مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

أنظمة تحلية المياه اللامركزية بالطاقة المتجددة

حلول واعدة في مواجهة أزمة المياه العالمية
الكاتب

الصغير محمد الغربي

صحفي علمي

الوقت

03:04 مساءً

تاريخ النشر

07, أبريل 2026

.

أصبحت موارد المياه غير التقليدية أكثر أهمية من أي وقت مضى كعناصر رئيسية في مزيج إمدادات المياه العالمية. وفي ظل حالة الطوارئ المناخية وتضاؤل موارد المياه، برز اهتمام متزايد من الباحثين بأنظمة تحلية المياه اللامركزية التي تعمل بالطاقة المتجددة بوصفها حلًا تقنيًا بالغ الأهمية يمكن أن يؤمن إمدادات المياه في المناطق القاحلة والمعزولة. وقد أظهر تحليل ببليومتري غير مسبوق، نُشر في دورية “Water” العلمية، لأكثر من 800 ورقة علمية نُشرت على مدى ربع القرن الأخير، تسارعًا ملحوظًا في الإنتاج العلمي العالمي خلال العقد الأخير.

كما كشف عن تحول جذري في المشهد البحثي يتسم بصعود الصين وتزايد مشاركة الدول العربية التي تواجه شحًا مائيًا مزمنًا، وظهور آفاق تكنولوجية جديدة كالذكاء الاصطناعي وإدارة المحلول الملحي يمكن أن تساعد في التخفيف من حدة هذه الأزمة.

تمثل أزمة المياه العالمية أحد أكثر التحديات إلحاحًا في القرن الحادي والعشرين، ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة العالمي لتنمية المياه، يعيش أكثر من 2.3 مليار شخص بالفعل في بلدان تعاني من شح المياه، وهو رقم قد يتضاعف أربع مرات بحلول عام 2050 في غياب استراتيجيات مستدامة وفعّالة. وفي هذا السياق الحرج، برزت تقنيات تحلية المياه لتقدم بديلًا تقنيًا واعدًا للمناطق الساحلية والمجتمعات المعزولة. وقد أفادت الرابطة الدولية لتحلية المياه أنه في عام 2021، اعتمد أكثر من 300 مليون شخص حول العالم جزئيًا أو كليًا على المياه المحلاة بطاقة تشغيلية إجمالية تتجاوز 95 مليون متر مكعب يوميًا.

تحليل ببليومتري يكشف عن اتجاهات ناشئة ومساهمات متزايدة من الدول العربية في أبحاث تحلية المياه المستدامة

بحسب الدراسة، فإن طرق التحلية التقليدية، بما فيها التناضح العكسي والتقطير الومضي متعدد المراحل والتقطير متعدد التأثيرات، تتسم باستهلاكها الكبير للطاقة وتأثيرها البيئي البالغ. وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن قطاع التحلية يستهلك حاليًا ما يقارب 75 تيراواط/ساعة سنويًا (ما يعادل استهلاك دولة مثل بلجيكا)، مما ينتج عنه انبعاث أكثر من 76 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، ويُظهر الحاجة الملحة للتحول إلى بدائل أكثر استدامة.

وهذا التحدي البيئي والطاقي تحديدًا هو ما يدفع إلى تطوير أنظمة التحلية اللامركزية التي تعمل بالطاقة المتجددة. هذه الأنظمة تجمع بين مصادر الطاقة المتجددة لتشغيل وحدات تحلية صغيرة إلى متوسطة السعة غير مرتبطة بالشبكات المركزية، مع خفض انبعاثات الكربون بشكل ملحوظ.

الإنتاج العلمي لتحلية المياه بالطاقة المتجددة (2000-2025) (المصدر: دراسة المراجعة)

 

مساهمة عربية بارزة في البحث العلمي حول أنظمة التحلية اللامركزية

تُظهر الدراسة تطورًا متزايدًا في إنتاج الأوراق العلمية حول أنظمة التحلية اللامركزية، فمن 4 منشورات فقط في عام 2000، بلغ الإنتاج السنوي العالمي ذروته في عام 2024 عند 142 منشورًا. ويكشف التحليل الجغرافي للإنتاج العلمي عن ريادة صينية لا جدال فيها، حيث بلغ عدد منشوراتها 1,370 منشورًا، ما يمثل حوالي 21.4% من الإنتاج العالمي. ومع ذلك، تكمن أصالة هذه الدراسة في تسليط الضوء على الدور المتنامي للدول العربية في مجال أبحاث التحلية المستدامة. فهذه الدول، التي تواجه تحديات شح المياه بشكل مباشر وتستفيد من وفرة أشعة الشمس، تستثمر بكثافة في أبحاث التحلية المستدامة.

تتبوأ مصر مكانة رائدة إقليميًا بإنتاج 76 ورقة علمية حول أنظمة تحلية المياه اللامركزية، ما يعكس حضورًا مؤسسيًا قويًا مدعومًا بجامعات مرموقة كجامعة طنطا وجامعة قناة السويس والأكاديمية العربية للعلوم. ويعكس مؤشر هيرش (h-index) لمصر، البالغ 28، جودة إنتاجها العلمي العالية الذي يُستشهد به بانتظام في الأدبيات الدولية.

وتحتل المملكة العربية السعودية موقعًا هامًا في إنتاج الأوراق العلمية، حيث نشر باحثوها 85 ورقة، مع نسبة تعاون دولي متميزة تبلغ 55.3%. ويتجلى هذا الانفتاح الدولي بشكل خاص في أداء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية وجامعة الأمير سلطان بن عبد العزيز، اللتين تتميزان بنسب مشاركة دولية تبلغ 71% و96% على التوالي. وبذلك، ترسخ المملكة مكانتها كمركز إقليمي للتعاون العلمي، يربط الباحثين العرب بالشبكات العالمية.

الناتج العلمي حسب البلد في أبحاث تحلية المياه اللامركزية التي تعمل بالطاقة المتجددة (2000-2025)

على الرغم من حجم منشوراتها المتواضع نسبيًا (37 ورقة علمية)، تتميز دولة الإمارات العربية المتحدة بأعلى معدل تأثير لكل مقال في المنطقة، بمتوسط 61.70 استشهادًا لكل منشور. ويُعزى هذا الأداء الاستثنائي إلى مشاركتها في مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق، ولا سيما محطة حسنيان لتحلية المياه في دبي، التي تزوّد مليوني نسمة بكفاءة طاقة تبلغ 2.9 كيلوواط/م³.

أما الأردن (31 ورقة)، فيقدّم نموذجًا فريدًا؛ إذ يدمج مشروع العقبة-عمان لتحلية ونقل المياه (4 مليارات يورو) أنظمة تحلية المياه بالطاقة الشمسية في السياسات الوطنية. ويُعدّ المغرب، الذي أنتج 25 ورقة علمية، مثالًا يُحتذى به في هذا المجال، فبعد أن كان تقليديًا على هامش أبحاث تحلية المياه، انضمت المملكة إلى قائمة الدول الـ 25 الأكثر إنتاجية بفضل استراتيجية وطنية طموحة. وتهدف كل من الخطة الوطنية المتكاملة لإدارة موارد المياه والاستراتيجية الوطنية للطاقة المتجددة إلى تحقيق نسبة 52% من قدرة توليد الكهرباء من مصادر متجددة، مع استثمارات ضخمة في مجمع نور للطاقة الشمسية. تُكمل الجزائر وتونس المشهد الإقليمي بإنتاجهما 26 و22 منشورًا على التوالي.

آفاق تكنولوجية جديدة في مجال أنظمة التحلية المستدامة

يكشف التحليل الموضوعي المعمق عن ظهور آفاق بحثية جديدة ستُشكّل مستقبل تحلية المياه اللامركزية. وتكتسب الأنظمة الهجينة التي تجمع بين الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح والكتلة الحيوية أهمية متزايدة، مع تطبيقات عملية في الشبكات الصغيرة المستقلة. ويمثل دمج الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي طفرة تكنولوجية هامة. وعلى الرغم من أن الدراسات التي تُوظّف خوارزميات التحسين والتوائم الرقمية والتحكم التنبؤي لا تُمثل سوى أقل من 2% من البيانات المُحللة، إلا أنها تُظهر نتائج واعدة. وقد نجحت دراسة استخدمت شبكة Q العميقة لتحسين أداء مُقطّر شمسي مُساعد بالسوائل النانوية في خفض تكلفة اللتر الواحد بنحو 8% وزيادة الإنتاج السنوي للمياه العذبة بنسبة 25%.

وتُعدّ إدارة المحلول الملحي ضرورة بيئية ملحة لم تحظَ بالدراسة الكافية. لا تتناول هذه المسألة سوى أقل من 1.5% من المقالات في هذه المجموعة، في حين يتجاوز الإنتاج العالمي من المحلول الملحي حجم المياه العذبة المنتجة بنسبة 50%. ولا تزال تقنيات تصريف السوائل الصفرية، وأجهزة التبلور، وأنظمة استخلاص المعادن، نظرية في المقام الأول. وبالنسبة لأنظمة معالجة المياه الجوفية المُخصصة للمجتمعات المعزولة، ويمثل تطوير وحدات إدارة المحلول الملحي المدمجة أمرًا بالغ الأهمية لضمان استدامتها على المدى الطويل.ش

.

المراجع:

Climate change risks and resilience strategies for desalination plants in the Gulf region

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

كيف سيؤثر تغير المناخ على محطات تحلية المياه في الخليج؟

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons