للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

اليوم العالمي للغة العربية

  • الكاتب : أ.د .محمد لبيب سالم

    أستاذ علم المناعة كلية العلوم/جامعة طنطا

  • ما تقييمك؟

    • ( 4 / 5 )

  • الوقت

    12:25 م

  • تاريخ النشر

    18 ديسمبر 2015

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "احفظوني في العرب لثلاث خصال، لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي" صدق رسول الله.

إذا كانت شفرات الحياة من صفات ووظائف للخلايا الحية بأجسادنا تتمثل في أربعة من القواعد النيتروجينية ونواتجها من العشرين بروتينا من الأحماض الأمينية، فإن شفرة التواصل الإنساني المحسوس في المجتمعات البشرية عموماً هي اللغة، وفي المجتمعات العربية خاصة هي التسعة وعشرون حرفا في اللغة العربية. وإذا كانت كلمات اللغة العربية هي جزيئات جسد اللغة فإن حروفها تمثل الذرات وما تحويها من الكترونات أو البروتونات التي تشحن الكلمات بمعاني سلبية أو إيجابية على حسب عددها وتوازنها وتوزيعها في مدارات الكلمات والجمل.

وتذكر بعض المراجع أن عدد اللغات هو ما بين أربعة وخمسة آلاف. ولكن تشير بعض التقديرات إلى أن العدد الحقيقي يتراوح ما بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف لغة. ومن أشهر اللغات الحديثة اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والأسبانية والألمانية والإيطالية والفارسية والهندية والصينية واليابانية  والروسية. هذا بالإضافة لبعض اللغات الأخرى التي تستخدم بلسان شعوبها مثل الاندوسينية والباكستانية والماليزية والتشيكية والرومانية وغيرها. ومن أشهر اللغات الغير مستخدمه بكثرة حالياً اللغة القبطية والهيروغلوفية واللاتينية واليونانية. وهناك لغات مثل الصينية التي تعتمد على أشكال تسمى الكانجي يفهم منها المعني. ومع أن كل شكل له معناه الخاص فدخوله مع شكل آخر يغير المعنى. وهناك لغات مثل اليابانية التي تتكون من أكثر من نوع من الحروف الهجائية. فعلى سبيل المثال، هناك حروف الهيراجانا وهي الأسهل والكاتاكانا وهي الصورة المتحورة من الهيراجانا ثم الكانجي وهو الأكثر تحورا، فما هو إلا أشكال وصور مشتقة من لغة الكانجي الصينية. وقد أضاف اليابانيون لغة أخرى هي الروماجي والتي تشبة الفرانكو-ارابك التي يستعملها الشباب في وقتنا هذا للإستسهال ولكن الروماجي في اللغة اليابانية متعارف عليه رسمياً.

والعربية لغة من لغات المجموعة السامية وهي من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة ويتوزع متحدثوها في الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة كتركيا وتشاد ومالي السنغال وإرتيريا. واللغة العربية لغة مقدسة فهي لغة القرآن، ولا تتم الصلاة (وعبادات أخرى) في الإسلام إلا بإتقان بعض من كلماتها. والعربية هي أيضا لغة شعائرية رئيسية لدى عدد من الكنائس المسيحية في الوطن العربي، كما كتبت بها الكثير من أهم الأعمال الدينية والفكرية اليهودية في العصور الوسطى. وقد بذلت جهود مضنية منذ خمسينات القرن الماضي أسفرت عن صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 878 الدورة التاسعة المؤرخ في 4 ديسمبر 1954 ليجيز الترجمة التحريرية فقط إلى اللغة العربية، على ألا تزيد عدد الصفحات المترجمة عن أربعة آلاف صفحة في السنة وعلى أن تدفع الدولة التي تطلبها تكاليف الترجمة، بشرط أن تكون هذه الوثائق ذات طبيعة سياسية أو قانونية تهم المنطقة العربية.

ثم تحسن الأمر واتخذت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) قراراً في عام 1960 يقضي باستخدام اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي تُنظَّم في البلدان الناطقة بالعربية وبترجمة الوثائق والمنشورات الأساسية إلى العربية. وفي عام 1966 تم اعتماد قرار يقضي بتعزيز استخدام اللغة العربية في اليونسكو وتقرر تأمين خدمات الترجمة الفورية إلى العربية ومن العربية إلى لغات أخرى في إطار الجلسات العامة. وفي عام 1968 تم اعتماد العربية تدريجياً لغة عمل في المنظمة مع البدء بترجمة وثائق العمل والمحاضر الحرفية وتوفير خدمات الترجمة الفورية إلى العربية. واستمر الضغط الدبلوماسي العربي حتى تمت الموافقة على جعل العربية تُستعمل كلغة شفوية خلال انعقاد دورات الجمعية العامة في سبتمبر 1973.

وبعد أن أصدرت جامعة الدول العربية  في دورتها الستين قرارا يقضي بجعل اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة وباقي هيئاتها، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن عشر من ديسمبر 1973 إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغة العمل في الأمم المتحدة. أما استخدام اللغة العربية كلغة عمل في دورات المجلس التنفيذي، فأُدرجت في جدول الأعمال في عام 1974. وفي النهاية أصدرت الأمم المتحدة قرارا برقم 3190 في هذا الصدد، وذلك عند انعقاد الدورة 28 للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو عام 1973م. وفي أكتوبر سنة 2012 عند انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لليونسكو تقرر تكريس يوم 18 كانون الأول/ديسمبر يوماً عالمياً للغة العربية. وقد كانت فكرة راقية أن تقرر الهيئة الاستشارية للخطة الدولية لتنمــية الثقافة العربـــية (أرابيا) التابعة لليونسـكو أن يكون المحور الرئيس لليوم العالمي للغة العربية هذا العام هو الحرف العربي نظراً إلى ما يمثل الحرف العربي من قيمة في الرمز للغة العربية المحتفى بها، وما يمثله كذلك من حضور لافت على مستوى الثقافات والحضارة البشرية بصفته إحدى الصور التي تجاوزت الرسم التواصلي إلى الأعمال الفنية والإبداعية. ومن المتوقع أن الاحتفاء بالحرف العربي سوف يكرّس إعادة لفت الانتباه إلى أهميته وجماله واستحضاراً لقيمته العالية التي تمثل ما يشبه الاتفاق العالمي على مكانته في الحضارة البشرية.

   واللغة العربية من أغزر اللغات من حيث المادة اللغوية، فعلى سبيل المثال يحوي معجم لسان العرب لابن منظور من القرن الثالث عشر أكثر من 80 ألف مادة، بينما في اللغة الإنجليزية فإن قاموس صموئيل جونسون - وهو من أوائل من وضع قاموساً إنجليزياً من القرن الثامن عشر  يحتوي على 42 ألف كلمة. وتحتوي العربية على 28 حرفاً مكتوباً. ويرى بعض اللغويين أنه يجب إضافة حرف الهمزة إلى حروف العربية، ليصبح عدد الحروف 29. تُكتب العربية من اليمين إلى اليسار - ومثلها اللغة الفارسية والعبرية وعلى عكس الكثير من اللغات العالمية - ومن أعلى الصفحة إلى أسفلها. وإذا أخذنا في الإعتبار رسم الحرف (صورته) ولفظه (نطقه) بصوت فسوف يصل عدد الحروف العربية الحقيقي إلى 29×4 (مثال: بْ . بَ ,بُ, بِ ) وهي الحركات التي تخرج الحرف من الصورة الجامدة وتجعله يتخذ صوراً حية بأصوات متحركة. وهل اللغة إلا أصوات مكتوبة ؟

واللغة العربية لغة التميز والمساواة وتقدير الفرد والجماعة والجنس والخطابة فهي لغة هي وهو، لغة أنت وأنتم ولغة هم وهن. هذا الإبداع اللغوي لاتجود به اللغات الأخرى مما يعطي اللغة العربية رونقاً وعلواً ورقياً فوق كل اللغات، فقلما تجد هذه الضمائر المتنوعة التي تخاطب كل مقام. وبالرغم من وهن اللغة العربية وضعفها بسبب التلوث اللغوي والبيئي، إلا انها مازالت  تبث شذى عبيرها عندما تُكتب أو تُقرأ. ونتمنى أن تبتعد عنها شوائب العصر من الجاهلين والمتطفلين. وهذه أبـيات رائعة من قصيدة "اللغة العربية تتحدث عن نفسها" للشاعر حافظ ابراهيم الذي شبه فيها اللغة العربية بـشخص يتحدث عن نفسه ، بل جعلها أماً تنعي عقوق أبنائها لها، وتعلن دهشتها من أبنائها الذين يتهمونها بعدم القدرة على مواكبة العصر فتقول:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي            وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني            عقمت فلم أجزع لقول عداتي
أنا البحر في أحشائه الدر كامن             فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي..؟

تقول اللغة العربية في هذه الأبيات: بعدما سمعتُ الضجة الكبرى والحملة الجائرة ضدي رجعتُ لنفسي واتهمت عقلي ولكن تبين كذب ما يقولون، فعلمت أنهم يريدون وأدي، فناديت قومي واحتسبت حياتي عند الله فيما يدخر، فهم قد اتهموني بالعقم في شبابي وليتني حقيقة عقمت فلم أجزع لقول أعدائي، ولكنني أنا الودود الولود تتجدد في كل عصر وزمان. فقد ولدت الكلمات والعبارات ولكن لم أجد لها الرجال الأكفاء" الجديرين بها الحريصين على إظهار مكنوناتها فوأدتها وهي حية. وما زالت اللغة تتحدث عن نفسها وتتعجب ممن اتهمها فتقول أنا البحر الذي كَمُن في جوفه الدر فهل ساءلوا أهل اللغة العالمين بها عن صدفاتي. اللغة العربية قد تمرض ولكنها لا تموت وقد تحزن من أصاحبها ولكنها لا تيأس، إنها اغنى لغات العالم في مفرداتها ومعانيها  ومتحدثيها. اللغة العربية مازلت تنتظر المزيد من الاهتمام بثوبها فإذا كانت الأمم المتحدة قد خصصت يوماً للإحتفال بها فيجب أن نكون فخورين بها ونرتدي ثوبها في الفن والعلم والأدب والطب والقانون. وإن لم تكن اللغة العربية عزيزة وقوية ومعبرة وغنية وجميلة ما اختارها الله لغة القرآن.  

في النهاية أقول “لو لم أكن عربياً لوددت أن أكون عربياً  لعشقي  للغة العربية".

 

 

البريد الإلكتروني للكاتب: mohamedlabibsalem@yahoo.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك