
من يومٍ للغة إلى مشروع للمعرفة
في الثامن عشر مِن ديسمبر مِن كلّ عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للغة العربيّة. وفي هذا اليوم مِن الضروري تجاوز الشعارات العامّة حول “جمال اللغة” و”بلاغة البيان”، والانتقال إلى تبنّي مشروع معرفي متكامل وواضح المعالم. إنّ الهدف الاستراتيجي ليس مجرّد الحفاظ على التراث اللغوي، بل تفعيل اللغة العربيّة لتكون أداة حيّة وفاعلة لإنتاج علمي ومعرفي أصيل في خضمّ التحوّلات الرقميّة التي يشهدها العالم. ويكمن التحدّي الرئيسي في تحويل اللغة مِن كونها «وعاءً للتعبير» إلى أداة مركزيّة في بناء «مجتمع علمي» حقيقي، يمتلك تقاليده البحثيّة وأدواته المفاهيميّة الخاصّة.
ومِن باب المسؤوليّة تتبنّى منظّمة المجتمع العلمي العربي خطّة للمساهمة في تحقيق هذا الهدف. وتحدّد هذه الخطّة الاستراتيجيّة الرؤية والأركان الأساسيّة والمبادرات العمليّة سعيًا منها لتحقيق هذا التحوّل المنشود.
1- رؤيتنا الاستراتيجيّة: لغة عربيّة علميّة.. مِن الإنتاج التاريخي إلى الإبداع المستقبلي
إنّ أيّ جهد جادّ لإحياء الدور العلمي للغة العربيّة يجب أن ينطلق مِن رؤية واضحة ومحدّدة تشكّل البوصلة التي توجّه كافّة المبادرات اللاحقة. هذه الرؤية لا تكتفي باستحضار الماضي، بل تستلهم منه أسسًا متينة لبناء المستقبل.
تاريخيًّا، لم تكن اللغة العربيّة العلميّة مجرّد لغة «شرح» أو «ترجمة» للمعارف الأجنبيّة. بل كانت لغة «إنتاج علمي أصيل»، تشكّلت ونمت في مراكز حضاريّة متعدّدة مثل بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة. في هذه المراكز، لم تُستخدم العربيّة لنقل العلوم اليونانيّة وغيرها فحسب، بل استُخدمت لصياغة مؤلّفات أصيلة في علوم المناظر والفلك والطبّ والرياضيّات، ممّا أسهم في بناء مفاهيم جديدة وتطوير مسار العلم نفسه. ومِن هذا المنطلق، تتبلور رؤيتنا المستقبليّة في تحقيق التحوّل التالي:
«جعل اللغة العربيّة لغة إنتاج معرفي وعلمي، لا مجرّد لغة تلخيص وترجمة للمعرفة الأجنبيّة».
إنّ هذا التحوّل يعني عمليًّا تغييرًا جذريًّا في أسلوب الترجمة، بحيث لا تقتصر على النقل الحرفي، بل تسعى إلى التفاعل النقدي مع المعرفة. كما يتطلّب صياغة واعية للمصطلحات تستند إلى الذاكرة العلميّة للعربيّة، والأهمّ مِن ذلك، تدريب الأجيال الجديدة مِن الباحثين على مهارات الكتابة العلميّة الرصينة باللغة العربيّة، بما يمكّنهم مِن الإسهام في المعرفة العالميّة بلغتهم الأم. إنّ تحقيق هذه الرؤية الطموحة يتطلّب إرساء أسس متينة، وهو ما يقودنا إلى الأركان الاستراتيجيّة التي تشكّل الهيكل الداعم لهذا المشروع.
2- الأركان الاستراتيجيّة الأساسيّة
يتطلّب تحقيق رؤيتنا الطموحة العمل بشكل متزامن على ثلاثة أركان مترابطة، تشكّل مجتمعةً البنية التحتيّة اللازمة لنهضة علميّة حقيقيّة تتّخذ مِن اللغة العربيّة أداة وغاية.
الركن الأوّل: بناء “مجتمع علمي” بدلًا مِن “مجموعات باحثين“
يُميّز الرياضي والفيلسوف رشدي راشد بوضوح بين وجود «مجموعة باحثين» متفرّقين قد يستخدمون لغات أجنبيّة في أعمالهم، وبين تكوين «مجتمع علمي» حقيقي. فالمجتمع العلمي لا يقوم على عدد الجامعات والعلماء فحسب، بل على أسس أعمق تتطلب وجود:
1- تأسيس تقاليد وطنيّة في البحث: أي تكوين مدارس علميّة ذات ملامح واضحة ومناهج مميّزة.
