.
بعد أن تتبّعنا في المقال السّابق حضورَ الصُّفْراء والمرارة في خطاب الطِّبّ البابليّ، يصبح الانتقالُ إلى السُّهال منطقيًّا؛ لأنّ نصوص «مُعالَجةِ المَعِدَة» لا تفصل بين ما نسمّيه اليوم اضطرابًا صفراويًّا وبين ما ينعكس على الأمعاء إخراجًا وتقلُّصًا وفقدًا للسَّوائل. وفي هذا المفصل تحديدًا تتجلّى قوّةُ «مُعاهدة/رسالة المَعِدَة» ضمن موسوعة نينوى الطبّية: مادّةٌ تُركِّب العَرَضَ، وتبني عليه الوَصْفَة، وتُسنده أحيانًا بتعويذةٍ/صياغةٍ سببيّة وطقسٍ علاجيّ. (blogs.fu-berlin.de)
1- كيف سمّى البابليون السُّهال؟ (لغةٌ تصف قبل أن تُصنِّف)
من أهمّ ما يلفت في الطِّبّ المسماري أنّه يستعير مفرداتٍ حسّيّة/تصويريّة لوصف ما يجري في الجوف. ومن ذلك التعبير السومريّ «šà si-sá» ومعناه الحرفيّ قريب من (استقامة الداخل)، وهو في الاستعمال الطبّيّ (يدلّ غالبًا على السُّهال)، ويُقابَل بالتصوّر «الطبيعي» للأمعاء على أنّها ملتفّة/ملتوية. هذا التمثيل (استقامة/التفاف) ليس «تشريحًا» بالمعنى الحديث، بل (لغةُ ملاحظة) تُترجم تغيّرَ حركة الأمعاء وخروجها. (Brill) ومن هنا يمكن فهم كثيرٍ من العبارات التي تبدأ بالملاحظة ثم تنتهي بالتدبير: الطبيب لا يُعلن «تشخيصًا اسميًّا» بقدر ما يلتقط نمطًا (تكرار، سيلان، حرارة، ألم…) ثم يربطه بوصفةٍ أو إجراء.
2- السُّهال عَرَضٌ… وقد يصير «باب مرض»
النصوص التي نقرأها ضمن تقاليد نينوى لا تتعامل مع السُّهال على أنّه ظاهرة منفصلة دائمًا؛ بل يظهر أحيانًا باعتباره (علامةً ضمن شبكة): حُمّى، عِلَل صفراويّة، اضطراب معديّ/معويّ… وهذا يتّسق مع طبيعة المجلّد المرجعي (BAM 11) الذي يقدّم «أوسع صورةٍ» لكيفية معالجة (اعتلالات الجهاز الهضميّ)، و(الأمراض المرتبطة بالصُّفْراء، والحمّيات، ومنها السُّهال) في تقاليد بلاد الرافدين. (blogs.fu-berlin.de) والأهمّ هنا أنّ ترتيب المادّة في «مُعالَجة المعدة» يُشعرك بأنّ السُّهال ليس حدثًا عابرًا، بل (موضعُ قلقٍ علاجيّ) لأنّه يفتح باب الضعف، وربّما الامتناع عن الطعام، وربّما امتداد الألم إلى أسفل البطن.
3- التَّجفافُ: ما الذي «يلتقطه» النصّ قبل أن نسميه جفافًا؟
مصطلح «التَّجفاف» بمفهومه الحديث قد لا يَرِدُ بهذه الصيغة، لكنّ منطق العلاج يوحي بأنّ المعالجين كانوا واعين بخطورة (فقدان السوائل) المصاحب للسُّهال: فالتركيز لا ينحصر في إيقاف الخروج، بل يمتدّ إلى (استرجاع القوّة) وتهدئة «اضطراب الجوف». وهذه قراءةٌ استنتاجيّة من طبيعة التعامل مع عِلَل المعدة ضمن موسوعةٍ علاجيّة تجمع وصف الأعراض + وصفات الأدوية + تعاويذ/تعليلات + طقوس تطبيق. (blogs.fu-berlin.de)
4- من الوَصْف إلى الوَصْفَة: ثلاث طبقات علاجيّة تتكرّر في الطِّبّ المسماري
حين ننظر إلى التراث البابلي/الآشوريّ كما يقدّمه الباحثون، نرى أنّ العلاج لا يتّخذ مسارًا واحدًا، بل يعمل غالبًا على ثلاث طبقات متساندة:
الطبقة الدوائيّة (الصيدلانيّة): وفيها تتنوّع الأشكال: أشربة، مراهم، لُصوقات، وربّما لبوس/تحاميل… أي إنّ التدخّل يتبدّل بحسب موضع الألم وطريقة «الوصول» إلى العضو المقصود. ويُنبّه ماركهام غِلّر إلى أنّ الوصفات تعالج أعراضًا مثل الحمّى والألم والسُّهال بأدوية تُقدَّم في صور صيدلانيّة متعدّدة (جرعات تُشرب، مراهم، تحاميل…). (Archive.org)
الطبقة الإجرائيّة (طريقة الاستعمال): ليست المكوّنات وحدها هي «الدواء»، بل طريقة التحضير والتطبيق: سحق، خلط، تسخين، تكرار، توقيت… وهذه الخصائص تُحوِّل الوصفة من «قائمة مواد» إلى «بروتوكول» صغير.
الطبقة التفسيريّة/الطقسيّة: وفيها تُستدعى تعاويذ أو صيغ تُشبه «التعليل» (لماذا حدث الألم؟ كيف يُطرَد؟) ويقترن ذلك بعملٍ تطبيقيّ. وهذه السِّمة جزء أصيل من مادة «رسالة المعدة» كما يصفها عرضُ المجلّد: نصوصٌ مركّبة من وصف أعراض، ووصفات أدوية، وتعاويذ، وطقوس شفاء. (blogs.fu-berlin.de)
الفكرة المهمّة هنا: أنّ «الطِّبّ» لم يكن عندهم قسمين منفصلين (علمي/سحري)، بل ممارسة واحدة تُزاوج بين ما هو دوائيّ محسوس وبين ما هو لغويّ/رمزيّ مُساعِد.
ماذا تُضيف لنا دراسة السُّهال في هذا السياق؟
تُظهر أن الطِّبّ المسماريّ يملك (لغةً سريريّة) تلتقط التغيّر الجسديّ بعبارات دقيقة نسبيًّا (مثل تشبيه «استقامة الداخل»). (Brill)
وتؤكّد أنّ موسوعة نينوى الطبّية ليست مجرّد تجميع عشوائي، بل مشروعٌ نصّيّ يُحاول ترتيب المعرفة العلاجيّة وتداولها؛ وهو ما تعمل مشاريع حديثة على إعادة بنائه وجعله متاحًا. (Oracc)
خاتمة (جسرٌ إلى المقال الثامن)
إذا كان مقال الصُّفْراء قد أبرز “لغة الأخلاط قبل الأخلاط”، فإنّ مقال السُّهال يُرينا “لغة السوائل قبل نظريّة السوائل”: كيف تُصاغ الملاحظة في عبارةٍ قصيرة، ثم تُبنى عليها وصفةٌ وإجراءٌ وربّما تعليلٌ طقسيّ. وفي المقال القادم نقترح الانتقال إلى: الإمساك/الانتفاخ وآلام التقلُّص بوصفها الوجه الآخر لاضطراب الأمعاء في نفس تقليد «مُعالَجة المعدة».

لوحٌ طينيّ يتضمن وصفةً طبّية (Mesopotamian medical prescription)،
ملكية عامّة (Wikimedia Commons)
.
للتعريف بالمرجع الأساس للسلسلة (BAM 10) وبمراجعة الكتاب، راجع هذه الورقة المرجعية
.
المراجع:
Johnson, J. Cale & Simkó, Krisztián. Gastrointestinal Disease and Its Treatment in Ancient Mesopotamia: The Nineveh Treatise (BAM 11). (إتاحة مفتوحة؛ عرض عامّ للمحتوى وطبيعته ضمن موسوعة نينوى الطبّية). (blogs.fu-berlin.de)
حول مصطلح «استقامة الداخل» ودلالته على السُّهال في النصوص الطبّية (Brill)
Geller, Markham J. Ancient Babylonian Medicine PDF
مفتوح) – إشارة إلى معالجة أعراض مثل السُّهال ضمن ترسانة وصفات وأشكال دوائيّة متعدّدة. (Archive.org)
NinMed (The Nineveh Medical Project) تعريف بالموسوعة الطبّية النينويّة ومشروع إتاحتها. (Oracc)
.
البريد الإلكتروني: mmr@arsco.org
الحُمّيات وأمراض البطن في الطبّ البابليّ
حين تضيء العين أمراض الرأس
من أمراض العين إلى أمراض الرأس
مدخل إلى الطب في بلاد الرافدين
الطب في حضارات بلاد الرافدين