.
يواجه النظام الزراعي والغذائي العالمي تداخلًا غير مسبوق بين تأثيرات التغير المناخي والمخاطر الناتجة عن الصراعات والأزمات الاقتصادية، مما يهدد بعرقلة التقدم نحو هدف القضاء على الجوع. ويكشف التقرير الأخير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، الذي يصدر كل عامين، التأثير المثير للقلق للكوارث الطبيعية على الزراعة والأمن الغذائي، إذ سجل الكوكب خسائر زراعية هائلة بلغت حوالي 3260 مليار دولار على مدى العقود الثلاثة الماضية.
وتعكس هذه الأرقام الهائلة المخاطر التي يتعرض لها مصدر عيش مليارات البشر الذين يعتمد بقاؤهم على الزراعة بشكل مباشر. ولم يكتفِ التقرير بإحصاء الأضرار فحسب، بل رسم أيضًا مسارًا نحو المرونة والصمود من خلال الابتكار الرقمي.
في قلب هذا الضعف العالمي، تبرز منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، التي تضم جزءًا كبيرًا من العالم العربي، نظرًا لتعرضها المتزايد للمخاطر، حيث تتداخل التهديدات المناخية مع النزاعات طويلة الأمد، مما يخلق نقاط ضعف منهجية تتطلب استجابة تحويلية، بما في ذلك التبني الاستراتيجي للحلول الرقمية.
تأثير الكوارث على الزراعة: نزيف اقتصادي وغذائي
يكشف التقرير عن تسارع مأساوي في وتيرة وشدة الكوارث أدى إلى خسائر هائلة في القطاع الزراعي على مستوى العالم. فخلال الفترة التي تم تحليلها (1991–2023)، قفز المتوسط السنوي للخسائر الزراعية العالمية من 64 مليار دولار في التسعينيات إلى رقم مذهل بلغ 144 مليار دولار في الفترة الأخيرة، ليصل إلى ذروته عند 215 مليار دولار في عام 2022 وحده. وإذا كانت آسيا تتحمل العبء الأكبر من الخسائر المطلقة (47% من الإجمالي العالمي) بسبب مساحتها وكثافة إنتاجها، فإن تحليل الخسائر النسبية للناتج المحلي الإجمالي الزراعي يكشف الهشاشة الحرجة للمناطق النامية، بما في ذلك العديد من الدول العربية.
أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيسلط التقرير الضوء على واقع قاتم بشكل خاص، فالبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى – وهي فئة تضم العديد من الدول العربية – تتكبد أثقل الخسائر النسبية، والتي تصل إلى 4.7% من ناتجها المحلي الإجمالي الزراعي. ويترجم هذا الرقم “فجوة هشاشة” حرجة، إذ تمتلك هذه الدول بنى تحتية زراعية معرضة للخطر، لكنها تفتقر إلى الدعم المالي الكافي، مما يؤدي إلى تقويض جهودها التنموية باستمرار نتيجة التقلبات الاقتصادية العالمية وتأثير التغير المناخي.
ويبرز التقرير أحداثًا محددة دمّرت المنطقة وتظهر تنوع التهديدات. ففي عام 2023، ضربت العاصفة “دانيال” ليبيا، وتسببت فيضاناتها الكارثية – إضافة إلى الخسائر البشرية المأساوية – في تدمير البنية التحتية الزراعية وتلويث الأراضي المنتجة بالحطام والملوثات، مما رهن مستقبل الزراعة المحلية لسنوات. وفي الوقت نفسه، يظل الجفاف، ذلك “القاتل الصامت”، التهديد المهيمن على العالم العربي. ورغم أنه غالبًا ما يتم الإبلاغ عنه بنسبة أقل في قواعد البيانات العالمية مقارنة بالفيضانات المفاجئة، فإنه يبقى وراء ما يقرب من 80% من الخسائر الزراعية عند مقارنته بالقطاعات الاقتصادية الأخرى في تقييمات ما بعد الكارثة. كما يهدد التصحر المتزايد، الذي تفاقمه التغيرات المناخية، بشكل مباشر نظم إنتاج الحبوب والنشاط الرعوي، وهما ركيزتان أساسيتان للأمن الغذائي في دول مثل سوريا والعراق ودول المغرب العربي.
ما وراء الخسائر: أزمة الغذاء والتأثيرات المتتالية
يتجاوز تحليل الفاو مجرد الحسابات المالية ليستكشف العواقب العميقة لهذه الكوارث على الأمن الغذائي، مبينًا كيف تترجم خسائر الإنتاج مباشرة إلى تدهور في الصحة العامة. فعلى الصعيد العالمي، تعادل خسائر الإنتاج الزراعي الناجمة عن الكوارث انخفاضًا في توافر الطاقة بمقدار 320 سعرة حرارية للفرد يوميًا في المتوسط خلال الفترة المدروسة. وبالنسبة للفئات الضعيفة في العالم العربي، التي تعتمد في الغالب على الواردات وتعاني من معدلات عالية من سوء التغذية أو انعدام الأمن الغذائي، فإن هذه الأرقام مقلقة للغاية. ويقدر التقرير أن الخسائر في العناصر الغذائية الأساسية، مثل الحديد والزنك وفيتامين A، تصل إلى مستويات حرجة، إذ تعادل خسائر عنصر الحديد مثلًا 60% من الاحتياجات اليومية الموصى بها للرجال.
المنطقة العربية معرضة بشكل خاص لما يصفه التقرير بـ”التأثيرات المتتالية”، حيث تؤدي أزمة أولية إلى سلسلة من الانهيارات النظامية. وتعمل النزاعات كمضاعف مدمر للمخاطر، حيث تتفاعل مع المخاطر المناخية لخلق أزمات معقدة. ويُعدّ وضع السودان مثالًا صارخًا على هذه المعاناة المزدوجة؛ فالصراع المستمر، مقترنًا بالفيضانات والجفاف، أدى إلى انهيار النشاط الزراعي. وتكشف بيانات الأقمار الصناعية أن المساحة المزروعة في مشروع الجزيرة للري، الذي يُعد سلة غذاء البلاد، انخفضت بنسبة 57% خلال موسم 2024/2025، مع انخفاض كبير بنسبة 68% في المساحة المخصصة للقمح.
كما يسلط التقرير الضوء على قطاع غالبًا ما يُهمل في تقييمات الكوارث، وهو الصيد البحري وتربية الأحياء المائية. فبالنسبة للدول العربية الساحلية، من موريتانيا إلى سلطنة عمان، تمثل موجات الحر البحرية تهديدًا وجوديًا لهذا القطاع. ويقدر التحليل أن موجات الحر تسببت في خسائر بنحو 6.6 مليار دولار في قطاع الصيد العالمي بين عامي 1985 و2022، مما أثر على 15% من مصايد الأسماك العالمية. وفي البحر الأبيض المتوسط، تهدد درجات حرارة السطح القياسية لعام 2024 بتعطيل النظم البيئية البحرية بشكل لا رجعة فيه، مما يؤدي إلى هجرة أنواع كثيرة من الأسماك ونفوق أخرى، وهو ما يؤثر مباشرة على سبل عيش مجتمعات الصيد التقليدي.
الثورة الرقمية: حلول ملموسة في الدول العربية
في مواجهة هذا المشهد القاتم، يقدم الجزء الثالث من التقرير بصيص أمل من خلال تفصيل كيفية إحداث التقنيات الرقمية تحولًا في إدارة المخاطر الزراعية. ويؤكد التقرير أن كل دولار يُستثمر في العمل الاستباقي – التصرف قبل وقوع الكارثة بفضل التنبؤات الدقيقة – يولد ما يصل إلى 7 دولارات من الفوائد للأسر الريفية. وبالنسبة للعالم العربي، فإن هذه التقنيات ليست خيالًا مستقبليًا، بل أدوات للتكيف الفوري.
يستعرض التقرير عدة دراسات حالة تثبت فعالية الأدوات الرقمية في المراقبة والإنذار المبكر. ففي تونس، يجسد تطبيق IREY مساهمة الاستشعار عن بعد في كفاءة استخدام المياه. وبالاعتماد على بيانات بوابة WaPOR التابعة للفاو، يوفر التطبيق للمزارعين توصيات ري دقيقة. وفي منطقة “بوهرتمة” (13 ألف هكتار)، أدى الاستخدام المشترك لصور الأقمار الصناعية والمعلومات المحلية إلى خفض ملحوظ في استهلاك المياه مع تحسين محاصيل القمح.
وفي سوريا، استُخدمت بيانات WaPOR عام 2019 لتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للري في مناطق يصعب الوصول إليها لأسباب أمنية. وقد سمح تحليل التبخر بتحديد محطات الضخ العاملة في دير الزور، مما مكن من توجيه جهود إعادة الإعمار نحو المناطق الأكثر أولوية.
كما تستفيد مكافحة الآفات العابرة للحدود، مثل الجراد الصحراوي، من الرقمنة. فقد سمح تطبيق FAMEWS بمعالجة بيانات أكثر من 50 ألف عملية مسح ميداني في 60 دولة. وتُعد هذه الأنظمة، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور يلتقطها المزارعون، حاسمة لمنع غزو الجراد الذي يهدد الأمن الغذائي من اليمن إلى السعودية.
وتفصل الفاو كذلك تفاصيل نشر منصة المراقبة الزراعية (AMP) في السودان، والتي تجمع البيانات حول الفيضانات والمناخ والنزاعات لتحديد المناطق عالية الخطورة. وبدمج التحليلات التنبؤية لهطول الأمطار والعجز في الغطاء النباتي، تمكن المنصة صناع القرار من تحديد التدخلات الزراعية والإنسانية في بلد يصعب فيه العمل الميداني.
الفجوة الرقمية: عقبة أمام التنفيذ
على الرغم من الإمكانات الكبيرة للحلول الرقمية، فإن تطبيقها على نطاق واسع ما زال يواجه تحديات كبيرة. وتتمثل العقبة الرئيسية في الفجوة الرقمية، التي تبقي 2.6 مليار شخص حول العالم بلا اتصال بالإنترنت.
وفي المناطق الريفية في الدول العربية، تعيق محدودية الوصول إلى البنية التحتية الرقمية والأجهزة والكهرباء انتشار نظم الإنذار المبكر وإدارة المخاطر. ولكي تصل هذه الأدوات إلى المزارعين ذوي الإمكانيات المحدودة، يجب استثمار مبالغ كبيرة في البنية التحتية وبناء القدرات الرقمية.
ولا يعتمد نجاح الحلول الرقمية على التكنولوجيا نفسها فقط، بل على تكاملها مع بيئة سياسية ومؤسسية داعمة. وهذا يتطلب التحول من نهج الاستجابة للطوارئ إلى نهج استباقي، مع حوكمة قوية للبيانات ولوائح واضحة، إضافة إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص لضمان تكافؤ فرص الوصول إلى الابتكارات. كما يؤكد تقرير الفاو ضرورة وضع المزارعين في صميم تصميم الحلول عبر نهج التصميم المتمحور حول الإنسان (HCD)، لضمان ملاءمة الأدوات وسهولة استخدامها. فعلى سبيل المثال، يجب أن يقترن استخدام الطائرات بدون طيار في الرصد وتقييم الأضرار – كما في ليبيا وإثيوبيا – بتدريب محلي يضمن ملكية المجتمع للحلول.
خلاصة
يُظهر التقرير أن الحلول الرقمية تمثل سبيلًا واعدًا لتعزيز الصمود في وجه التغير المناخي والكوارث الطبيعية. وحتى يتحقق هذا التحول، لا بد من الاستثمار في سد الفجوة الرقمية، وتعزيز العمل الاستباقي، وتبني نهج تصميمي يضع الإنسان في قلب العملية، لضمان أن تخدم التكنولوجيا المجتمعات الأكثر ضعفًا. ويجب على الحكومات العربية والمجتمع الدولي إدراك أن الاستثمار في المرونة الزراعية ليس تكلفة، بل أساس للتنمية المستدامة والسلام والازدهار للأجيال القادمة.
.
المراجع
– FAO. 2025. The Impact of Disasters on Agriculture and Food Security 2025
Digital solutions for reducing risks and impacts. Rome. https://doi.org/10.4060/cd7185en
– Disasters cost global agriculture $3.26 trillion over three decades, FAO report reveals
تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com
حماية موارد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تغيّر المناخ