.
◀ المقال 1 من 5
حين يسأل أحدهم طفلاً: «ماذا تحبُّ من المواد الدراسية؟» نادراً ما تكون الإجابة «الرياضيات». وحين يكبر ذلك الطفل ويصبح باحثاً أو مهندساً أو طبيباً، كثيراً ما يتذكر الرياضيات بوصفها عقبةً تجاوزها لا جسراً عبَر به.
هذا التصوّر بالذات هو ما يستدعي إعادة النظر. فالرياضيات “في جوهرها” ليست تلك المعادلات الجافة التي تُحفظ للامتحانات. إنها طريقة في التفكير، وأداة لفهم الكون، وفضاء للتأمل الفلسفي الذي لا يتوقف عند حدود الأرقام.
“الرياضيات ممرُّ الملوك” .. تؤهّل العقل لدخول أي فرع معرفي، وتفتح له أبواباً لا يرى غيره وجودها.
أولاً: الرياضيات والفلسفة “علاقة تغذية راجعة”
ثمة علاقة تغذية راجعة عميقة بين الرياضيات والفلسفة، تمتد منذ فجر التفكير الإنساني. الفلسفة تطرح الأسئلة الكبرى .. ما الحقيقة؟ هل للكون نهاية؟ ما الفرق بين الممكن والضروري؟ والرياضيات تُنضج هذه الأسئلة وتبني عليها بنياناً صارماً. ثم تعود الرياضيات بدورها لتُولّد حقائق جديدة تطرح على الفلسفة أسئلة لم تخطر لها من قبل.
مفاهيم مثل «النهائي واللانهائي»، و«المتصل والمنفصل»، و«الممكن والمستحيل» ليست ترفاً فلسفياً، إنها أسس رياضية يبني عليها العلم الحديث صروحه. وحين يُدرَّس الحساب دون هذا البُعد التأملي، نُنتج تقنيين يحسبون بلا أن يفكّروا، ومهندسين يبنون بلا أن يتساءلوا.
المجتمع العلمي العربي يحتاج اليوم إلى أن يُعيد اكتشاف هذه العلاقة، لا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها ضرورة حضارية. فالباحث الذي لا يتساءل فلسفياً عن أدواته، هو باحث يستخدم آلة لا يفهمها.
يقول الدكتور الخمسي بوضوح: «كلما افتقرت الفلسفة في مجتمع ما، كلما أصبحت الرياضيات مجرد تقنيات وليست تأملاً وليست تفكيراً». وهذا بالضبط ما يحدث حين نُقطع العلاقة بين الطرفين في مناهجنا التعليمية.
ثانياً: الكون مُهندَس رياضياً أم نحن من يخترع القوانين؟
هل الرياضيات اختراع بشري أم اكتشاف لحقائق كامنة في الوجود؟ هذا السؤال “رغم أنه يبدو ترفاً فلسفياً” له تداعيات عملية عميقة على طريقة تعاملنا مع العلم والمعرفة.
يرجّح الدكتور الخمسي الرأي القائل بأن الكون مُهندَس رياضياً — أي أن القوانين الرياضية موجودة باستقلالية عن عقل الإنسان، يسير عليها الكون كما خلقه الله سبحانه، وأن العقل البشري يكتشفها ولا يخترعها. ويحدث ذلك عندما تتوافر الظروف لهذا الاكتشاف.
ويقول الدكتور الخمسي: «قانون نيوتن في الجاذبية لو لم يصل إليه نيوتن لوصله غيره» — وهذا يدل على أن هذه القوانين موجودة تنتظر من يكتشفها، لا من يخترعها.
كما أنّ ما بدا خيالاً رياضياً بالأمس أصبح ضرورة علمية اليوم. فمثلا، الأعداد العقدية التي اعتُبرت يوماً «طرفاً» لا معنى له — كيف يكون لعدد مربعه يساوي سالب واحد؟ — أصبحت أساساً لا غنى عنه في الفيزياء الكمية ومعادلات ماكسويل والنسبية.
الدرس الحضاري هنا عميق: لا نحكم على فكرة بمعايير زماننا وحسب — فكثير مما يبدو اليوم ترفاً نظرياً قد يكون أداة الغد الأكثر إلحاحاً.
الباحث الذي يتعلم الرياضيات كأداة فحسب، يشبه من يتعلم اللغة لحفظ القاموس لا للتفكير بها
ثالثاً: ماذا نعني حين نقول «تعليم الرياضيات»؟
المشكلة ليست في الرياضيات، المشكلة في طريقة تعليمها. حين تُختزل في خوارزميات وإجراءات تُحفظ للاختبار، نكون قد سلبنا الطالب الشيء الأثمن: القدرة على التساؤل.
التعليم الذي يُنتج مجتمعاً علمياً حقيقياً هو الذي يُعلّم الرياضيات كفضاء للتأمل، الذي يدفع الطالب إلى أن يتوقف عند مسألة ويسأل: «لماذا؟» لا «كيف؟» فحسب. «لماذا» هي السؤال الفلسفي الذي يفتح الأبواب، أما «كيف» فهي أداة تستخدم بعد أن تُفتح.
وهنا يكمن دور المجتمع العلمي العربي “ممثَّلاً في مؤسساته وباحثيه ومعلميه” في أن يكون رائداً لتحويل ثقافة التعليم من «الحفظ والتطبيق» إلى «التساؤل والاستكشاف».
دعوة إلى التأمل والتطبيق
نطرح على كل عضو في مجتمعنا العلمي “أكاديمياً كان أم طالباً أم معلماً أم باحثاً” ثلاثة أسئلة للتأمل:
– هل تُعلّم في مجالك الحسابَ والإجراءات فحسب، أم تُعلّم التساؤل وراءها؟
– حين تصطدم بفكرة جديدة في تخصصك، هل أول سؤالك «ما فائدتها العملية؟» أم «لماذا هي كذلك؟»
– هل في مؤسستك أو برنامجك التعليمي فضاء حقيقي للتساؤل الحر — أم أن كل شيء موجّه نحو الإجابات الجاهزة؟
التغيير الحضاري لا يبدأ بقرارات سياسية كبرى، يبدأ حين يقرر كل واحد منا أن يُعيد النظر في طريقة تفكيره وتعليمه وبحثه. وهذا بالضبط ما تسعى إليه أرسكو: بناء مجتمع علمي عربي يسأل قبل أن يُجيب، ويتأمل قبل أن يُطبّق.
───────────────
المقال القادم: مجتمعات الأجوبة ومجتمعات الأسئلة
لماذا نمتلك كل الأجوبة ولا ننتج أسئلة؟
───────────────
مصدر هذهِ السلسلة: مستوحى من بودكاست مجتمع Mujtama
حوار مع الدكتور محمد الخمسي | youtu.be/hA5Q9cgzUvo
.
تواصل مع الكاتب: info@arsco.org