مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

من منطق الأرقام إلى رحابة الحضارة

مناطق التماس .. حيث يُولد الإبداع

لماذا تلتقي العلوم عند حدودها لا في مراكزها؟
الكاتب

منظمة المجتمع العلمي العربي

الوقت

12:17 مساءً

تاريخ النشر

13, أبريل 2026

.

◀ المقال 3 من 5

حين يعمل عالمٌ في تخصصه المنغلق، يرى العالم من زاوية واحدة، مهما اتسعت معرفته في ذلك التخصص. أما حين تلتقي تخصصات مختلفة عند حدودها المشتركة، فإنّ ما يظهر يتجاوز ما يمكن لأي تخصص منفرد أن يراه‏.

هذه هي فكرة “مناطق التماس” التي يطرحها الدكتور محمد الخمسي: أن الإبداع الحقيقي لا يتولد في مركز التخصص، بل عند حدوده، حيث يلتقي بتخصصات أخرى، يحتك بها ويتغذى منها‏.

“التحديات الكبرى تقع في مناطق التماس.. حيث تلتقي العلوم ولا تنعزل”

أولاً: ما هي مناطق التماس؟

مناطق التماس هي الفضاءات المعرفيّة التي تقع بين تخصصين أو أكثر، حيث تتقاطع الأسئلة والأدوات والمناهج. وهي لا تمثل تنافساً بين التخصصات، ولا ذوبان أحدها في الآخر، بل هي تلاقحًا معرفيًّا يُثريها جميعًا، ويفتح آفاقاً لا يبلغها أي تخصص بمفردة.

ويمكن تمييز هذا التداخل على ثلاثة مستويات‏:

‏◀ بين العلوم الطبيعية ذاتها: كالفيزياء وعلوم الحياة والجيولوجيا، فعلم الفيزياء الحيوية نشأ من تماس الفيزياء بعلم الأحياء، كما نشأ علم المناخ من تداخل الجيولوجيا والكيمياء والفيزياء والفلك والجغرافيا معاً‏.
بين العلوم الطبيعية والهندسية والعلوم الإنسانية: فأزمة المياه لا تُحلّ بهندسة السدود وحدها دون إدراك أبعادها الاجتماعية والسياسية والبيئية، وكذلك أزمة الطاقة، لا تُعالج بالمعالجات التقنية وحدها، دون فهم السلوك البشري وأنماط الاستهلاك‏.
بين التخصصات الاجتماعية والإنسانية: كالقانون والسياسة وعلم الاجتماع؛ فالقانون الذي ينفصل عن سياقه الاجتماعي والثقافي يُنتج نصوصاً معطّلة، والسياسة التي تتجاهل علم الاجتماع تُفضي إلى قرارات بلا جذور.

في جميع هذه المستويات، لا يظهر الإبداع الحقيقي إلا حين تُكسر الحواجز بين التخصصات، وتُفتح مساحات للحوار والتفاعل بينها‏.

في أرسكو، نرى أن كثيراً من معضلات مجتمعاتنا العلميّة نتج عن عزل التخصصات بعضها عن بعض؛ فنتج عن ذلك متخصصون بارعون في مجالاتهم الضيقة، لكنهم يفتقرون إلى الرؤية الشاملة التي لا تتشكّل إلا في مناطق التماس‏.

ثانياً: لماذا نعزل التخصصات؟

يُشير الدكتور الخمسي إلى أن العزلة بين التخصصات تُفضي إلى «فقر فكري»، وهو توصيف دقيق لحالة العقل حين يقتصر على مصدر واحد للمعرفة‏. ويرتبط هذا الفقر بأسباب بنيوية في أنظمتنا التعليمية: جامعات مُصمّمة كجزر منفصلة، ومناهج تُقدّم التخصص بوصفه هويّة مغلقة، وأنظمة تقييم تكافئ العمق الضيق وتُهمل الاتساع المعرفيّ‏.

والنتيجة هي إنتاج عقول تقنيّة متميّزة في مجالاتها، لكنها حين تُواجه قضايا مركّبة، كإدارة المؤسسات أو صياغة السياسات العامة، أو معالجة الأزمات المجتمعية، تجد نفسها غير مهيأة؛ لأن هذه القضايا تقع بطبيعتها في مناطق التماس، لا في مراكز التخصصات‏.

ويؤكد الدكتور الخمسي: «لا يمكن إدارة مؤسسات الدولة بعقول تقنية فقط؛ فالقضايا الكبرى أعمق من أن تُختزل في أدوات تقنيّة». وقد أدركنا ذلك متأخرين، حين تبيّن أن معاركنا الحضارية الكبرى، في القيم والهويّة والتنظيم الاجتماعيّ، تُدار في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية التي طال إهمالها‏. لذلك، فإنّ الاستثمار في هذه العلوم ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة حضاريّة. كما أن بناء جسور حقيقية بين التخصصات شرط أساسيّ لإنتاج حلول مستدامة تحتاجها مجتمعاتنا‏.

ثالثاً: كيف نُفعّل مناطق التماس؟

تفعيل مناطق التماس يتجاوز مجرد الدعوة إلى التعاون، ويتطلب إجراءات عمليّة على مستويات متعددة‏.

