هل نعيش ثورة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية؟
الكاتب : محمد معاذ
الكاتب : د. هند عبد الله بشير
دكتوراه في التنمية الإنسانية الفنية للطب و الطبيب
01:29 مساءً
14, أبريل 2014
(إنّ الدراسات الإنسانية وممارسة الكتابة والتأليف تؤدّيان إلى تخريج أطباء أفضل، لأن الأطباء يتعلّمون كيف يستخلصون المعلومات الخفية من شكاوى المرضى). هذا ما قالته ريتا شارون.
ريتا شارون هي طبيبة باطنية عامة و أستاذة في الطب السريري في كلية الأطباء والجراحين التابعة لجامعة كولومبيا، وهي بالإضافة لاختصاصها الطبي حاصلة على الدكتوراه في اللغة الإنكليزية. وهي تسعى مع آخرين إلى تحسين العلاقة بين الأطباء والمرضى باستخدام الأدب وصناعة الكتابة والتأليف، بهدف محاولة جعل الأطباء أكثر استعداداً لفهم مشاعر الآخرين ومشاركتهم انفعالاتهم، من خلال التحدث بوضوح، والتفاعل مع ما يشعرون به، و تطوير مهارات رفيعة المستوى من الإصغاء، ليكونوا آذاناً تلتقط الإيحاءات التي تختفي في التعبيرات المجازية أو في خفايا النص.
إن هذا المجال الذي يسمى "الطب السردي القصصي" أو "الأدب و الطب" أو "الإنسانيات الطبية" – تبعاً لأسلوب تناوله – قد بدأ وفقاً لمعظم التقارير، قبل نحو 30 عاماً، و توسّع حالياً بشكل كبير في مقرّرات كليات الطب في شتى أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. وطبقاً للاتحاد الأمريكي لكليات الطب، فإن 88 كلية طب من أصل 125 خضعت للتقييم قدمت مقررات إنسانية عام 2004، وتطلبت 28 منها على الأقل، دراسات سردية أو أدبية بصورة أو بأخرى.
إن شارون و هي التي صاغت مصطلح "الطب السردي"، تقف في مقدمة هذه الحركة، و لأجل ذلك قامت بتأسيس مجموعة طوعيّة خاصة بعلم الأورام السردي، وقامت بتصميم المقرّرات المطلوبة لطلبة الطب والأطباء التي يقرؤون فيها الأدبيّات و يكتبون لكي يستطيعوا إعادة صياغة كيفية الاستماع و التفكير. فعلى سبيل المثال: قد يسأل الطبيب مريضه: (منذ متى تعاني من ضيق الصدر؟) فيجيب المريض: (منذ أن طلقت زوجتي).
السؤال التقليدي الطبيعي هو (منذ متى كان ذلك؟) طبيب الطب السردي لن يسأله وإنما سيقول: (أخبرني عن تلك العلاقة) و د.شارون تقول: إن هذا النوع من الاستماع أدّى إلى تغيير علاقتها بالمرضى وجعلها ترغب في قضاء وقت أطول معهم وتكتب عن أمورهم وغالباً ما تشركهم فيما تكتبه عنهم، وأن ذلك قد عزّز ثقة المرضى بها وزاد من تأثيرها عليهم و الأهم تحقيق نتائج أفضل في سهولة الوصول إلى الشفاء أو على الأقل التعامل الإيجابي مع المرض و التعايش مع الحياة والعيش بصورة جميلة حتى و لو مع المرض. فعلى سبيل المثال، تذكر د.شارون مريضاً كان يعاني من ألم الصدر و ارتفاع الكولسترول في الدم، وخلال لقائهما الأول بدأ قصته في الحديث عن وفاة والده عندما كان صبياً، وعندما لم تقتصر شارون ومريضها الحوار على علاج الكولسترول وألم الصدر بَدءا يتحدثان عن التحديات التي يواجهها المريض كأب، وقد أوجد ذلك تحالفاً مثمراً حتى أن ألم الصدر قد اختفى!
إذاً، د. شارون قد طورت طريقة للنظر إلى المرضى على أنهم أناس متكاملون و ليسوا مجرّد حالات مرضية، و ركّزت اهتمامها الخالص على أنماط الحديث عند الطبيب من أجل صقل مهارات الاستماع لديه، و يؤكّد العديد من الخبراء أنّ ذلك النوع من الاستماع الجيد يمكن أن يؤدي إلى تشخيصات و مقاربات أفضل.
