مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

غابات المانغروف في قطر وتحديات المناخ والانسان

الكاتب

الصغير محمد الغربي

كاتب علمي

الوقت

11:12 صباحًا

تاريخ النشر

08, فبراير 2026

.

تُعدّ أشجارُ المنغروف من أكثر النباتات مقاومةً للظروف البيئية القاسية، مثل الحرارة المرتفعة والملوحة الشديدة، كما تمتلك قدرة استثنائية على التأقلم مع التغيرات المناخية. وفي قطر، تمثّل غابات المنغروف الساحلية نظامًا بيئيًا حيويًا للتنوع البيولوجي، يتحدى المناخ الصحراوي القاسي رغم درجات الحرارة التي قد تتجاوز 50 درجة مئوية، وندرة الأمطار، وارتفاع ملوحة المياه.

وتلعب هذه الغابات دورًا محوريًا بوصفها مستودعات للكربون الأزرق، إذ تحتجز كميات كبيرة من الكربون، وتوفر خدمات بيئية أساسية تدعم التنوع البيولوجي البحري والاقتصاد القطري. غير أنها تواجه تحديات متزايدة نتيجة التغير المناخي والأنشطة البشرية المتسارعة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون من جامعة قطر دراسة مراجعة علمية شاملة استكشفت التوزيع المكاني لغابات المنغروف، والضغوط المتزايدة عليها بفعل تغير المناخ والتوسع الحضري، إضافة إلى آليات التكيف الفسيولوجية التي تمكّن هذه الأشجار من البقاء.

وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في دورية Plant Stress العلمية، أن الغطاء الحرجي للمنغروف على سواحل قطر شهد توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بفضل جهود إعادة التشجير الناجحة. إلا أن الباحثين حذّروا من تصاعد المخاطر المرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر والتمدد العمراني، مشيرين إلى أن ما يصل إلى 45% من مساحات المنغروف قد تكون مهددة بحلول عام 2050. كما أكدوا ضرورة دمج حماية هذه المناطق ضمن الاستراتيجيات الوطنية للتخفيف من آثار تغير المناخ.

فوائد بيئية واقتصادية لغابات المنغروف

تفصّل الدراسة التوزيع المكاني لأشجار المنغروف البحرية (Avicennia marina)، وهي النوع الوحيد الذي ينمو طبيعيًا على طول الساحل القطري، وكان يتركز تاريخيًا في البحيرات الشمالية الشرقية مثل الخور والذخيرة.

وتكشف بيانات الأقمار الصناعية التي جرى تحليلها للفترة الممتدة من عام 1986 إلى عام 2023 عن ديناميكية معقدة؛ فعلى الرغم من الضغوط التي تعرضت لها هذه الغابات في تسعينيات القرن الماضي بسبب التلوث الناتج عن ناقلات النفط خلال حرب الخليج، فإن الاتجاه العام يشير إلى التعافي والتوسع.

ففي عام 2014، قُدّرت المساحة الإجمالية بنحو 981 هكتارًا، شملت المناطق الطبيعية والمزروعة، ثم ارتفعت إلى 1178.3 هكتارًا في عام 2021. ويُعزى هذا النمو بدرجة كبيرة إلى سياسات إعادة التشجير النشطة التي نفذتها وزارة البيئة. ومع ذلك، لم يكن هذا التوسع متجانسًا؛ إذ يصل ارتفاع أشجار المنغروف الطبيعية على الساحل الشرقي إلى نحو ستة أمتار بكثافة عالية، بينما بقيت المزارع على الساحل الغربي، الأصغر سنًا والأكثر تعرضًا للظروف القاسية، محدودة الحجم (من متر إلى ثلاثة أمتار).

مواقع تواجد أشجار المانغروف على طول ساحل قطر (المصدر: دراسة المراجعة)

وبحسب المؤلفين، تُعد هذه الغابات بمثابة الرئة البيئية والاقتصادية للساحل، إذ توفر موائل طبيعية لعدد كبير من الأنواع البحرية. وتشير دراسات سابقة إلى أن غابات المنغروف القطرية تحتضن تنوعًا بيولوجيًا غنيًا للكائنات القاعية الكبيرة، حيث سُجّل نحو 75 نوعًا، تشمل القشريات والرخويات والديدان الحلقية. كما تعمل هذه الغابات حاضنات لأنواع ذات أهمية تجارية كبيرة، مثل روبيان باليمون خوري وأنواع متعددة من الأسماك. وتشير التقديرات إلى أن ستة من أكثر عشرين نوعًا من الأسماك صيدًا في قطر تعتمد على غابات المنغروف خلال مراحل نموها المبكرة، وهو ما يمثل قيمة اقتصادية تتجاوز 67 مليون دولار أمريكي من حيث كميات الصيد عام 2014.

