.
تواجه النظم الزراعية في جميع أنحاء العالم تحديات متزايدة ناجمة عن استنزاف الموارد المتاحة للإنتاج، وأحداث الطقس المتطرف الناتجة عن التغيرات المناخية، وتزايد انعدام الأمن الغذائي، مما يستلزم حلولاً مبتكرة تُوازن بين الإنتاجية والاستدامة.
إن الحاجة المتزايدة إلى نظام غذائي مُستدام تستدعي التحول من النموذج الخطي التقليدي إلى نموذج اقتصاد دائري. يركز هذا النهج على إغلاق الحلقة داخل النظام الغذائي من خلال تعزيز الممارسات الزراعية المتجددة، والحد من توليد نفايات الطعام والخسائر عبر سلسلة التوريد، وتشجيع الاستفادة من المخلفات والمنتجات الثانوية.
يعمل برنامج أنظمة الغذاء التابع لـ”الاقتصاد الدائري” على بناء أنظمة غذائية دائرية متجددة وعادلة ومرنة. ومما لا شك فيه أن الأغذية المُنتجة والتي لا يتم استهلاكها لأسباب عدة تُنتج ما يصل إلى 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية. ويُقدّم الاقتصاد الدائري حلاً للحدّ من هدر الطعام وتلوثه، مع تخفيف الضغط الذي تُشكّله أساليب الزراعة التقليدية (الخطية) على الموارد الطبيعية التي تُستخدم لإنتاج الغذاء.
هل الاقتصاد الدائري نظام اقتصادي حديث؟
يُقدَّم نموذج الاقتصاد الدائري على أنه نموذج جديد، ولكن هل هذا صحيح؟ من جانب المفهوم، لا يوجد شيء جديد في فكرة الدائرية، أما من حيث الممارسات فيُعد نموذج الاقتصاد الدائري نموذجًا قديمًا، كما يتضح من كتابات العديد من المؤرخين، حيث كان هو النموذج السائد حتى نهاية القرن التاسع عشر، ولم يكن مصطلح “الهدر” شائع الاستخدام في ذلك الوقت، وأطلق العلماء على الفترة من 1790–1850 “عصر انعدام الهدر”.
كان كل شيء إما أن يُعاد استخدامه أو يُترك ليتحلل بشكل طبيعي. أُعيد استخدام الملابس البالية لصنع الورق، وأصبح روث الماشية ومياه الصرف الصحي يُستخدمان كسماد، ولعظام الحيوانات استخدامات عديدة، منها صناعة المواد اللاصقة وأملاح الاستنشاق (النشادر) أو لتبييض واستخلاص الشوائب من سكر البنجر (Bone char)، واستُخدمت الدهون في صناعة الشموع… إلخ.
إلا أنه سرعان ما تلاشى نموذج الاقتصاد الدائري التاريخي تدريجيًا استجابةً لثلاثة تحولات رئيسية، وهي كالتالي:
أولًا: ظهور الثورة الصناعية ومحركات البخار التي تعمل بالفحم، مما أتاح توليد طاقة رخيصة وحفّز تطوير أشكال جديدة من وسائل النقل (القطارات والسفن). انخفضت تكلفة استخراج المواد الخام بشكل كبير، بينما أدت الثورة الصناعية الثانية، ولا سيما مع تطور المواد الكيميائية والكهرباء، إلى انتشار مواد اصطناعية جديدة مثل الأسمدة الكيميائية ولبّ الخشب الذي يُستخدم في صناعة الورق والمناديل وغيرها من المنتجات الورقية والكرتونية، والتي حلّت محل المواد المعاد تدويرها سابقًا.
ثانيًا: تطور القطاع الصحي. زعمت هذه النهضة الصحية، في أعقاب ظهور عملية البسترة في أواخر القرن التاسع عشر، أن تداول النفايات والمواد العضوية هو السبب الرئيسي للأوبئة. وفي عام 1884، أصدر السيد (يوجين بوبيل)، محافظ منطقة السين في فرنسا، مرسومًا شهيرًا يُلزم مُلّاك العقارات بتوفير حاويات لنفاياتهم المنزلية لهم وللمستأجرين، ومن هنا جاءت الكلمة الفرنسية “Poubelle”، أي سلة المهملات. وقد بشّر هذا المرسوم بعصرٍ من الابتكارات للتخلص من هذه النفايات، مما أدى إلى ظهور مدافن النفايات كحل رئيسي لمعالجة النفايات في القرن العشرين.
ثالثًا: بدأ التحول إلى مجتمع الوفرة في ثلاثينيات القرن العشرين، من حيث تغير نمط الحياة مع نمو وتطور مجتمع الاستهلاك.
نشأة الاقتصاد الدائري
أضحت مقالة كينيث بولدينج الكلاسيكية عام 1966 (Kenneth E. Boulding) بمثابة مقدمة للاقتصاد الدائري، حيث أشار بولدينج في مقالته إلى أن هناك نوعين من أنظمة الاقتصاد، هما الاقتصاد المغلق والمفتوح، واصفًا الاقتصاد المفتوح (Open)، من باب التشبيه، بأنه “اقتصاد رعاة البقر” في منطقة حدودية جديدة. حيث أضاف بولدينج أنه يميل إلى تسمية الاقتصاد المفتوح بـ”اقتصاد رعاة البقر”، حيث يرمز راعي البقر إلى السهول الشاسعة، ويرتبط أيضًا بالسلوك المتهور والاستغلالي والرومانسي والعنيف، وهو ما يُميز المجتمعات المفتوحة. بينما شبّه الاقتصاد المغلق (Closed) بـاقتصاد “رائد الفضاء”، حيث أقر بمحدودية الموارد الطبيعية وأهمية إدارة المخلفات، ويتجلى الفرق بين نوعي الاقتصاد بشكل أوضح في الموقف تجاه الاستهلاك.
يتم قياس نجاح اقتصاد رعاة البقر بمقدار الناتج من عوامل الإنتاج، والتي يتم استخراج جزء منها، على أي حال، من المواد الخام والأشياء غير الاقتصادية، ويتم إخراج جزء آخر منها إلى خزانات التلوث (المخلفات). ويُعد مقياس إجمالي الناتج القومي مقياسًا تقريبيًا لنجاح هذا النوع من الاقتصاد.
على النقيض من ذلك، في اقتصاد رواد الفضاء، لا يُعد معدل الإنتاج، بأي حال من الأحوال، هدفًا مرغوبًا فيه، بل يُنظر إليه على أنه شيء يجب التقليل منه إلى الحد الأدنى. وأشار إلى أن المقياس الأساسي لنجاح هذا النوع من الاقتصاد ليس الإنتاج والاستهلاك على الإطلاق، بل طبيعة وحجم وجودة وتعقيد رأس المال الإجمالي، بما في ذلك الحالة البدنية والذهنية للبشر في هذا النظام.
وتطرق إلى أن الأنظمة الاقتصادية المغلقة نادرة جدًا في التجربة الإنسانية، بل إنها، بحكم تعريفها، تكاد تكون غير قابلة للمعرفة، لأنه إذا كانت هناك أنظمة مغلقة حقًا من حولنا، فليس هناك أي وسيلة لإدخال المعلومات إليها أو إخراجها منها، وبالتالي، إذا كانت مغلقة بالفعل، فلن نكون على دراية بوجودها، ومن ثم لا بد أن نشارك في هذا النظام حتى نكون على دراية به.
وأشار بولدينج إلى طرح بعض المنتقدين القلق بشأن الإنتاج والاستهلاك والمخلفات في الاقتصاد المفتوح، في حين أن اقتصاد رواد الفضاء لا يزال حلمًا بعيد المنال (على الأقل لهذا الجيل الذي يحيا الآن)، فلنأكل ونشرب وننفق ونستخرج ونلوّث، ولنستمتع قدر استطاعتنا، ولندع الأجيال القادمة تقلق بشأن كوكب الأرض.
وأوضح أنه من الصعب إيجاد إجابة مقنعة لمن يتساءل: ماذا قدمت لي الأجيال القادمة حتى نقلق بشأن كوكب الأرض؟ وبالطبع فهي أنانية مفرطة، ولطالما اضطر دعاة حماية البيئة إلى الاعتماد على القيم والمبادئ التي تفترض انتماء الفرد إلى مجتمع بشري أو جماعة تمتد جذورها ليس فقط إلى الماضي، بل إلى المستقبل أيضًا، وإذا لم يتعاطف الفرد مع المجتمع نوعًا ما، فإن حماية البيئة تصبح، بشكل واضح، غير فعالة.
غالبًا ما يُعزى انتشار مفهوم الاقتصاد الدائري إلى ما قدمه بيرس وتيرنر عام 1989 في كتابهما حول اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئية، حيث ساهما في طرح فكرة الاقتصاد الحيوي “Bioeconomy”، إذ تُعتبر الموارد الطبيعية للأرض جزءًا من نظام لا يوفر منتجات مفيدة فحسب، بل يوفر أيضًا الموارد لكافة أنواع الكائنات الحية على وجه الأرض. وبالتالي، فإن الاستخدام الفعال والكفء للموارد له منافع تتجاوز بكثير استخدامها الأولي، بما في ذلك تكاليف التخلص من النفايات.
إلا أن مفهوم الاقتصاد الدائري لم يكتسب شعبية حقيقية على الصعيد الدولي إلا في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وذلك مع نشر العديد من التقارير التي ساعدت في نشر هذا المفهوم بين صناع القرار وعامة الناس، وسرعان ما تبنّت الدول هذا المفهوم، حيث اعتمد الاتحاد الأوروبي عام 2016 حزمة الاقتصاد الدائري التي تُرجمت منذ ذلك الحين إلى خطة عمل للاقتصاد الدائري داخل الاتحاد.
الشروط اللازمة لإحداث تحول جذري
من الأهمية بمكان أن نعرف أنه ليس بالضرورة أن تكون جميع استراتيجيات الاقتصاد الدائري واعدة بنفس القدر من الناحية البيئية ومن حيث إمكاناتها في خلق فرص العمل.
فمن الضروري، إلى جانب إعادة التدوير، معرفة كيف يمكننا تعزيز نموذج دائري قوي أقل استهلاكًا للمواد والموارد. تُعد استراتيجيات الاقتصاد الدائري التي تركز على إعادة الاستخدام والإصلاح أو الاقتصاد الوظيفي (اقتصاد يحسن من استخدام السلع والخدمات) كوسائل لتعزيز عمر المنتجات ومتانتها، مسارات واعدة يجب استكشافها عند السعي لتقليل البصمة الكربونية لأنشطتنا الاقتصادية المختلفة، وكذلك لخلق فرص عمل محلية.
ومن جانب آخر، يجب أن يتغير سلوك المستهلكين لتحقيق ذلك، حيث ينبغي أن يقبل المستهلكون بالمنتجات التي يتم إصلاحها أو المستعملة أو المستأجرة، مع الاهتمام بعمليات الصيانة الدورية بدلاً من شراء منتجات جديدة باستمرار. وقد يكون هذا التحول أكثر وضوحًا بين الأجيال الشابة التي تبدو أقل ارتباطًا بمفهوم امتلاك الأشياء، ويُعد تزايد المنصات الرقمية المختلفة والمتخصصة في بيع المنتجات المجددة دليلاً إضافيًا على هذا التغيير في السلوك.
وفي هذا السياق، فإن الحكومات وصناع السياسات يضطلعون بدور محوري في تطوير البنية التحتية ووضع سياسات داعمة لتمهيد الطريق نحو تحول ناجح. ومن خلال تعزيز المبادرات التعليمية التي ترفع مستوى الوعي حول الحد من النفايات وإدارتها وإعادة تدويرها، إلى جانب تحفيز ممارسات الاقتصاد الدائري، يمكن للنظام الغذائي أن يتطور إلى نموذج أكثر استدامة وتكاملاً، مما يسهم في بناء مستقبل أكثر مرونة.
ومن جهة أخرى، قد يساعد إدخال آليات تحفيز جديدة، مثل قانون فرنسا بشأن الاقتصاد الدائري ومكافحة النفايات، في تسريع هذه التحولات من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومات المتعلقة بأداء قابلية الإصلاح، وتشجيع الناس على شراء المنتجات التي تم إصلاحها أو إعادة استخدامها.
.
المصادر
– Barles, S. (2005). L’invention des déchets urbains: France, 1790-1870 (The Invention of Urban Waste: France, 1790-1870), Champ Vallon.
– Jarret H (ed) Environmental quality in a growing economy. Resources for the Future/John Hopkins University Press, Baltimore, pp 3–14.
– a historical perspective on the circular economy, Field Actions Science Reports [Online], Special Issue 23
– Pearce DW, Turner RK (1989) Economics of natural resources and the environment.
.
تواصل مع الكاتب: assem20000@yahoo.com