أ- الاستعداد النفسي للتكامل

الخطوة الأولى داخلية قبل أن تكون مؤسسية: أن يدرك كل متخصص نسبية معرفته، وأن يعترف بحدود رؤيته. فالحلول في المجتمعات المعقّدة تقوم على تفاعل طاقات متعددة: من مهندسين وأطباء وعلماء اجتماع وإعلاميين وفلاسفة‏. وهذا يستلزم الانتقال من «ثقافة الانتصار في الحوار» إلى ثقافة «الفهم عبر الحوار» من خلال «ثقافة الإنصات للآخر» حيث يكون الهدف هو الوصول إلى رؤية أعمق، لا تحقيق الغلبة.

ب- كسر الأسوار في البيئات التعليمية

تُظهر التجارب التعليمية الناجحة أن التفاعل المبكر بين طلاب تخصصات مختلفة يسهم في بناء عقول مرنة قادرة على الحوار والتكامل. فالأنشطة المشتركة، والندوات متعددة التخصصات، والمشاريع البحثية التعاونية، كلها أدوات فعّالة لتعزيز هذا التلاقي.

وينطبق ذلك أيضاً على بيئات العمل؛ فالفِرق متعددة التخصصات، رغم ما قد يبدو فيها من تعقيد، تنتج حلولاً أكثر عمقاً واستدامة من الفِرق المتجانسة.

ج- بناء أُطر مشتركة للعمل التكامليّ

قد تتحول مناطق التماس إلى مناطق صراع إذا غابت القواعد المنظِّمة. لذلك، فإن من الضروري تطوير أُطر نظرية وعملية، «قواعد توليفية»، تتيح للتخصصات المختلفة العمل معاً دون هيمنة أحدها. وهذا ما تحققه المراكز البحثية متعددة التخصصات حين تنجح: إذ تبني لغة مشتركة، وتحدد الأدوار بوضوح، وتنتج معرفة مُركّبة لا يمكن لتخصص واحد أن ينتجها.

د- تبني الرؤية الحضارية

يتطلب تفعيل مناطق التماس تحولاً في الرؤية قبل البُنية. فالتكامل الحقيقي لا يتحقق ضمن أُطر زمنيّة قصيرة أو أهداف مرحليّة، بل يحتاج إلى تصوّر حضاريّ ممتدّ.

ومن هنا، فإن قضايا مثل المياه والتعليم والخروج من التخلّف يجب أن تُفهم بوصفها تحديات حضاريّة طويلة الأمد تتطلب تراكم الجهود لعشرات السنين، لا أزمات عابرة تُعالج بحلول مؤقتة. هذه الرؤية هي التي تهيئ البيئة الحقيقية لنمو مناطق التماس: حين يعمل الجميع ضمن أفق زمني يتجاوز الحاضر إلى الأجيال القادمة.

والغاية النهائية من تفعيل هذه المناطق هي الانتظام في «نسق» متكامل، تُجمع فيه الطاقات الفكريّة والعمليّة ضمن بنية واحدة، بدلاً من بقائها جهوداً متفرقة سرعان ما تخبو في عدم وجود البيئة الحاضنة. وحين يتحقق هذا النسق، تتحول مناطق التماس من «فجوات» تعطل مسيرة المجتمع إلى «فضاءات إبداع» تُنتج الحلول الحقيقية للقضايا المجتمعات والدول.

في أرسكو، نعدّ بناء هذه الفضاءات التوليفيّة من أولويات العمل العلمي العربي في هذه المرحلة. ليس لأنها مطلوبة أكاديمياً فحسب — بل لأن التحديات التي تواجه مجتمعاتنا، من أزمات المياه والتعليم والصحة إلى التحولات التقنية الكبرى، هي بطبيعتها تحديات تقع في مناطق التماس وتتجاوز حدود التخصصات المنفردة.

.

دعوة عملية

نطرح على كل عضو في مجتمعنا العلمي سؤالاً واحداً يحمله معه‏:

ما السؤال الذي يجب أن تطرحه في مجالك اليوم — ولم تطرحه بعد؟

ليس السؤال السهل الذي تعرف جوابه. ولا السؤال الذي طرحه غيرك فأجبت عنه. بل السؤال الذي تشعر أن الإجابة عنه ستغيّر اتجاه عملك — لكنك لم تجد الوقت أو الجرأة لطرحه بعد‏.

هذا هو السؤال الذي تحتاجه مجتمعاتنا العلمية اليوم‏.

───────────────

المقال الأول: الرياضيات ممرُّ الملوك
المقال الثاني: مجتمعات الأجوبة ومجتمعات الأسئلة

المقال القادم: كيف نتحول من مستهلكين للتقنية إلى شركاء في إنتاجها؟

───────────────

مصدر هذهِ السلسلة: مستوحى من بودكاست مجتمع Mujtama
حوار مع الدكتور محمد الخمسي ‏| youtu.be/hA5Q9cgzUvo‏

.

تواصل مع الكاتب: info@arsco.org

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons