مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

روبوتات الشم الذكية

آفاق جديدة للتفاعل الحسي
الكاتب

عائشة جلال الأصفر

ماجستير كيمياء فيزيائية ، كاتبة وباحثة

الوقت

03:29 صباحًا

تاريخ النشر

08, أبريل 2026

.

في عالمٍ متسارع، تستعدّ الروبوتات المزودة بحاسة الشم لاستكشاف معجزة التكنولوجيا الحديثة. تحاكي هذه الروبوتات، بإتقانٍ مُبهر، حساسية حاسة الشم لدى الإنسان، وتستنشق بصمتٍ العالم المحيط بها. تمنحها التقنيات الحيوية البارعة القدرة على التمييز بين الروائح المُحمّلة بالحياة، كالأزهار النضرة والفاكهة الناضجة، وبين الروائح الخطرة التي تكشف عن وجود مخاطر ضارة.

هذه التكنولوجيا الثورية ترسم مستقبلًا مشرقًا للبشرية، فتطبيقاتها الواسعة تتراوح بين الاستخدامات الصناعية المتنوعة والطبية الحيوية. تُستخدم في الصناعة لاكتشاف المواد الكيميائية الضارة وتحسين سلامة البيئة، وفي المجال الطبي تقدّم خدمات التشخيص المبكر للأمراض والمساعدة في رصد الحالات الصحية.

نشأت فكرة استخدام الروبوتات لمحاكاة حاسة الشم لدى الإنسان في العقود الأخيرة، حيث بدأ الاهتمام بهذا المجال يتزايد تدريجيًا. وقد أُجريت عدة دراسات وبحوث في جامعات ومعاهد بحثية توضّح تطوره. ومع ذلك، يجدر ذكر حادثة وقعت في إحدى مدن اليابان، حينما تلقت شركة الغاز عام 2007 مكالمة هاتفية تفيد بوجود تسريب غاز في أحد المنازل، مما أدى إلى وقوع عدد من الضحايا. وفي وقت لاحق، حدثت المشكلة نفسها في مكان آخر في المدينة، رغم تركيب جهاز إنذار ووصول الشركة مزودة بجهاز للكشف عن تسرب الغاز. فأين تكمن المشكلة إذن؟

إن جهاز الإنذار يصعب عليه الاستجابة لتسرب الغاز في أماكن بعيدة عن موقعه، مما يستلزم تركيب أجهزة إنذار في كل منطقة، وهو أمر غير عملي. إضافة إلى ذلك، فإنه لا يستطيع تحديد موقع التسرب. لذلك لجأ الإنسان إلى استخدام جهاز كاشف الغازات، وهو جهاز محمول يمكن استخدامه للكشف عن أي تسرب محتمل. لكن ظهرت مشكلة أخرى، وهي الخطر الذي قد يهدد الإنسان أثناء محاولته العثور على التسرب، فضلًا عن محدودية قدرة البشر على تمييز الروائح مقارنة بالحيوانات التي تستطيع تتبع الروائح ومعرفة مصادرها، مثل حشرة العث، حيث يتمتع ذكور العث بنظام شمي حساس للغاية للفيرمونات المنبعثة من الإناث، والتي تنتقل في البيئة عبر الاضطرابات الجوية.

ومن هنا نشأت فكرة المحاكاة الحيوية لحاسة الشم، وابتكار روبوتات تحل محل أجهزة الإنذار وكواشف تسرب الغاز، إذ تقوم هذه المحاكاة على فرضية أن سلوك الحيوان يمثل دليلًا على وجود حلول للمشكلات التي يواجهها البشر.

تُستخدم المحاكاة الحيوية لحاسة الشم في الروبوتات في العديد من التطبيقات، حيث يمكن للروبوتات المزودة بهذه الحاسة اكتشاف المواد الكيميائية الخطرة في البيئة المحيطة، مما يساعد على التحذير من المخاطر والحفاظ على السلامة في البيئات الخطرة مثل المصانع والمواقع الصناعية.

كما تُستخدم في الرصد البيئي لمتابعة جودة الهواء والمياه والتربة، مما يسهم في تحديد مصادر التلوث وتقييم تأثيرها على البيئة والصحة العامة. وفي المجال الطبي، يمكن توظيفها في التشخيص المبكر للأمراض من خلال الكشف عن الروائح الكيميائية المرتبطة بها، مثل السرطان وأمراض الجهاز التنفسي، حيث إن التشخيص المبكر والعلاج الفوري لسرطان الرئة يزيد من معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات من 14% إلى 48%.

كذلك تُستخدم في البحوث الطبية لدراسة تأثير الروائح على الجهاز العصبي، وفي التطبيقات الصناعية لفحص جودة المنتجات واكتشاف العيوب المحتملة، إضافة إلى دورها في الزراعة الذكية، حيث تساعد في التعرف على الروائح المرتبطة بأمراض النباتات والمحاصيل، مما يتيح الكشف المبكر واتخاذ الإجراءات المناسبة.

في سباق ثورة التكنولوجيا، تتجه الروبوتات نحو اكتساب حواس مشابهة لتلك التي تميز الإنسان. ومن بين هذه الحواس، تبرز حاسة الشم الذكية كمكوّن رئيسي يعزّز تفاعل الآلات مع العالم المحيط. إن تطور التكنولوجيا الحسية للروبوتات، والتركيز على تجسيد حاسة الشم لديها، يعكس نهجًا مبتكرًا وطموحًا في تحسين التفاعل بين البشر والآلات.

وبوصفها حاسة تفاعلية رئيسية للإنسان، تمتلك حاسة الشم القدرة على تمييز مجموعة متنوعة من الروائح والعطور التي تحمل معاني وذكريات متعددة. ومع ذلك، فإن محاكاة هذه الحاسة تمثل تحديًا كبيرًا للباحثين والمهندسين، نظرًا لما تتطلبه من تقنيات تحليل معقدة والتعامل مع مركبات كيميائية مختلفة. ورغم ذلك، فقد أحرزت التكنولوجيا الحسية للروبوتات تقدمًا ملحوظًا في هذا المجال، إلا أن هناك عددًا من التحديات التي ما تزال تواجه مصممي روبوتات الشم الذكية.

من أبرز هذه التحديات صعوبة تحقيق دقة عالية في تمييز الروائح المختلفة، مما يتطلب تطوير مستشعرات أكثر حساسية وكفاءة. كما أن معالجة البيانات الكيميائية المستشعرة تُعد عملية معقدة تحتاج إلى تقنيات متقدمة لتحليل الروائح بسرعة ودقة. إضافة إلى ذلك، يعتمد تطور هذه الروبوتات على قدرتها على التعلم من البيئة وتحسين أدائها مع مرور الوقت، وهو ما يستدعي تطوير تقنيات تعلم آلي أكثر فاعلية. كما يجب أن تكون هذه التكنولوجيا قابلة للتطبيق في بيئات متنوعة، بما في ذلك البيئات القاسية والقطاعات الصناعية المختلفة.

أما مستقبل استخدام تقنية الشم في الروبوتات، فمن المتوقع أن يشهد توسعًا كبيرًا في التطبيقات الصناعية والطبية، مثل التشخيص المبكر لأمراض أكثر تعقيدًا، ورصد الصحة البيئية بشكل أدق. كما سيسهم تطوير تقنيات التعلم الآلي في تحسين أداء هذه الروبوتات وتعزيز قدرتها على التكيف مع المهام الجديدة والمتغيرات البيئية. وقد يصبح استخدام الروبوتات المزودة بحاسة الشم جزءًا من الحياة اليومية، خاصة في مجالات مثل الرعاية الصحية والاستخدامات المنزلية. كذلك ستسهم التطورات في المواد والمستشعرات في رفع كفاءة هذه التكنولوجيا وتحسين أدائها.

وختامًا، فإن استخدام تكنولوجيا حاسة الشم الذكية يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق تكامل أعمق بين الروبوتات والبيئة المحيطة بها. ومع استمرار تطور التكنولوجيا الحسية، فإن المستقبل يحمل إمكانيات واعدة لتوسيع حدود التفاعل بين الإنسان وهذه الأنظمة الذكية، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وإحداث تأثير إيجابي في مختلف المجالات.

.

المراجع:

[1] Wilson, A. D., & Baietto, M. (2011). Advances in electronic-nose technologies developed for biomedical applications. Sensors, 11(1), 1105-1176.‏
[2] Bar-Cohen, Y. (2006). Biomimetics—using nature to inspire human innovation. Bioinspiration & biomimetics, 1(1), P1.‏
[3] Pyk, P., Bermúdez i Badia, S., Bernardet, U., Knüsel, P., Carlsson, M., Gu, J., … & J. Verschure, P. F. (2006). An artificial moth: Chemical source localization using a robot based neuronal model of moth optomotor anemotactic search. Autonomous Robots, 20, 197-213.‏
[4] Ishida, H., Wada, Y., & Matsukura, H. (2012). Chemical sensing in robotic applications: A review. IEEE Sensors Journal, 12(11), 3163-3173.‏
[5] Kim, C., Lee, K. K., Kang, M. S., Shin, D. M., Oh, J. W., Lee, C. S., & Han, D. W. (2022). Artificial olfactory sensor technology that mimics the olfactory mechanism: A comprehensive review. Biomaterials Research, 26(1), 1-13.‏
[6] Grasso, F. W., Consi, T. R., Mountain, D. C., & Atema, J. (2000). Biomimetic robot lobster performs chemo-orientation in turbulence using a pair of spatially separated sensors: Progress and challenges. Robotics and autonomous systems, 30(1-2), 115-131.‏

.

تواصل مع الكاتب: Aisha3jalal@yahoo.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons