للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

اينشتاين .. تاريخ حافل بالفشل !!

  • الكاتب : أ. د/ أحمد بن حامد الغامدي

    جامعة الملك سعود – الرياض

  • ما تقييمك؟

    • ( 4 / 5 )

  • الوقت

    12:06 م

  • تاريخ النشر

    04 سبتمبر 2018

بلا جدال يعتبر عالم الفيزياء الألماني الأصل إلبرت أينشتاين اسطورة العلم الحديث وأحد أشهر الشخصيات المعروفة على مستوى العالم وهو بهذا رمز للنجاح والتوفيق وحسن الطالع. في تصور البعض قد يكون اينشتاين رمز وتجسيد ملموس لما يمكن وصفه (بأيقونة النجاح) ومن كان بعبقرية وتفوق اينشتاين يصعب أحيانا تخيل أنه قد ذاق مرارة الفشل. ومع ذلك فإن أحد أسرار نجاح اينشتاين أنه مثال واقعي للمقولة الحكيمة للداهية السياسي البريطاني وينستون تشرشل (النجاح هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل آخر من دون فقدان الحماسة).

النجاح رحلة مستمرة تمر على عدد كبير من محطات الإخفاق، ولهذا مع استعدادنا جميعا هذه الأيام (للعودة للمدارس) يجب أن لا نقسوا كثيرا على أبنائنا الطلاب إذا واجهتهم بعض الكبوات أثناء صعودهم لسلم النجاح. قبل حوالي سنتين وفي مثل هذه الاجواء لاستقبال العام الدراسي الجديد كتبت مقال حمل عنوان (العودة للمدارس... لحظة كئيبة في طفولة عباقرة العلماء) تم الاشارة هنالك للبيئة المدرسية الكئيبة التي سببت الفشل المؤقت لكبار ومشاهير العلماء والمخترعين مثل نيوتن واينشتاين واديسون ودارون وثمانية علماء آخرين ممن حصلوا على جائزة نوبل.  وهنا سوف نكمل فقط مسيرة حياة شيخ مشايخ قبيلة العلم اينشتاين والاخفاقات والفشل المتكرر في تاريخه وفي جميع مناحي حياته التعليمية والمهنية والبحثية لنعطي لمحة سريعة عن the Other Einstein الوجه الآخر لأينشتاين. ومن صفحات كتاب حياة هذا (العالِم) نثبت خطأ مقولة الأديب الانجليزي أوسكار وايد الذي قال: النجاح هو (علم) .. إذا حققت الظروف تنال النتيجة.

السجل الأكاديمي لأينشتاين .. إخفاق متواصل

مشكلة (صعوبات التعلم) أبعد ما تكون مرتبطة في إدراكنا بشخصية علمية في قمة العبقرية مثل اينشتاين، لكن هذا هو الواقع بكل ما فيه من غرابة ودورس في طبيعة واقع الحياة. توجد اشارات تاريخية موثقة للحياة المبكرة لأينشتاين أنه تأخر في النطق والكلام إلى حوالي السن الثالثة من عمره كما يشاع أنه كان يعاني من مشكلة عسر القراءة Dyslexia وإن كان خبر تأخر قدرته على القراءة لسن متقدمة أقرب للخرافة من الحقيقة التاريخية الثابتة. ومع ذلك وباعتراف اينشتاين نفسه فقد ذكر أنه في طفولته كان يعاني من ضعف مَلَكة الحفظ لديه،  ومن هنا حصلت الحادثة الشهيرة من أن معلم اينشتاين للغة الإغريقية كتب في سجله الدراسي (بأنه لا ينفع لشي)، كما قال له أنه لن ينجح في حياته. وبالجملة كانت قدرات اينشتاين التعليمية في المدرسة تتسم بالبطيء وشرود الذهن والانعزال والمشاكسة وعدم قبول النظام وتكرار الغياب.

في سن الرابعة عشرة انتقلت أسرة اينشتاين للعيش في جنوب ايطاليا في حين ظل الفتى المراهق اينشتاين يقيم في مدرسة داخلية في مدينة ميونخ الألمانية وبعد ستة أشهر من مغادرة أسرته ترك اينشتاين المدرسة وغادر البلد. وبالرغم من الإخفاق المبكر في حياته إلا أن الخطوة الغريبة للشاب أينشتاين أنه في سن السادسة عشرة تقدم للتسجيل في المعهد التقني العريق بمدينة زيورخ السويسرية وهنا حصل أول إخفاق حقيقي في حياة اينشتاين حيث رسب في اجتياز اختبارات القبول لهذا المعهد العلمي، ولهذا اضطر أن يتعلم لمدة سنة في المدرسة الثانوية السويسرية لكي يستعد لاجتياز اختبارات القبول التي فشل فيها سابقا. أما عن الأداء الأكاديمي لأينشتاين في دراسته الجامعية فيبدو من كتاباته الخاصة أنه واجهته بعض الصعوبات الأكاديمية أثناء تلك الدراسة، فمثلاً يقول أنه في وقت الامتحانات كان يشعر وكأنه ذاهب للإعدام بالمقصلة وليس ذاهب لأداء الاختبار كما أنه يعترف بأن التعليم كان صعباً عليه وأنه كان يحتاج أن يسأل معلميه العديد من الأسئلة. كما أن سجله الجامعي يوثق لغيابه المتكرر عن المحاضرات الأكاديمية لدرجة أنه في أحد المقررات الجامعية لم يحضر إلا لمدة اسبوعين فقط وتغيب عن بقية المحاضرات.

كما سوف نناقش بعد قليل كانت المسيرة المهنية لاينشتاين في بداية حياته الوظيفية متواضعة ولهذا حرص منذ البداية أن يحسن فرصته بالعمل بالجامعة من خلال الحصول على درجة الدكتوراه وهي المهمة بالغة الصعوبة والألم في حياته. قصة تعثر أينشتاين (المتكرر) في الحصول على الدكتوراه معقدة ومحزنة وغريبة ونتيجة للمصاعب الحقيقية التي واجهها اينشتاين في نيل درجة الدكتوراه كتب رسالة إلى صديق مقرب يذكر فيها أنه قد تخلى عن الفكرة برمتها لأنها لن تقدم له الكثير كما أنه بدأ يشعر بالضجر من هذه (المسرحية الهزلية). على كل حال يمكن تلخيص معاناة أينشتاين في فشله في الدكتوراه كالتالي: خلال خمس سنوات من عام 1901م وحتى عام 1905م حاول اينشتاين في (ستة محاولات منفصلة) للتقدم لنيل درجة الدكتوراه من جامعة زيورخ السويسرية. في بداية الأمر كان المشرف على بحثه في الدكتوراه عالم الفيزياء الألماني هاينريش فيبر Weber وقد قام اينشتاين بتقديم ثلاثة مقترحات بحثية لهذا المشرف بل أن المقترح الثالث منها قدم على شكل رسالة دكتوراه Dissertation مكتوبة. لكن هذا المشرف العنيد رفضها جميعاً، إمّا بحجة عدم كفاية التجارب العلمية أو رفض المحكمين لها أو عدم كتابتها بالطريقة السليمة (بل حتى كان يحتج على نوع الورق المستخدم). بعد كل هذه المعاناة قام اينشتاين بطلب تغيير مشرف رسالة الدكتوراه إلى عالم الفيزياء السويسري ألفرد كلاينر Kleiner والذي بدوره هو الآخر كرر في البداية نفس  المأساة برفض رسالة دكتوراه كتبها اينشتاين لأن فيها انتقادات علمية حادة لأحد أعمدة علم الفيزياء في ذلك الوقت الفيزيائي النمساوي الشهير بولتزمان. وفي بداية عام 1905 قدم اينشتاين الفكرة الخامسة لأطروحة الدكتوراه عن موضوع الديناميكا الكهربائية للأجسام المتحركة وقد تم رفضها لأن اساتذة الجامعة الذين قاموا بمراجعتها وتحكيمها لم يفهموها. ومن حادثة قصة رفض اساتذة الجامعة للأطروحة العلمية لأينشتاين لأنهم لم يفهموها نعرف مصدر القصة المشهورة عن أخت اينشتاين مايا التي ذكرت أن اينشتاين تقدم ببحثه حول النظرية النسبية إلى جامعة زيورخ لنيل درجة الدكتوراه لكن الجامعة رفضت طلبه لأن اساتذة الجامعة بدت لهم النظرية غريبة وغير مفهومة. بقي أن نقول أن العنوان العلمي الرصين (الديناميكا الكهربائية للأجسام المتحركة) هو نفسه ما اشتهر لاحقا بالاسم الأكثر (شعبية) ألا وهو النظرية النسبية الخاصة. ثم في منتصف عام 1905م قدم اينشتاين الفكرة السادسة لمشروع بحث الدكتوراه ممثلة في أطروحة علمية مكتوبة تتعلق بتحديد حجم الجزيئات الكيميائية في السوائل وبحسب ما رواه اينشتاين فقد أبلغه أساتذة جامعة زيورخ أن الأطروحة الجديدة غير مقبولة تماماً لأنها قصيرة جداً ويجب عليه تعديلها. وهنا كان موقف اينشتاين (وربما بشيء من الدعابة) أنه أضاف جملة واحدة فقط لرسالة الدكتوراه وأعاد تقديمها للجنة المناقشة التي اضطرت لقبولها. لاحقا سوف يندم اينشتاين على عدم قيامه بتعديل رسالة الدكتوراه لأنه لو فعل لكان جنب نفسه مهانة رفض طلبه للعمل كأستاذ جامعي !!.

المسار المهني لأينشتاين .. بداية متعثرة

كما قلنا سابقاً يعتبر اينشتاين (رمز وأيقونة النجاح) ومع ذلك تبين لنا أن مسار النجاح طريق مفروش بالفعل بالأشواك وكما تعثر اينشتاين مرارا حتى حصل على درجة الدكتوراه، ففي نفس تلك الفترة الكئيبة من حياته كان يجاهد للحصول على وظيفة ملائمة تعيله واسرته. في عام 1900م عندما تخرج اينشتاين من المعهد التقني السويسري كاد أن يحصل على وظيفة معيد لولا اعتراض أحد اساتذة الكلية بسبب السلوك غير الأكاديمي المشاغب لأينشتاين. بعد ذلك حاول اينشتاين أن يبحث له عن وظيفة معلم للرياضيات والفيزياء وبالفعل تمكن من التدريس بشكل مؤقت لمدة ستة أشهر في المدرسة الثانوية بمدينة فينترتور الصغيرة شمال زيورخ. وبعد التنقل في بعض المهن الصغيرة واضطراره للعمل كمدرس خصوصي وصل اينشتاين لحالة من الإحباط، وهنا كتب الرسالة التي سبق ذكر أنه أرسلها لأحد أصدقائه المقربين ويذكر فيها فقدانه الأمل للحصول على الدكتوراه والعمل بالجامعة. وهنا قام هذا الصديق وبمساعدة والده في التوسط لحصول اينشتاين على وظيفته الشهيرة والمتواضعة من الدرجة الثالثة في مكتب تسجيل براءة الاختراعات بمدينة بيرن السويسرية.

وبعد أن حصل اينشتاين على شهادة الدكتوراه من جامعة زيورخ تقدم عام 1907م للحصول على وظيفة أستاذ جامعي بجامعة مدينة بيرن Bern المغمورة، ومع ذلك تم رفض طلبه تحت ذريعة أن أطروحة الدكتوراه ناقصة وغير كافية. ولهذا اضطر اينشتاين أن يتقدم بعد سنة لنفس تلك الجامعة ولكن هذه المرة بعد تعديل وتطويل الأطروحة ومع ذلك كانت الوظيفة الجامعية التي حصل عليها أخيراً ليست وظيفة دائمة وإنما قبول (تحت التجريب) بل أن لقبه العلمي في تلك الجامعة كان: محاضر شخصي (Privatedozent). وبهذه المناسبة تجدر الإشارة إلى أن صورة خطاب رفض الجامعة لطلب اينشتاين المتداول بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت هو خطاب مزيف. في ذلك الخطاب المفبرك يتم تعليل رفض طلب اينشتاين للوظيفة الجامعية إلى أن النظرية النسبية لأينشتاين خيالية وتم نقدها بأنها غير علمية وهذا التناقض (المزعوم) هو ما ساهم في شعبية انتشار ذلك الخطاب. بعد هذه البداية المهنية المتعثرة كمدرس خصوصي أو كموظف مغمور من الدرجة الثالثة ثم كأستاذ جامعة مؤقت بدأت الشهرة العلمية والمكانة البحثية لآينشتاين تتزايد يوما بعد آخر فحصل على وظيفة جامعية في جامعة براغ بدرجة بروفيسور ثم انتقل منها إلى جامعة زيورخ واخيرا حصل على منصب مدير المعهد الفيزيائي في جامعة برلين. وكما هو معلوم بعد وصول هتلر والحركة النازية للحكم في ألمانيا هاجر أينشتاين إلى الولايات المتحدة وعمل في معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون الأمريكية.

كلمة أخيرة فيما يخص (المسار المهني) لأينشتاين، فهو إلى حدا ما ناقص فبحكم أن أينشتاين منذ بدايات القرن العشرين وحتى وفاته وهو يعتبر بدون منازع أعظم وأشهر شخصية علمية وبهذا كان بإمكانه العمل في أفضل الجامعات أو المراكز البحثية العريقة والمشهورة. ولكن لأسباب غير مفهومة تماماً فضّل العمل في معهد الدراسات المتقدمة IAS حديث الإنشاء بالإضافة لكونه معهد علمي متخصص أكثر في علم الرياضيات. في نفس الفترة عُرض على اينشتاين العمل في جامعة أكسفورد لكنه رفض ذلك وفضّل العمل في ذلك المعهد شبه المجهول (لاحقا بفضل شهرة اينشتاين تقاطر العشرات من أبرز العلماء على هذا المعهد). لقد كان باستطاعته العمل في أهم مراكز أبحاث علم الفيزياء مثل جامعة كيمبردج أو جامعة مانشيستر اللتين لهما تاريخ عريق في أبرز الاكتشافات العلمية المتعلقة بالذرات وكذلك الجامعات الأمريكية الشهيرة في مجال الفيزياء مثل جامعة بيركلي وهارفرد وكالتك بل وحتى جامعة برينستون نفسها ولكن في قسم علم الفيزياء وليس معهد الدراسات (الرياضية) المتقدمة. يبدو أن اينشتاين متواضع أو لا يعرف تماماً ثقل قيمته العلمية بدليل أنه عندما تم التعاقد معه للعمل في جامعة برينستون طلب منه أن يحدد الراتب الذي يرغب فيه فطلب فقط ثلاثة آلاف دولار في حين أن الجامعة عرفت (قيمته في السوق الاقتصادي المعرفي) ومنحته أكثر من خمسة أضعاف الراتب الذي طلبه.

أخطاء اينشتاين العلمية وهفواته

قديماً قيل لكل جوادِ كبوه ولكل عالمِ هفوه، وعباقرة العلم ليسوا بمعزل من هذا المصير فهم عرضه للأخطاء والهفوات لدرجة أن من الأقوال التي تنسب لأينشتاين نفسه (الشخص الذي لم يقع في أي خطأ هو الشخص الذي لم يجرب عمل أي شيء). ومع ذلك، الأخطاء في بعض الأحيان ليست مجردة هفوات مقبولة ولكن قد تصل إلى حماقات علمية فاحشة يحتار الواحد منا في فهم كيف تقع من القامات العلمية الرصينة. دنيا العلم والعلماء بها العديد من التناقضات المضحكة والعجيبة من ذلك مثلاً: عالم الفيزياء المجري فيليب لينارد الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1905م عن أبحاثه عن الأشعة المهبطية، فقد أقتنع المجتمع العلمي بتفسير اينشتاين لمصدر تلك الأشعة المهبطية وربطها بظاهرة التأثير الكهروضوئي Photoelectric Effect التي اقترحها اينشتاين وحصل من جرائها على جائزة نوبل عام 1921م. لكن الفيزيائي فليب لينارد رفض قبول تفسير اينشتاين كما رفض قبول النظرية النسبية وكان يصفها بالخدعة اليهودية. الأغرب من ذلك أن ظاهرة التأثير الكهروكيميائي التي ضمنت جائزة نوبل لأينشتاين لا يمكن تفسيرها علمياً من غير القبول بنظرية ميكانيكا الكم التي يرفضها أينشتاين !! ولك أن تعجب من علماء نوبل الذين يرفض بعضهم أبحاث بعض حتى وإن نالت جائزة نوبل !!.

بعد قرون من شبه الجمود في علم الفيزياء بدأ العلماء في مطلع القرن العشرين يطرحون نظريات وأفكار علمية غريبة ومحيرة وغير مألوفة مثل النظرية النسبية ونظرية الكم. ولهذا لم يكن مستغرباً بطء تقبل المجتمع العلمي لهذه الأفكار، بل أن اينشتاين بعد أن طرح فكرة النظرية النسبية عام 1905م وكان يتم ترشيحه كل سنة لجائزة نوبل إلا أنه لم يحصل عليها إلا عام 1921م وفي موضوع غير النظرية النسبية. صحيح أن بعض العلماء في البداية لم يقتنعوا بصحة فكرة عدم صرامة القوانين الفيزيائية في نظرية ميكانيكا الكم القائمة على الاحتمالات (مبدأ عدم اليقين) إلا أن الغالبية العظمى سرعان ما غيروا قناعاتهم وقبلوا تلك النظرية الهلامية. من طرائف ما يذكر هنا أن ثلاثة علماء ألمان في أوائل شبابهم (قبل أن يحصلوا على جوائز نوبل) اجتمعوا عام 1913م وهم اينشتاين وأتو شتيرن وماكس لاوي وتناقشوا في صحة نظرية ميكانيكا الكم ثم اتفقوا جميعا بقيامهم بالحلف والتعهد أنه في حال تأكد الهراء والتخريف المتعلق بنظرية الكم فإنهم جميعا سوف يهجرون علم الفيزياء. طبعا لم يبقى على عناده من مشاهير العلماء في رفض نظرية الكم إلا اينشتاين واستمر على ذلك حتى وفاته بينما اصبحت نظرية الكم هي أكثر نظرية فيزيائية مرتبطة بالاكتشافات الفيزيائية الكبرى التي حصلت على عدد كبير من جوائز نوبل كما أنه بسببها أمكن انتاج المخترعات المذهلة مثل الكمبيوتر والليزر والأقمار الصناعية وغيرها كثير.

لمدة نصف قرن لم يقتنع اينشتاين بصحة ميكانيكا الكم كما أنه أضاع العقود الأخيرة من حياته وهو يجهد ويكد عقله العبقري في محاولة فاشلة ومتكررة لإنتاج ما أصبحت تعرف (بنظرية التوحيد الكبير)  Grand Unification Theory أو الاسم الشعبي لها: نظرية كل شيء !!. حتى الأنفاس الأخيرة حاول اينشتاين أن يجمع في معادلة واحدة كل القوانين الأساسية في علم الفيزياء وخصوصاً دمج الجاذبية مع الكهرومغناطيسية وقوى الذرات ولكنه فشل في كل مساعيه المتواصلة تلك لدرجة أنه قبل أيام قليلة من وفاته في المستشفى عام 1955م كان يحاول ويحاول حل هذه المعضلة المعقدة. ربما لم يعترف اينشتاين أبداً بخطأه حيال عدم القبول بنظرية ميكانيكا الكم، لكنه في المقابل كان شجاعاً في الاعتراف بما سماه (أكبر خطأ ارتكبه في حياته) وهو عدم قبوله في البداية بمفهوم انكماش أو تمدد الكون.

منذ زمن فلاسفة اليونان وحتى مطلع القرن العشرين كان أغلب العلماء يعتقدون أن الكون سرمدي وفي حالة مستقرة. ولهذا عندما تسببت معادلات اينشتاين المشتقة من النظرية النسبية العامة بإعطاء إيحاء بأن الجاذبية سوف تتسبب في انكماش الكون لذا قام اينشتاين وبشكل تعسفي بإضافة شيء جديد لمعادلاته سماه (الثابت الكوني) وذلك لكي يحافظ على حالة ثبات الكون. ولكن بعد ذلك بفترة من الزمن ظهرت النماذج الأولية من نظرية الانفجار الكبير Big Bang لكي تبين أن الكون ليس ثابت كما تصور اينشتاين وغيره من العلماء. اللطيف في الأمر أن اينشتاين لم يكن فقط مخطئا في عدم تقبل أن السماء (تتحرك) لكنه أيضاً لم يقبل النظرية العلمية التي تقول أن الأرض تتحرك. كما أن أهم نظرية في علم الفلك هي نظرية الانفجار الكبير التي رفضها اينشتاين في البداية فإن أهم نظرية في علم الجيولوجيا هي نظرية انزياح القارات Continents Drifting وهي الظاهرة الجيولوجية المتعلقة بالحركة المستمرة، وان كانت ضئيلة جدا للصفائح التكتونية الأرضية وهذا ما يسبب حركة وانزياح القارات عن مواضعها وتكون الجبال. في نفس العام الذي توفي فيه اينشتاين أي عام 1955م قام بكتابة مقدمة لكتاب علمي في مجال علم الجيولوجيا عنوانه (قشرة الأرض المنزاحة) وهو الكتاب الذي يعارض نظرية انزياح وتحرك القارات وكأن اينشتاين وحتى اللحظات الأخيرة من عمره لا يتوب من خطيئة (الجمود العلمي) وعدم قبول النظريات والأفكار العلمية الجديدة، علما بأنه كذلك في فترة ما كان يرفض قبول صحة الفكرة العلمية المتعلقة بحقيقة وجود الثقوب السوداء.

وبعد سلسلة الأخطاء والهفوات هذه أعتقد أننا لن نستغرب أن نعلم قيام اينشتاين برفض ظاهرة فيزيائية معقدة جدا ويكتفي (من باب السخرية) بتفسير حصولها بأنها ناتجه عن طريق الأشباح!!. حسب النظرية النسبية فلا شيء في الكون أسرع من الضوء ومع ذلك اكتشف العلماء ظاهرة محيرة تسمى التشابك الكمي Quantum Entanglement حيث قد توجد جسيمات تحت ذرية صغير يؤثر بعضها في بعض بشكل آني وفي التّو واللحظة حتى ولو كانت المسافة بينهما كما بين الأرض والمريخ. لم يقبل اينشتاين هذه الفكرة ولهذا سخر منها وقال إنها لو حصلت فالسبب في حصولها راجع للأشباح (Spooky Action at Distance)! علماً بأن هذه النظرية الغريبة تم اثبات صحتها بعد وفاة أينشتاين بحوالي عشر سنوات.

لا شك أن اينشتاين بدأ شبابه بأمارات العبقرية الصارخة لكن للأسف أنهى شيخوخته بالجمود والعناد المذموم لدرجة أن عالم الفيزياء الأمريكي المعروف روبرت أوبنهايمر (الملقب بأبي القنبلة الذرية) قال عنه: خلال السنوات الأخيرة من عمر اينشتاين لم يعمل شيئاً جيداً. ومع اكتشاف أن أينشتاين حتى في أوائل حياته العلمية وقع في أكثر من خطأ في المعادلات الرياضية لإثبات معادلته الشهيرة (E = mc2) بل أن جميع الحلول الرياضية الأخرى التي اقترحها لاحقا كانت غير دقيقة تماما. بهذا يمكن أن نقول أن حياة اينشتاين كلها كانت حافلة بالفشل والوقوع المتكرر في الأخطاء والهفوات. ومع ذلك، ينبغي التنبيه أنه ليس مقصدنا من هذا السرد هو تشويه أو انتقاص صورة هذا العبقري الفريد ولكن للتنبيه لحقيقة (الطبيعة البشرية) للعلم والعلماء وأنهم قد يقعون في الخطأ والزلل. ومن جانب آخر مسيرة حياة أينشتاين والصعوبات التي اعترضت حياته في كل منعطف هي درس لنا جميعا أن النجاح في دروب الحياة لا يعني بأي شكل أن تكون حياتنا خالية تماما من الأخطاء والهفوات أو أن نستسلم عند بوادر أي إخفاق أو ضعف أو انكسار.

 

البريد الإلكتروني للكاتب: ahalgamdy@gmail.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

1 التعليقات

  • موزه بنت محمد الربان04 سبتمبر, 201811:42 ص

    مقال جميل

    بصورة عامة، في وطننا العربي، يهتم الآباء أكثر من اللازم بنتائج الابناء في المدارس. يهتمون بهذا أكثر من اهتمامهم بتربيتهم على القيم والمبادئ والأخلاق والدين، . وذلك بسبب الاهتمام بمظاهر الحياة المادية والوظيفة والدخل أكثر من الاهتمام بفلسفة الحياة والوجود. وينعكس ذلك على أخلاق وقيم وسعادة الأجيال. لقد أصبح النجاح والتفوق الدراسي مسألة حياة أو موت تقريبا لدى الكثيرين، النجاح بأي ثمن وبأي طريقة.. أرجو أن يكون في مقالك هذا لفتة نحو فهم أكثر، جزاك الله خيرا

    رد على التعليق

    إرسال الغاء

أضف تعليقك