لكن يبقى بعض الأطباء ينتقدون مناهج الطب التي تتضمّن الدراسات الإنسانية و مهارات التواصل، و وجهة نظرهم هو أنّ هذا الوقت يمكن الاستفادة منه بشكل أفضل في المواضيع العلمية. و يصرّح أحدهم و هو عضو في مجلس التعليم الطبي الأمريكي: (كما هو الحال في أي تغيير يحدث في أي مؤسسة راسخة كالطب، هناك نزوع إلى الشك) و يضيف: (إن الحرس القديم قد يضمرون التشكّك، ولكن الطلبة أنفسهم يحتضنون مثل هذه الحركة).
هذه مقتطفات من مقالة عن الطب السردي نشرت في مجلة العلوم و هي الترجمة العربية لمجلة سايانتيفيك أمريكان التي تصدر شهرياً عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في العدد التاسع شهر أيلول. وهنا لابد لي من مداخلة كطبيبة عربية مسلمة تطبّق هذا النوع من الطب السردي في عيادة خاصة: أنّ ما ورد في هذا المقال من أنّ جذور هذا النوع من الاختصاص الجديد في الطب لم تبدأ جذوره إلا منذ 30 عاماً فقط، تغالطه الحقيقة التاريخية التي وثّقها المستشرقون أنفسهم و الذين أكّدوا بلوغ الطب لأعلى مستوياته العلمية و الإنسانية عند حضارتنا الإسلامية.
فقد تمتّع معظم أجدادنا العلماء الأطباء بالحس الأدبي و الفني و تذوق الجمال وبرعوا وأبدعوا في صياغة العلوم الطبية بطرق أدبية وفنية متنوعة والأمثلة على ذلك كثيرة:
إذاً أجدادنا بنظرتهم الشمولية التكاملية للإنسان وللعلوم هم من بدأ بالطب السردي بينما كانت أوربة في عصر الظلام تعاني من ويلات الجهل حيث يتّهم المريض أحياناً بالسحر ويعدم حرقاً. و وصل بهم الأمر لاتهام الحيوانات بالسحر و إحراقها، وهم حتى الآن وبالرغم من القفزة النوعية في العلوم و خصوصاً الطبية، بين مؤيّد و مشكّك لفاعلية التواصل الإنساني مع المريض، وفاعلية الآداب والفنون في تعزيز هذا التواصل ما بين المريض و الطبيب و الذي يساهم في مقاربات طبية تشخيصية علاجية أكثر دقة وفعالية، وأكثر جمالاً و إنسانية !!
يا ترى نحن الأطباء أطباء العرب الآن، هل سنبقى متّبعين منتظرين مقلّدين لاتجاهات الطبّ في الغرب أو الشرق ناسين أو متناسين تاريخنا المشرّف في عالم الطب الذي يشهد له العالم كله ؟! إلى متى سنظل متّبعين سلبييّن غير مبادرين و لا مبدعين؟! إلى متى و نحن نملك الكنوز بين جنبات نفوسنا و التي لا تزال تتمتع بذلك الدفء الإنساني و المهارة الفطرية في الإبداع بالتواصل الإنساني الذي إن تأمّلنا بعمق وحلّلنا بدقّة ما وراء الآيات القرآنية الكريمة و الأحاديث النبوية الشريفة وقصص الصحابة الكرام والتابعين الأخيار من بعده و قصص الأطباء العرب والمسلمين وطرقهم، لوصلنا إلى منهج متكامل، يمكنه أن يكون مقرّراً ممتازاً لكليات الطب و الدراسات الإنسانية. وخاصة إذا ما دُعّم بالدراسات العلمية الحديثة في المسائل الطبية والمسائل العقلية النفسية والاجتماعية السلوكية.
ومن هنا أوجّه دعوتي إلى كل مهتمّ بهذا الأمر، و يريد فعلاً أن يتميّز بخدمة علمه و دينه و أمته و العالم أجمع لينعكس ذلك خيراً عليه و على حياته وحياة غيره و ينال به عظيم الثواب و رفعة المقام في الدنيا والآخرة، و يملك المؤهلات اللازمة لذلك الأمر من اختصاص في الشرع أو التاريخ أو الآداب و العلوم و الطب إلى التعاون معاً وتوحيد الجهود في دعم هذا المشروع. فهل أرى من داعم صادق؟ أرجو ذلك من كل قلبي.
البريد الالكتروني للكاتب: dr.m.hind@gmail.com
الكلمات المفتاحية