوفيات الكارثية الكبرى.

ويشير المؤلفون إلى أن هذا الانخفاض يعادل، بالنسبة للرجال، فقدان ما يقرب من ثلثي متوسط العمر المتوقع الذي كان سيُسجَّل في غياب الصراع، مؤكدين أنه لا يوجد نظير حديث لمثل هذا الضغط الهائل على فرص البقاء بالنسبة لعدد كبير من السكان الشباب.

حجم وفيات يغيّر التركيبة السكانية

تتجلى الصدمة الديموغرافية أيضًا في حجم الوفيات المسجّلة؛ إذ تشير التقديرات إلى ما مجموعه 38,172 حالة وفاة مرتبطة بالحرب الإسرائيلية في فلسطين خلال عام 2023، غالبيتها الساحقة في قطاع غزة. أما في عام 2024، فيُقدَّر العدد الإجمالي بـ 41,617 حالة وفاة. وتمثل هذه الأرقام زيادةً بنحو أربعة أضعاف في إجمالي الوفيات السنوية في فلسطين، وزيادةً تقارب ثمانية أضعاف في قطاع غزة وحده.

ويتجلى عنف الأزمة بوضوح في التوزيع العمري والجندري للوفيات؛ فعلى عكس الصراعات التاريخية في المنطقة، تُظهر البيانات المجمّعة للحرب الحالية أن 92% من الوفيات كانت بين فئة الشباب، وأن ما يقرب من 40% من الضحايا من النساء، في حين أن 24% فقط من الرجال الذين قُتلوا تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عامًا. ويُفسَّر هذا التحول بطبيعة القصف والتدمير الممنهج للبنية التحتية المدنية.

كما وجدت الدراسة أن توزيع الوفيات الناجمة عن العنف في غزة، بحسب العمر والجنس، خلال الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2024، يُشابه إلى حد كبير الأنماط الديموغرافية التي لوحظت في العديد من حالات الإبادة الجماعية التي وثّقتها مجموعة الأمم المتحدة المشتركة بين الوكالات لتقدير وفيات الأطفال.

وتشير الأرقام التي نشرتها فرق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى 21,822 حالة وفاة في غزة وحدها. ولا تشمل هذه الأعداد المفقودين، الذين يتجاوز عددهم عشرة آلاف شخص وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة. كما تُظهر النماذج التي استخدمها الباحثون أن البيانات الرسمية تعكس نقصًا محتملًا في الإبلاغ يصل إلى نحو 35% لبعض الفئات العمرية، ما يشير إلى أن معدلات الوفيات الفعلية أعلى بكثير من الأرقام المُعلنة.

وتجدر الإشارة إلى أن الأدبيات العلمية تناقش سيناريوهات متعددة للوفيات غير المباشرة، حيث قد يقابل كل حالة وفاة مباشرة ما يصل إلى أربع وفيات غير مباشرة مرتبطة بالجوع أو نقص الرعاية الصحية أو الأوبئة، بينما أظهرت سياقات أخرى للحروب المطوّلة نسبًا تصل إلى 16 وفاة غير مباشرة مقابل كل وفاة مباشرة.

مؤشرات على تحول ديموغرافي كبير

عند جمع هذه المؤشرات مجتمعة، تتقارب النتائج نحو استنتاج واحد: قطاع غزة يشهد أزمة ديموغرافية غير مسبوقة. فقد انخفض متوسط العمر المتوقع إلى مستويات لوحظت في أفقر بلدان العالم في منتصف القرن العشرين، وارتفعت معدلات الوفيات إلى عدة أضعاف المتوسطات التاريخية، وبلغت نسبة النساء بين الضحايا مستويات استثنائية، فيما يواجه الأطفال خطر الموت أو اليُتم بمعدلات تتراوح بين ستة إلى تسعة أضعاف مقارنة بعام 2022.

وشدّدت الدراسة على عامل حاسم لفهم المسارات الديموغرافية المستقبلية، إذ نزح أكثر من 90% من السكان، ودُمّر ما يقرب من 85% من المستشفيات والمنازل والمدارس، وانهارت الخدمات العامة بصورة شبه كاملة. وسيكون لهذا الدمار الشامل آثار طويلة الأمد على معدلات المواليد، وصحة الأطفال، وبقاء الأمهات، وتدفقات الهجرة، بما يُحدث تحولًا جذريًا في البنية الديموغرافية لقطاع غزة لعقود مقبلة.

وتخلص الدراسة إلى أن تداعيات الحرب على غزة عميقة وبعيدة الأثر، ولا يمكن اختزال الكارثة الديموغرافية المستمرة في الأرقام اليومية المُعلنة. بل تُقاس هذه الكارثة بالتدمير الصامت للهرم العمري، والانكماش الحاد في متوسط العمر المتوقع، وارتفاع وفيات الرضع، وخطر اندثار جيل كامل من الأطفال والبالغين.

وترسم الأرقام التي جمعها الباحثون صورة تتجاوز مجرد توصيف أزمة آنية، لتشير إلى شرخ تاريخي عميق ستظل آثاره ممتدة لعقود طويلة في مختلف جوانب الحياة داخل المجتمع الغزي.

.

المراجع:

Accounting for uncertainty in conflict mortality estimation: an application to the Gaza War in 2023-2024

Gaza: study reveals unprecedented losses of life and life expectancy

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x