إضافة إلى ذلك، تقدم غابات المنغروف خدمات بيئية لا غنى عنها، من خلال تثبيت الرواسب، وتصفية الملوثات، وحماية السواحل من التآكل والعواصف. كما أبرزت الدراسة قدرتها الكبيرة على تخزين الكربون الأزرق، إذ بلغت مخزونات الكربون نحو 45.70 طنًا للهكتار الواحد، مما يعزز أهميتها محليًا وعالميًا في تنظيم المناخ.

تحديات مناخية وبشرية متزايدة

على الرغم من مرونتها التاريخية، تواجه غابات المنغروف في قطر تحديات جسيمة ناجمة عن التطور السريع للنشاط البشري والآثار المدمرة لتغير المناخ. فقد أدى التوسع الحضري والصناعي إلى تغيير ملامح الساحل القطري، كما أسهم بناء الموانئ والفنادق والطرق ومحطات تحلية المياه في عمليات تجريف وترسيب للطمي، مما زاد من عكارة المياه وأضر بالمواطن البيئية الحساسة.

وسلطت الدراسة الضوء على الانبعاثات الحرارية من محطات توليد الطاقة والمصانع، التي قد ترفع درجة حرارة المياه إلى مستويات قاتلة للنباتات والكائنات البحرية. كما تؤثر تقلبات حرارة مياه الخليج العربي في عملية التمثيل الضوئي وإنتاجية الأشجار.

وفي الوقت نفسه، يؤدي انخفاض هطول الأمطار وزيادة التبخر إلى ارتفاع ملوحة التربة والمياه، وهو ضغط فسيولوجي كبير يحد من نمو الأشجار وبقائها. ويشكّل ارتفاع مستوى سطح البحر تهديدًا وجوديًا أوسع نطاقًا، إذ تشير التوقعات إلى أن ارتفاعًا بمقدار 0.52 متر قد يعرض 34% من أشجار المنغروف للخطر، بينما قد تصل النسبة إلى 45% إذا بلغ الارتفاع 0.74 متر. وتعتمد أشجار المنغروف، التي تعيش ضمن نطاق المد والجزر، على مساحة محددة للبقاء، وتواجه خطر الغرق إذا لم تتمكن من الهجرة نحو الداخل بسرعة كافية. إلا أن البنية التحتية الساحلية غالبًا ما تعيق هذا التراجع الطبيعي، مما يجعل هذه الغابات محاصرة بيئيًا.

قدرة استثنائية على مقاومة الظروف القاسية

يشير الباحثون إلى أن بقاء أشجار المنغروف في قطر يعتمد على مزيج فريد من التكيفات الفسيولوجية والتدخلات البشرية الاستراتيجية. فهذه الأشجار تمتلك جذورًا تعمل كمرشحات عالية الكفاءة قادرة على إزالة ما يصل إلى 95% من الملح من مياه البحر.

كما تقوم بإفراز الملح عبر غدد متخصصة على أوراقها، وتمتلك أوعية دقيقة تقلل فقدان الماء، مما يمنحها كفاءة أعلى في استخدام المياه مقارنة بالنباتات المجاورة. وتعد جذورها الهوائية ضرورية لتوفير الأكسجين في البيئات اللاهوائية، كما تلعب دورًا رئيسيًا في احتجاز الرواسب. ولمواجهة ارتفاع مستوى البحر، تستطيع الأشجار التكيف رأسيًا عبر تراكم الرواسب حول جذورها، أو الهجرة أفقيًا نحو الداخل. وقد أظهرت تجارب محاكاة الفيضانات أن أشجار المنغروف البحرية قادرة على تحمل الغمر المطوّل عبر إغلاق ثغورها والحفاظ على قدرتها على امتصاص الماء، مما يدل على قدرتها العالية على التكيف قصير المدى.

أشجار المانغروف في منطقتي الخور والذخيرة، قطر (المصدر: دراسة المراجعة)

نحو سياسات حماية واستثمار مناخي

تؤكد الدراسة الحاجة الملحّة إلى ترجمة هذا الفهم العلمي إلى سياسات عامة لحماية وإعادة تأهيل غابات المنغروف. ويبرز مفهوم الكربون الأزرق بوصفه عاملًا محوريًا في هذا المسار، إذ تخزن تربة المنغروف نحو 35.52 طنًا من الكربون للهكتار الواحد على عمق نصف متر فقط.

ويمكن أن يوفر دمج هذه الغابات ضمن الاستراتيجيات المناخية الوطنية حوافز اقتصادية عبر أسواق الكربون، مما يعزز فرص حمايتها واستدامتها.

ولذلك، يوصي الباحثون بإدماج عزل الكربون بواسطة غابات المنغروف بشكل صريح ضمن التزامات قطر المناخية، مع مواصلة جهود إعادة التشجير، وتخطيط ممرات هجرة برية تسمح للأشجار بالتراجع نحو اليابسة، إضافة إلى إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الأنشطة الصناعية.

.

المراجع:

Mangroves in the State of Qatar: Influences and adaptations of climate change

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x