مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

مع الجيولوجيا في يوم العالمي للجيولوجيين

الكاتب

د. أحمد بن حامد الغامدي

جامعة الملك سعود – الرياض- المملكة العربية السعودية

الوقت

02:00 صباحًا

تاريخ النشر

04, أبريل 2026

.

لمراتٍ عديدة عبر السنين قمتُ بزيارة متحف التاريخ الطبيعي في لندن، وكالعادة فإن تجربة المرة الأولى لها ذكرياتها وانطباعاتها الخاصة. وما أعجب منه الآن أنني كنتُ ولا أزال مفتونًا بمقتنيات المتحف من الأحافير، وعينات الديناصورات، ونماذج الحشرات والحيوانات. ولكن عندما وصلتُ إلى المعروضات الجيولوجية، وشاهدتُ الخزائن الزجاجية العديدة التي تحتوي على كمٍّ غفير من عينات الصخور والأحجار، ولقلّة وعيي في تلك السن المبكرة، مررتُ في ذلك الجناح بسرعة دون التوقف لتأمل تلك العينات الجيولوجية.

في منتصف التسعينيات الميلادية، كان متحف التاريخ الطبيعي في لندن منفصلًا عن متحف الأرض، لدرجة أنك تحتاج إلى شراء تذكرة دخول منفصلة، وكان لمتحف الأرض مدخلٌ خاص. ومن المواقف التي أتذكرها أنني في فترة الصباح أهملتُ واستخففتُ بالأحجار الموجودة في متحف التاريخ الطبيعي، أما بعد الظهر من نفس اليوم، وفي أسفل السلالم المتحركة في متحف الأرض، فقد وقفتُ مذهولًا أمام عينات (أحجار) أخرى لأنها كانت قادمة من القمر.

ولهذا أود أن أعترف اليوم بأنني أشعر بالسذاجة في طريقة تفكيري آنذاك، لاستخفافي بأهمية الأحجار الجيولوجية، بالرغم من أنها تكشف عن معلومات مذهلة، أكثر مما تكشف عنه أحجار القمر، كما سأشير إليه بعد قليل.

ومع ذلك، ربما كان سبب عزوفي عن التمعن في عينات الصخور المتشابهة وغير المثيرة للاهتمام، يعطي لمحة عن معاناة القائمين على المتاحف والمعارض، عندما يحاولون قدر المستطاع تنظيم هذه المتاحف بشكل جذاب وشيق وسلس، لتقليل ظاهرة (تعب المتاحف Museum fatigue)، وهذا التعب يعني أن غالبية زوار المتاحف يبدأون بالشعور بالملل بعد نصف ساعة من الزيارة. وهذا ما يسبب أن بعض أجنحة المتاحف لا تحظى بالاهتمام والإعجاب اللائق بها، بينما في المقابل نجد أن حدائق الحيوان غالبًا ما تكون أكثر تشويقًا للزوار، بسبب التنوع الكبير في أشكال وسلوك الحيوانات.

قبل عدة سنوات قرأتُ كتابًا له فكرة غريبة، وهي أن للنباتات إحساسًا وإدراكًا، وعنوانه (النباتات العاقلة Planta Sapiens). وبحكم أن مؤلف الكتاب، عالم النبات الإسباني باكو كالفو، كان عاشقًا متعصبًا لتلك الكائنات الخضراء، فقد رصد في بداية كتابه أسباب معرفة وإعجاب البشر بالكائنات الحيوانية أكثر بكثير من عالم النبات، لدرجة أن أغلبنا بالكاد يستطيع التعرف على عدد قليل من الأشجار، بينما يمكنه التمييز بسهولة بين عدد هائل من الحيوانات.

والمقصود أن بعض التخصصات العلمية مثل علم الجيولوجيا أو علم النبات أو علم الإحصاء، وأحيانًا علم الكيمياء، لا تحظى بالشعبية أو التقدير المستحق الذي تتمتع به تخصصات علمية “مدللة” مثل الفيزياء والفلك وعلم الحيوان.

ولهذا فإن بعض المناسبات العلمية، مثل (اليوم العالمي للجيولوجيين Geologists Day) الذي يقع في أول يوم أحد من شهر أبريل (ويوافق هذا العام 5 أبريل)، أو مثل (مهرجان إدنبرة للعلوم) الذي تبدأ فعالياته اليوم السبت 4 أبريل ويستمر لمدة أسبوعين، ويُعد منافسًا قويًا لشهرة (مهرجان إدنبرة للفنون) الذي يقام سنويًا في شهر أغسطس—كلها تمثل فرصًا مناسبة جدًا للتعريف، ولفت الأنظار، ونشر الوعي بأهمية بعض التخصصات العلمية (مثل علم الجيولوجيا)، ومحاولة تقريبها وتحبيبها للناس.

القصور في الفهم وضعف الإدراك لديّ في بداية مرحلة الشباب جعلني أنظر إلى علم الجيولوجيا على أنه مجرد عينات صخور متشابهة، وتركيبات بلورية متكررة، ولذلك فقدتُ الاهتمام به بعد التجربة السيئة لطريقة تدريس مقرر الجيولوجيا في المرحلة الثانوية. ولكن مع مرور الزمن، ومع القراءة العلمية الثقافية لبعض الكتب أو مشاهدة البرامج الوثائقية الاحترافية، بدأ يزداد تقديري وإعجابي، بشكل متصاعد، لدرجة الانبهار بالأفكار والمكتشفات العلمية العجيبة في هذا العلم، وهو ما أود الحديث عنه باختصار في هذا المقال.

من الأحجار نقرأ أعظم سردية للأرض

مقارنةً بعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، يُعد علم الجيولوجيا علمًا حديثًا نسبيًا؛ إذ لم يظهر بشكل مستقل ومقبول إلا في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ويُذكر أن أول من وُصف بأنه (عالم جيولوجيا Geologist) هو العالم الأسكتلندي جيمس هاتون، المتوفى عام 1797م، والمُلقب بأبي الجيولوجيا.

ومن الغريب أن أحد أهم المفاهيم في هذا العلم، وهو نظرية الانجراف القاري وحركة الصفائح التكتونية، التي تفسر معظم الظواهر الجيولوجية مثل البراكين والزلازل وتكوّن الجبال والفوالق البحرية، لم يتم قبولها بشكل نهائي إلا في وقت متأخر جدًا، في سبعينيات القرن العشرين. وهنا تكمن المفارقة؛ فعلى الرغم من تأخر نشأة هذا العلم نسبيًا، فإنه استطاع خلال زمن قصير الوصول إلى اكتشافات مذهلة.

عندما طرح العالم الألماني ألفرد فيغنر نظرية (الانجراف القاري) عام 1912م، حاول تفسير التطابق بين الساحل الغربي لإفريقيا والساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية، موضحًا أنهما كانتا في الماضي السحيق قارتين متلاصقتين. لكن هذه الفكرة قوبلت بالسخرية؛ لأن العلماء آنذاك لم يستوعبوا كيف يمكن للقارات أن تتحرك.

اليوم نعلم أن القارات الحالية كانت متجمعة في كتلة واحدة تُسمى (بانجيا)، وهي القارة العملاقة التي بدأت بالتفكك قبل نحو 200 مليون سنة. بل إن العلماء ذهبوا أبعد من ذلك، فافترضوا وجود قارات أقدم مثل (رودينيا) و(كولمبيا)، تعود إلى مئات الملايين بل مليارات السنين.

الثابت والمتحول لدى الجيولوجيين

إذا كنتَ تتعجب كيف تمكن علماء الجيولوجيا من استنتاج تركيب الغلاف الجوي للأرض قبل مليارات السنين، فالأمر ذاته ينطبق على قدرتهم في إعادة بناء تاريخ درجات حرارة الأرض. فقد تحدثوا عن فترات مثل (الأرض المحمومة) قبل 56 مليون سنة، حيث ارتفعت درجات الحرارة بشكل كبير، وفترات أخرى مثل (الأرض الثلجية Snowball Earth) قبل 635 مليون سنة، حين غطى الجليد معظم سطح الكوكب.

كما تمكنوا من تحديد عدة عصور جليدية كبرى، أقدمها قبل نحو 2000 مليون سنة، واستمر مئات الملايين من السنين.

وهنا يبرز سؤال: كيف استطاع العلماء معرفة كل ذلك من خلال بقايا صخور وأحافير؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها تعكس عبقرية هذا العلم ومنهجيته. ومن الأمثلة المدهشة أيضًا فرضية تكوّن القمر نتيجة اصطدام الأرض بكوكب بحجم المريخ يُسمى (ثيا).

الخاتمة

في الختام، نحن ننظر إلى ما حولنا على أنه ثابت: الأرض تبدو ساكنة، والجبال راسخة، والهواء ثابت التركيب، وحركة الأجرام السماوية منتظمة. لكن هذه مجرد نظرة سطحية. أما العلماء، وخاصة الجيولوجيين، فلديهم سردية مختلفة تمامًا؛ يرون عالمًا مليئًا بالحركة والتغير عبر مليارات السنين.

بل إنهم استطاعوا التعمق داخل الأرض باستخدام الموجات الزلزالية، واكتشفوا أن مركزها يحتوي على نواة من الحديد، يُعتقد أن مصدره نيازك قادمة من الفضاء.

.

تواصل مع الكاتب: ahalgamdy@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons