.
أثمر تعاون علمي بين باحثين من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان الأمريكية ومتاحف قطر عن اكتشاف أحافير نادرة لبقرة بحرية صغيرة منقرضة، قريبة الصلة بالأطوم (Dugong)، ظلت مدفونة تحت الرمال طوال نحو 21 مليون سنة.
ووفقًا لبيان صادر عن مؤسسة سميثسونيان، فقد عُثر على هذه الأحافير في موقع المزبهية الواقع جنوب غرب قطر، وأظهرت نتائج التحليل أن أبقار البحر الصغيرة كانت تعيش في منطقة الخليج العربي قبل أكثر من 20 مليون سنة، ضمن بيئة ساحلية غنية بمروج الأعشاب البحرية.
اسم علمي جديد تكريمًا لقطر وخليج سلوى
وأعلن الفريق العلمي عن تسمية النوع المكتشف باسم “سلواسيرين قطرنسيس” (Sulawehsiren qatariensis)، حيث يشير الجزء الأول من الاسم إلى خليج سلوى القريب من الخليج العربي، وهو موطن الأطوم في العصر الحالي، فيما يكرّم اسم النوع “قطرنسيس” دولة قطر التي اكتُشفت فيها الأحافير.
دراسة حديثة تفتح بابًا لفهم تطور النظم البيئية
ونُشرت نتائج الدراسة مؤخرًا في دورية PeerJ العلمية تحت عنوان:
High abundance of Early Miocene sea cows from Qatar shows repeated evolution of seagrass ecosystem engineers in Eastern Tethys
ويتوقع الباحثون أن تساعد هذه النتائج في فهم كيفية استجابة النظم البيئية لمروج الأعشاب البحرية عبر الزمن الطويل، خاصةً في مواجهة التغيرات البيئية الممتدة.
الأطوم وبقرة البحر.. تشابه واختلاف
يُعدّ الأطوم أو ناقة البحر (Dugong) أحد الثدييات البحرية العاشبة التي تعيش في البيئات الساحلية الضحلة، وهو واحد من أربعة كائنات حية تنتمي إلى رتبة الخيلانيات المائية (Sirenia).
أما بقرة البحر (Steller’s sea cow)، فهي سلالة منقرضة اكتُشفت عام 1741 وكانت تعيش حول جزر كوماندر في بحر بيرنغ بين ألاسكا وروسيا، قبل أن يؤدي الصيد المكثف إلى انقراضها خلال القرن الثامن عشر. وفي تصريحات خاصة لموقع منظمة المجتمع العلمي العربي، قال الدكتور نيكولاس باينسون (أمين قسم الثدييات البحرية الأحفورية في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة) إن أبرز الفروق بين بقرة البحر والأطوم تتمثل في أن بقرة البحر قريبة من الأطوم لكنها متباعدة عنه تطوريًا:
كانت لبقرة البحر أطراف خلفية صغيرة ورثتها من أسلاف برية بعيدة، بينما لا يمتلك الأطوم الحالي أطرافًا خلفية. امتلكت بقرة البحر خطمًا أقل انحناءً مع أنياب صغيرة، في حين يمتلك الأطوم الحالي خطمًا شديد الانحناء يشبه “البوميرانغ” مع أنياب رفيعة. وأضاف باينسون أن بعض الأنواع الأحفورية القديمة كانت تمتلك أنيابًا أكبر بكثير تشبه الأدوات الحادة، وهو أمر غير مستغرب بالنظر إلى قرب هذه المجموعة من الفيلة تطوريًا، رغم أنها غادرت الحياة البرية منذ نحو 50 مليون سنة.

الخليج العربي.. موطن تاريخي للتنوع البيولوجي
وبيّن بيان سميثسونيان أن هذه الأحافير تقدم دليلًا على وجود مساحات واسعة من الأعشاب البحرية في الخليج العربي قبل أكثر من 20 مليون سنة، خلال مرحلة شهدت ازدهارًا ملحوظًا في التنوع البيولوجي البحري. وأشار البيان إلى أن أبقار البحر ساهمت في المحافظة على تلك المروج عبر التغذية وتحريك الرواسب، وهو الدور الذي يقوم به الأطوم الحديث اليوم، إذ يؤدي رعيه المستمر إلى إعادة تشكيل قاع الخليج وإطلاق المغذيات التي تفيد النظم البيئية المحيطة.
وقال الدكتور باينسون ضمن البيان: “اكتشفنا سلفًا بعيدًا لأبقار البحر في صخور تبعد أقل من 16 كيلومترًا عن خليج غني بمروج الأعشاب البحرية التي تمثل موطنها الرئيسي اليوم. لقد كان هذا الجزء من العالم موطنًا رئيسيًا لأبقار البحر طوال الـ 21 مليون سنة الماضية، لكن الأنواع التي شغلت هذا الدور اختلفت عبر الزمن”.
“مقبرة الأطوم”.. أغنى موقع أحفوري معروف
يُعد موقع المزبهية أحد أهم مصادر أحافير أبقار البحر في العالم. وقد اكتشفه الجيولوجيون أول مرة في سبعينيات القرن الماضي أثناء المسوحات التعدينية والبترولية، واعتقدوا حينها أن العظام تعود إلى زواحف، قبل أن يتضح لاحقًا أنها لأبقار بحرية قديمة.
وقال فرحان ساكال، رئيس قسم التنقيب وإدارة المواقع في متاحف قطر والمؤلف المشارك في الدراسة: “كان أعضاء سلطتنا يطلقون على المنطقة اسم مقبرة الأطوم، لكننا لم نكن ندرك وقتها مدى ثراء واتساع الموقع”. وفي عام 2023، وبعد الحصول على التصاريح، أجرى الباحثون مسحًا ميدانيًا وثّقوا خلاله بقايا أبقار البحر في أكثر من 170 موقعًا منفصلًا داخل المنطقة، واصفًا الموقع بأنه “أغنى مجموعة أحفورية معروفة لأبقار البحر”.
حماية التراث الأحفوري.. خطوة نحو اليونسكو
وأعرب ساكال عن أمله في أن يؤدي التعاون المستمر بين متاحف قطر ومؤسسة سميثسونيان إلى اكتشافات جديدة داخل المزبهية ومواقع مجاورة، مؤكدًا أن حماية الموقع تمثل أولوية قصوى، مع التوجه لترشيحه ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
من جانبه، قال فيصل النعيمي، مدير قسم الآثار في متاحف قطر والمؤلف المشارك: “الأطوم جزء لا يتجزأ من تراثنا، ليس فقط ككائن حي في مياهنا اليوم، بل أيضًا في السجل الأحفوري الذي يربطنا بالماضي. هذه الاكتشافات تُثبت أن تراثنا لا يعيش في الذاكرة فقط، بل يمتد عميقًا في الزمن الجيولوجي”.
.
المراجع
– A Trove of Sea Cow Fossils in Qatar Reveals a New Species That Munched on Seagrass 21 Million Years Ago
– High abundance of Early Miocene sea cows from Qatar shows repeated evolution of seagrass ecosystem engineers in Eastern Tethys
.
البريد الإلكتروني للكاتب: abdulhakimkaid8@gmail.com