2- تواصل الأجيال البحثيّة: عبر موضوعات بحثيّة متّصلة تنتقل مِن جيل إلى جيل، ممّا يضمن الاستمراريّة والتطوّر.
3- ذاكرة علميّة مشتركة: حيث يتراكم الإنتاج المعرفي، ويبني فيه الباحثون اللاحقون على أعمال السابقين.
وهنا يبرز الدور المحوري للغة العربيّة؛ فاللغة ليست أداة محايدة. إنّ طريقة صياغة البراهين، وأسلوب تعريف المفاهيم، ودقّة اختيار الألفاظ، كلّها تسهم في تكوين خطاب علمي مميّز، وتساعد على تأسيس تلك التقاليد البحثيّة الوطنيّة التي تميّز مجتمعًا علميًّا عن آخر.
الركن الثاني: إحياء «القلب النابض» للغة العلميّة: المصطلح العلمي وتاريخه
يمثّل المصطلح العلمي «القلب النابض للغة العلميّة الحيّة». فهو ليس مجرّد كلمة في قاموس، بل هو أداة معرفيّة حيويّة تضمن دقّة التعبير وإيجازه، وفي الوقت ذاته تسهّل التواصل الفعّال داخل المجتمع العلمي وخارجه. لكن الأهمّيّة لا تقف عند هذا الحدّ؛ فلكلّ مصطلح تاريخ. وإنّ تجاهل الطبقات التاريخيّة للمصطلحات العلميّة العربيّة، التي تطوّرت عبر قرون مِن الترجمة والبحث، يجعل محاولات التعريب الحديثة «مُنبتّة الصلة» بالذاكرة العلميّة للأمّة. لذلك، مِن الضروري إكمال مشروع «المعجم التاريخي للمصطلحات العلميّة العربيّة»، الذي بدأه رشدي راشد. هذا المشروع لا يقدّم قائمة جامدة بالألفاظ، بل يساعد المترجم والباحث المعاصر على اختيار المصطلح الذي «يواصل خيطًا قائمًا» في نسيج المعرفة العربيّة، بدلًا مِن إضافة خيط جديد يزيد التشظّي والفوضى المصطلحيّة.
الركن الثالث: استعادة البُعد العالمي للغة العربيّة
لم تنبع السمة «العالميّة» للعلم العربي تاريخيًّا مِن انتشار اللغة وحدها، بل مِن قدرتها الفائقة على «استيعاب معارف الحضارات السابقة» (اليونانيّة، والفارسيّة، والهنديّة، والسريانيّة) ودمجها، ثمّ إنتاج إضافات أصيلة أثّرت بعمق في مسار العلم العالمي. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي والمنصّات الرقميّة، لا يمكن استعادة هذا البعد العالمي بمجرّد ترديد أنّ العربيّة «كانت لغة علم». إنّ الطريق العملي لتحقيق ذلك يتطلّب، كضرورة استراتيجيّة، العمل على جعلها «لغة قابلة للمعالجة الآليّة». وهذا يستلزم بناء قواعد بيانات نصيّة ومعاجم وموسوعات رقميّة متينة ومفتوحة، بحيث تدخل اللغة العربيّة في صميم البيئة المعرفيّة الجديدة، بدلًا مِن أن تبقى على هامشها.
إنّ هذه الأركان الثلاثة (المجتمع العلمي، والمصطلحات العلميّة، والبعد الرقمي العالمي) تشكّل معًا البنية التحتيّة المعرفيّة التي لا غنى عنها، والتي تؤسّس لخطّة العمل التنفيذيّة التالية.
3- خطّة العمل التنفيذيّة: مِن الرؤية إلى الواقع
يترجم هذا القسم الأركان الاستراتيجيّة إلى مبادرات تأسيسيّة، متّخذًا من المشاريع المتداخلة التي تقودها منظّمة المجتمع العلمي العربي (ARSCO) نموذجًا عمليًّا لتطبيق هذه الرؤية:
– مشروع “الترجمة والنشر العلمي” – إرساء تقاليد الكتابة الحديثة
تركّز هذه المبادرة على مسارين مترابطين: الترجمة المنهجيّة لكتب متميّزة في تاريخ العلوم العربيّة، ومِن أهمّها ترجمة الجزء الثالث مِن الموسوعة الإيطاليّة لتاريخ العلوم، وهو المخصّص لتاريخ العلوم العربيّة الإسلاميّة. وخلال ذلك تحاول المنظّمة بناء قوائم للمصطلحات العلميّة التاريخيّة وما يقابلها في العلوم الحديثة، وهو المسار الثاني.
– مشروع “الإرث الحضاري” – معالجة ونشر العلوم العربيّة
إنّ مشروع «الإرث الحضاري» ليس مبادرةً ثقافيّةً فحسب، بل هو بيانٌ تأسيسيٌّ لنهضةٍ جديدة تستعيد الجذور، وتبني وعيًا علميًّا وفكريًّا معاصرًا، وتُعيد للإنسان العربيّ والمسلم ثقتَه بذاته وإرثه وقدرتَه على الإسهام في الحضارة الإنسانيّة. ومن أهداف هذا المشروع؛ إحياء الوعي الحضاري عبر خطابٍ معرفيٍّ رصين، وصون الإرث من الضياع بالبحث والتوثيق والرقمنة، وتجديد الفكرة الحضاريّة وربط الماضي بالحاضر بلغةٍ معاصرة وواضحة، وخدمة المجتمع مِن خلال مبادراتٍ تعليميّة وثقافيّة وعلميّة. وكذلك بناء نموذج حضاريٍّ مُلهِم يعزّز الانتماء، ويحفّز البحث والإبداع، وإحياء الوعي بوحدة الأمّة الإسلاميّة.
– مشروع “التأهيل الرقمي” – بوّابة الذكاء الاصطناعي
تنفيذًا للركن الاستراتيجي الثالث، تقتضي هذه المبادرة نشر كلّ مخرجات المبادرات السابقة، مِن نصوص مُحقَّقة أو مؤلّفة، ومداخل معجميّة وترجمات، بالإضافة إلى المقالات العلميّة التي تنشر على موقع المنظّمة الالكتروني ومنصّاتها الرقميّة التي تلتزم باللغة العربيّة العلميّة المبسّطة، فضلاً عن إصدار «المجلّة العربيّة للبحث العلمي» (اجسر)، والتي تلتزم بنشر المقالات العلميّة الأصليّة باللغة العربيّة فقط، تنشر المنظّمة كلّ ذلك في «صيغة رقميّة مفتوحة» ومتاحة للمعالجة الآليّة. وبهذه الخطوة، يتحوّل مشروع الإرث والترجمة والنشر العلمي مِن مجرّد منتج ثقافي إلى «بنية تحتيّة معرفيّة للغة العربيّة»، يمكن استخدامها في تدريب الخوارزميّات والنماذج اللغويّة الكبرى، ممّا يضمن أن تكون اللغة العربيّة شريكًا فاعلًا ومؤثّرًا في عالم الذكاء الاصطناعي، لا مجرّد مستهلك لتقنياته.
إنّ نجاح هذه المبادرات المترابطة يتطلّب تضافر الجهود وتوجيه الاستثمار نحو بناء هذه البنية التحتيّة المعرفيّة.
4- خاتمة ودعوة للعمل: نحو مشروع معرفي طويل الأمد
إنّ إحياء الدور العلمي للغة العربيّة ليس حدثًا احتفاليًّا سنويًّا، بل هو مَهمّة معرفيّة طويلة النفَس تتطلّب التخطيط والاستمراريّة والاستثمار. وتقدّم هذه الخطّة مسارًا واضحًا للانتقال مِن الشعارات إلى الإنجاز، وهو مسار يتلخّص في الخطوات التالية:
– قراءة واعية لتراثنا العلمي للكشف عن ثرائه وقدراته.
– ترجمة منهجيّة للعلوم المعاصرة بوعي مصطلحي عميق.
– بناء تقاليد خاصّة بنا في البحث والكتابة العلميّة باللغة العربيّة.
– تجهيز اللغة لتكون شريكًا كامل الحقوق في فضاء الذكاء الاصطناعي والمعرفة الرقميّة.
إنّنا نطرح هذه الخطّة كخارطة طريق، وندعو المؤسّسات العلميّة والثقافيّة، ومراكز الأبحاث، وصُنّاع السياسات في العالم العربي لتبنّي هذا المشروع المعرفي المتكامل. إنّ الاستثمار في هذه الأركان والمبادرات ليس مجرّد دفاع عن اللغة، بل هو استثمار استراتيجي في بناء مستقبل المعرفة والابتكار في منطقتنا.
.
.البريد الإلكتروني: mmr@arsco.org