مقدمة
اختلال التوازن والسقوط أرضا من أصعب التجارب التي تمر على الإنسان، وتبقي تجربة وذكرى مؤلمة عالقة في الأذهان. كلنا تعرضنا بشكل أو بآخر لموقف واحد على الأقل سواء لنا أو لأحد من أفراد الأسرة أو الأقرباء أو الأصدقاء “كان نتيجته السقوط”، ولكن ماذا حدث بعد ذلك، وما كانت تداعيات تلك السقطة على الحياة اليومية سواء لمن عانى منها أو ممن حوله.
ما هو رأيك عزيزي القارئ عندما تعلم أن هناك طريقة تستطيع بها أن تتعلم كيفية السقوط الآمن والتي ستكون بعد حفظ الله ورعايته لك، سبب رئيسي لتجنب الأضرار الناجمة عن السقوط وخصوصا لكبار السن.
حوادث السقوط هي ثاني سبب مؤدٍّ إلى الوفاة في العالم، ويموت كل عام نحو 684000 شخص بسبب حوادث السقوط التي يقع أكثر من 80% منها في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل. حيث يعاني البالغون الذين تتجاوز أعمارهم 65 عام أكبر عدد من حالات السقوط المميتة، وتُسجّل كل عام 37.3 مليون حادثة سقوط تستدعي درجة خطورتها تلقي عناية طبية.
على مدى العامين الماضيين، تغيرت العملية التدريبة لكبار السن بشكل كبير في جميع أنحاء العالم، خاصة بعد إطلاق عدة مبادرات دولية، ففي أغسطس عام 2022م نشرت منظمة الصحة العالمية استراتيجيات للوقاية من السقوط وإدارته على مدار الحياة. تشير الأدلة إلى أن الرياضة مصدر غني جدا للأصول التنموية الرئيسية وعندما ينخرط بها كبار السن؛ فهذا يمكن أن يساعد على تحفيز الاقتصاد المحلي، والمساهمة في البيئات المستدامة، وبناء المجتمعات المرنة.
في نوفمبر عام 2023 م نشرت جامعة هيرتفوردشاير بتعاون مع جامعة طوكيو الإجماع الدولي حول السقوط الآمن للمسنين من خلال الجودو، هذا التعاون أطلق صافرة إنذار دعتني إلى البحث والتقصي عن كل جوانب المشكلة ولماذا كل هذا الاهتمام الدولي بتعليم كبار السن كيفية السقوط الأمن باستخدام سقطات الجودو، وخصوصا أن تخصصي في الصيدلة هو السلامة الدوائية وتخصصي في الجودو يهدف للممارسة الآمنة. حيث وجدت أول دراسة عن دور الجودو في تقليل الخوف والقلق من السقوط لدى كبار السن بعد التدريب على السقوط٤، وأن التدريب على السقوط مفيد للوقاية من كسور الورك لدى كبار السن٥، وأن هناك علاقة إيجابية بين ممارسة الجودو وكثافة المعادن في العظام لدى النساء قبل وبعد انقطاع الطمث.
كل هذه الأبحاث والدراسات ألقت الضوء على بُعد آخر وهو لماذا لا نكون استباقيين وننظر إلى مستقبل كبار السن في الدول العربية و الأعداد المتوقعة خلال العقود القادمة، ففي عام 2017م قام المكتب الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة لسكان الدول العربية بالتعاون مع مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العربي بنشر تقرير عنوانه: “الشيخوخة في المنطقة العربية: الاتجاهات الإحصائية ومنظورات السياسات”، و تم الإشارة إلي إحصائيات غاية في الأهمية و علي رأسها أن بحلول عام 2050، سيكون هناك 89.5 مليون نسمة يزيد أعمارهم عن 60 عاما في المنطقة العربية، وهو ما يمثل %14 من إجمالي السكان المتوقع في المنطقة.
عند تحليل تلك الإحصائيات كان منطقيا أن تجول عدة أسئلة في خاطري، أولها: ما سيكون وضعي عندما أصل لعامي الستين (إذا كان في العمر بقية)، وثانيها: ماذا قدمت للمجتمع وهل أستطيع أن أساهم بما تعلمته، وخصوصا أن تجربتي الشخصية مع والدي رحمة الله عليه كانت ولازالت في مخيلتي بشكل مستمر، وكيف كان من الممكن تفادي الأضرار الجسيمة التي حدثت بسبب حوادث السقوط التي تعرض لها، فقط إذا كنت فكرت كما فكر علماء الجودو الأوربيون في استغلال سقطات الجودو لتعليم كبار السن كيفية السقوط الآمن.
وعلى الفور بدأت في البحث ومحاولة التدقيق والدراسة وحضور ورش العمل، وكانت النتيجة مذهلة عند رؤية مدى التطور الذي وصل له الاتحاد الأوربي في دمج كبار السن بالمجتمع وتبني الإتحاد الدولي والأوروبي للجودو مشروع ضخم يهدف بالأساس لتعليم وتأهيل مدربي الجودو الأكاديميين والمتميزين في علم الميكانيكا الحيوية، كيفية تدريب الجودو لكبار السن وبالأخص تعليم السقوط الآمن.
رياضة الجودو ليست فقط رياضة و لكنها علم شامل أسسه المبتكر جيكورو كانو، و الذي حول مسار فنون الدفاع عن النفس إلي أسلوب حياة و مسار علمي بإنشاء الكودوكان و التي أصبحت جامعة عريقة باليابان.
انتهجت أكاديمية الإتحاد الدولي للجودو نفس النهج التعليمي للكودوكان وخلقت مسار أكاديمي للمدربين منذ 2014م استنادا إلى مقولة مؤسس الجودو “لا شيء تحت الشمس أعظم من التعليم. ومن خلال تعليم شخص واحد وإرساله إلى مجتمع جيله، فإننا نقدم مساهمة تمتد لمائة جيل قادم”.
ولذلك ولنفس الأسباب السالف ذكرها، تم عمل دراسة جدوى لبرنامج تدريبي قائم على الجودو للحد من مخاطر السقوط والضعف لدى كبار السن الذين يعيشون في المجتمع، وأشارت النتائج إلى أنه يمكن تقديم برنامج التدريب المعتمد على الجودو لمدة ثمانية أسابيع بأمان لكبار السن بما في ذلك المعرضين لخطر الضعف البدني، طالما كان هناك إشراف وثيق من المدربين المتخصصين والمؤهلين لتنفيذ البرنامج، وتم إثبات فعاليته في تحسين الوظيفة البدنية وتقليل أو منع الضرر المصاحب للسقوط.
وفي الختام وبناءاً على كل ما تم طرحه، يجب أن نضع نصب أعيننا أن كل المؤشرات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا بصدد تحول عالمي يهدف إلى تمكين كبار السن ودمجهم في المجتمعات، وحتمية الاستفادة من كل الطاقات العلمية والعملية المتاحة والتي تدعم هذا التوجه واستغلاها بشكل احترافي وفعال لتحسين جودة الحياة والوصول لمردود صحي واجتماعي واقتصادي أمثل، مما يجعلنا نقف على أعتاب استعادة ريادة حضارتنا العربية التي كانت وستصبح مرة أخرى منارة للعلم والعلماء والخبراء والرواد.
المراجع:
تواصل مع الكاتب: drjudoka@gmail.com
يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة
