مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

دروس وعبر من فيضانات المغرب في 2026

عندما يتحوّل الجفاف إلى طوفان
الكاتب

الدكتور عادل الصالحي

الوقت

10:03 صباحًا

تاريخ النشر

29, مارس 2026

.

في ليلةٍ من ليالي فبراير الماطرة، جرفت المياه سيارةً صغيرةً قرب مدينة تطوان، حاملةً معها أسرةً بأكملها نحو مصيرٍ محتوم. لم تكن هذه الحادثة سوى ومضةٍ مأساوية في كارثةٍ أكبر اجتاحت شمال المغرب منذ أواخر يناير، حيث أسفرت سلسلة من العواصف الأطلسية عن مقتل ثلاثة وأربعين شخصاً وتشريدٍ مؤقت لنحو ثلاثمائة ألف آخرين. أُخلي أكثر من 108 آلاف شخص بعد أن حذّرت السلطات من هطول أمطارٍ غزيرة إضافية، فيما غمرت الأنهار الفائضة 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية.

في ليلة من ليالي فبراير الماطرة، جرفت المياه سيارة صغيرة قرب مدينة تطوان، حاملة معها أسرة بأكملها نحو مصير محتوم. لم تكن هذه الحادثة سوى ومضة مأساوية في كارثة أكبر اجتاحت شمال المغرب منذ أواخر يناير، حيث أسفرت سلسلة من العواصف الأطلسية عن مقتل ثلاثة وأربعين شخصاً وتشريد مؤقت لنحو ثلاثمائة ألف آخرين. أُخلي أكثر من 108 آلاف شخص بعد أن حذّرت السلطات من هطول أمطار غزيرة إضافية، فيما غمرت الأنهار الفائضة 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية.

لكن المفارقة تكمن في توقيت هذه الكارثة. فقبل عام واحد فقط، كانت سدود المغرب شبه فارغة، ونسبة ملئها لا تتجاوز سبعة وعشرين بالمائة بعد سبع سنوات من الجفاف التاريخي الذي أنهك البلاد وأفرغ خزاناتها المائية. كيف تحوّلت الأمطار التي طال انتظارها من نعمة منشودة إلى نقمة قاتلة؟ وهل كان يمكن تجنّب هذه المأساة؟

الإجابة تكمن في فهم العلاقة بين التربة المتعطّشة والمطر الغزير، وبين الديناميكيات المناخية الكوكبية والواقع المحلّي للمجتمعات الضعيفة. إنها قصّة علمية بامتياز، لكنها أيضاً قصّة بشرية عن التحذيرات التي لم تُسمع، والبيانات التي لم تُترجم إلى سياسات، والثغرات التي تحوّلت إلى مآسي.

عندما تنسى التربة كيف تشرب

طوال سبع سنوات، شهد المغرب واحداً من أقسى موجات الجفاف في تاريخه الحديث. انخفضت معدّلات الأمطار بنسبة 20% منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع تسارع وتيرة الجفاف في السنوات الأخيرة. شاشات التلفاز نقلت صوراً مؤلمة لسدود جافّة وأراضٍ متشقّقة ومزارعين يائسين. القطيع كان يموت عطشاً، والمحاصيل تذبل تحت شمس لا ترحم، والدولة تضطرّ لاستيراد كمّيات هائلة من القمح لسدّ العجز. لكن ما لم تنقله الكاميرات بوضوح كان التحوّل الصامت الذي كان يحدث تحت أقدامنا. التربة نفسها كانت تتغيّر. خلال شهور الجفاف الطويلة، تفقد التربة بنيتها الداخلية المساميّة التي تسمح لها بامتصاص المياه وتخزينها. والنتيجة هي تربة متصلّبة، مدموجة، عاجزة عن القيام بوظيفتها الأساسية.

التربة حرفياً “نسيت كيف تشرب”. عندما تجفّ الإسفنجة تماماً وتتصلّب، فإنها لا تمتصّ الماء عند أوّل تعرّض له، بل تصدّه وتدفعه بعيداً. الأمر نفسه يحدث للتربة الزراعية والطبيعية بعد جفاف مديد.

ثم جاءت العاصفة مارتا في أواخر يناير، حاملة معها ما اعتُبر في البداية بشرى خير. أفرغت السماء حمولتها (ما يصل إلى 92 مليمتراً) من الأمطار على بعض المدن الشمالية في غضون ساعات قليلة. زادت الأمطار الإجمالية في المغرب بنسبة 215% مقارنة بالعام الماضي، و54% مقارنة بالمتوسّط التاريخي. الأمطار المتراكمة في ثلاثة أيام فقط تجاوزت المعدّل الشهري بأكمله في مناطق عديدة. لكن السيول تدفّقت على السطح محوّلة الأودية الجافّة إلى أنهار هادرة مثقلة بأطنان من الأتربة والأوحال. الشوارع أصبحت قنوات مائية جارفة. الأحياء السكنية القريبة من مجاري الأودية القديمة (تلك التي بُنيت خلال سنوات الجفاف حين بدت هذه المجاري آمنة وجافّة) غرقت في دقائق.

هذا السيناريو لم يكن مفاجئاً، بل حذّرت الدراسات المنشورة مراراً من هذه الدينامية الخطيرة. إن 22% من منطقة الريف والأطلس المتوسّط تقع في مناطق تعرية عالية جداً، ما يعني أن التربة في هذه المناطق قد فقدت بالفعل قدرتها على تثبيت نفسها وإبطاء اندفاع المياه. بل إن بؤر الخطر الأشدّ المعرضة لانجراف التربة والفيضانات المفاجئة معروفة بدقّة في تقارير ودراسات وخرائط على غرار بحثنا المنشور سنة 2025 في مجلّة “نيتشر ساينتفيك داتا”.

لكن البيانات لم تُترجم إلى قرارات والتحذيرات لم تصل إلى العائلات التي تعيش في مسارات الفيضانات. وعندما جاءت العاصفة مارتا، تحوّلت التنبؤات العلمية إلى مآسٍ بشرية. غمرت الأنهار الفائضة محاصيل كاملة ضاعت بعد سنوات عجاف أنهكت المزارعين. جُرفت الجسور والطرقات. انهارت منازل بأكملها. وفقدت حيوات كثيرة، معظمها في المناطق التي حدّدتها الدراسات العلمية بوضوح كمناطق عالية الخطورة.

المفارقة أن المياه التي أنهت الجفاف رسمياً ورفعت نسبة ملء بعض السدود إلى أكثر من طاقة استيعابها هي نفسها التي قتلت عشرات الأبرياء وشرّدت مئات الآلاف. النعمة تحوّلت إلى نقمة، ليس لأن الطبيعة قست، بل لأن التربة المتعبة نسيت كيف تستقبل الماء، ولأن المجتمعات لم تكن مستعدّة لما حذّر منه العلم.

العيش على الحدّ الفاصل بين مناخين متصارعين

لفهم ما حدث في المغرب، لا بدّ من فهم الديناميات الجوّية الهائلة التي تحكم مناخ الكوكب. خلية هادلي هي دورة جوّية عملاقة تمتدّ من خطّ الاستواء إلى خطوط العرض شبه الاستوائية. عند خطّ الاستواء، حيث أشعّة الشمس عمودية وحرارة السطح في أقصاها، يرتفع الهواء الساخن الرطب محمّلاً ببخار الماء، مشكّلاً سحباً عملاقة تُطلق كمّيات هائلة من الأمطار (هذا هو سرّ الغابات المطيرة الاستوائية في الأمازون والكونغو وإندونيسيا). هذا الهواء الصاعد، بعد أن يفقد رطوبته، يتدفّق نحو القطبين في طبقات الجوّ العليا، ثمّ يهبط عند خطوط العرض شبه الاستوائية.

هذا الهبوط الجوّي هو صانع الصحاري. عندما يهبط الهواء من الأعلى، ينضغط ويسخن، وكلّما سخن زادت قدرته على حمل الرطوبة دون أن يُطلقها على شكل مطر (جفاف دائم). هذا هو السبب الجوهري وراء وجود أكبر صحاري العالم في نطاق ضيّق بين الدرجة العشرين والثلاثين شمالاً وجنوباً (الصحراء الكبرى، الجزيرة العربية، صحراء كالهاري، صحراء أستراليا). كلّها تقع تحت الفرع الهابط لخلية هادلي، تحت مظلّة جوّية لا ترحم من الهواء الجافّ الهابط.

المغرب، الواقع بين خطّي العرض الثامنة والعشرين والسادسة والثلاثين شمالاً، يقع بالضبط على الحافّة الشمالية لهذه المنطقة. إنه يعيش على حدّ السكّين بين منطقتين مناخيّتين متناقضتين: الصحراء الجافّة من الجنوب، والبحر الأبيض المتوسّط الرطب من الشمال. هذا الموقع الفريد يجعل المغرب (ومعه بقيّة بلدان المغرب العربي) حسّاساً للغاية لأيّ تحرّك في خلية هادلي. والمشكلة أن هذه الخلية العملاقة لا تقف ساكنة. إنها تتحرّك، تتوسّع وتتقلّص، تتذبذب من سنة لأخرى ومن عقد لآخر.

في بحثنا قيد النشر في مجلّة “جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرتش”، نوثّق تحوّلاً مزدوجاً وخطيراً. التحوّل الأوّل: خلية هادلي تتوسّع نحو القطبين بمعدّل يتراوح بين عُشر درجة ونصف درجة عرض في كلّ عقد. قد يبدو هذا رقماً صغيراً، لكن على مدى الأربعين عاماً الأخيرة حصلت إزاحة تتراوح بين نصف درجة ودرجتين كاملتين. بالنسبة للمغرب، هذا يعني أن الفرع الهابط الجافّ لخلية هادلي زحف شمالاً، ليغطّي مساحات أوسع من أراضيه. أدى ذلك إلى إزاحة الضغط المرتفع شبه الاستوائي نحو شمال أفريقيا، مع ارتفاع في درجات الحرارة كلّ سنة، وانخفاض في الضغط الجوّي عند مستوى سطح البحر. كل هذا جعل المغرب يتعرّض بشكل متزايد ومتواتر للهبوط الجوّي الجافّ، ما يفسّر الجفاف الطويل الذي امتدّ سبع سنوات.

التحوّل الثاني في خلية هادلي ربّما أخطر: منطقة التقاء الرياح التجارية عند خطّ الاستواء (المنطقة التي يرتفع فيها الهواء ويتشكّل المطر) تتضيّق وتتكثّف. وبدلاً من أن ينتشر الصعود الجوّي والمطر على منطقة واسعة عند خطّ الاستواء، يتركّز في نطاق أضيق. الهواء يصعد بقوّة أكبر، السحب تصبح أعلى وأكثف، الأمطار تكون أشدّ لكن على مساحة أصغر. النتيجة المباشرة أن المناطق التي تبقى تحت الصعود الجوّي تحصل على أمطار أكثر كثافة من أيّ وقت مضى، بينما المناطق التي تقع خارج هذا النطاق الضيّق (خاصّة المناطق شبه الاستوائية) تعاني جفافاً أشدّ وأطول. هذا الانقسام الحادّ بين الجفاف الشديد والأمطار الطوفانية هو بالضبط ما نشهده في المغرب والمنطقة العربية بشكل عامّ.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن حافّة خلية هادلي ليست ثابتة، بل متذبذبة. من سنة لأخرى، يمكن لهذه الحافّة أن تتحرّك شمالاً أو جنوباً بمقدار درجتين إلى أربع درجات عرض. هذه التذبذبات الطبيعية، المرتبطة بظواهر مناخية كبرى مثل النينيو والتذبذب القطبي الشمالي، كانت موجودة دائماً. لكن مع الاحترار المناخي، هذه التذبذبات أصبحت أكثر حدّة وأكثر تطرّفاً. بالنسبة للمغرب، هذا يعني العيش في حالة دائمة من عدم اليقين المناخي. في بعض السنوات، تتوسّع خلية هادلي شمالاً بقوّة، فتضع المغرب بأكمله تحت الهبوط الجوّي الجافّ (سنوات متتالية من الجفاف القاسي).

ثمّ في سنوات أخرى، تتقلّص الخلية جنوباً، أو تتذبذب حافّتها الشمالية بشكل مفاجئ، فيجد المغرب نفسه فجأة معرّضاً لتدفّقات رطبة قوية من المحيط الأطلسي، أو (الأخطر) لاختراقات عرضية من الحمل الحراري الكثيف المرتبط بالحافّة الشمالية لمنطقة التقاء الرياح التجارية التي تفرز أمطارا طوفانية، مركّزة، عنيفة، تسقط في ساعات بدلاً من أيام.

هذا بالضبط ما حدث في يناير وفبراير 2026. بعد سبع سنوات من تموضع المغرب تحت الفرع الهابط الجافّ لخلية هادلي، حدث تذبذب مفاجئ. الحافّة الشمالية للخلية تراجعت جنوباً بشكل استثنائي، ربّما بسبب تأثيرات مركّبة من ظواهر مناخية موسمية. المغرب انتقل فجأة من منطقة الهبوط الجافّ إلى منطقة التدفّقات الرطبة القويّة. والأهمّ أن الهواء المشبع بالرطوبة (بعد أربعين عاماً من الاحترار) كان يحمل كمّيات هائلة من بخار الماء، أكبر بكثير ممّا كان يحمله في السبعينيات أو الثمانينيات. عندما اصطدمت هذه الكتل الهوائية الرطبة بجبال الريف والأطلس، ارتفعت بعنف، تكثّفت، وأطلقت حمولتها من المطر في ساعات قليلة.

هذا النمط المتذبذب بين جفاف طويل وأمطار طوفانية مفاجئة سيزداد تواتراً وحدّة في العقود القادمة. على هذا النمط، نتوقع أن الضغط المرتفع شبه الاستوائي سيهاجر شمالا بمقدار درجة ونصف درجة إضافية بحلول نهاية القرن الحالي. هذا يعني أن المغرب العربي سيعيش بشكل دائم على هذه الحافّة المتذبذبة، حيث كلّ تأرجح بسيط في خلية هادلي يمكن أن يعني الفرق بين جفاف قاتل وفيضان مدمّر.

المغرب، بعبارة أخرى، لا يعيش في مناخ واحد مستقرّ، بل يعيش على الحدّ الفاصل بين مناخين متصارعين، وهذا الحدّ يتحرّك باستمرار. إنه مثل العيش على خطّ الصدع الزلزالي، حيث كلّ حركة تكتونية صغيرة يمكن أن تُطلق هزّة عنيفة. الفرق أن الهزّات الزلزالية تحدث في دقائق، بينما الهزّات المناخية تمتدّ على مدى سنوات، لكن نتائجها الإنسانية لا تقلّ كارثية.

“ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ”

سبع سنوات من الجفاف عاشها المغرب ثم جاء الغيث. من منظور علمي صرف، يمكن القول بموضوعية وإنصاف إن التدخلات الميدانية في مواجهة العاصفة مارتا أسهمت بشكل كبير وفعّال في الحدّ من حجم الكارثة. قرار إخلاء أكثر من 108 آلاف شخص قبل ذروة الفيضانات اتّسم بجرأة وحزم لافتَين في ظروف بالغة التعقيد (سياقات مناخية وهيدرولوجية متسارعة ومتداخلة لا تسمح بترف التردّد). هذا التدخّل العاجل أنقذ ما لا يُحصى من الأرواح التي كان يمكن أن تُضاف إلى قائمة الضحايا. وفي الأسابيع التي تلت الكارثة، انصبّت جهود جادّة ومحمودة على إعادة الإعمار ودعم المتضرّرين وتضميد الجراح المادية والنفسية للمجتمعات المنكوبة بكلفة أولية تجاوزت نصف مليار دولار. لكن الاستجابة، رغم فاعليتها، كانت في أساسها ردّ فعل على كارثة وقعت، لا فعلاً استباقياً لكارثة كانت متوقّعة. وهذا الفارق هو بيت القصيد. علم إدارة الكوارث يُعلّمنا أن ما نسمّيه اصطلاحاً “كوارث طبيعية” هو في حقيقته مصطلح قاصر ومضلّل. الزلزال ظاهرة طبيعية، لكن انهيار البنايات رديئة التصميم كارثة بشرية.

والأمطار الغزيرة ظاهرة مناخية، لكن غرق الأحياء المبنية في مجاري الأودية قرار تخطيطي. الطبيعة تُطلق الشرارة، لكن الإنسان هو من يصنع الوقود. الكوارث التي نُسمّيها طبيعية هي في معظمها نتاج أخطاء متراكمة في التوقّع والتدبير البشري. وتسميتها طبيعية خطأ مفاهيمي له تداعيات عملية خطيرة، إذ يُوحي بأنها قدر لا مردّ له ولا وقاية منه، ويُسقط المسؤولية عمّن كان بإمكانهم الفعل فلم يفعلوا.

إدارة الكوارث في جوهرها العلمي سلسلة ثلاثية الحلقات لا تكتمل إلا بها مجتمعة. الحلقة الأولى: ما قبل الكارثة حيث التخطيط الاستباقي، وتعديل أنماط البناء، وتوعية المجتمعات، وبناء منظومات إنذار مبكّر فعّالة، وإخضاع قرارات التنمية لمعطيات المخاطر. الحلقة الثانية: أثناء الكارثة حيث الاستجابة العاجلة والإنقاذ والإخلاء. الحلقة الثالثة: ما بعد الكارثة حيث إعادة الإعمار والدعم وتوثيق الدروس والتحسين المستمر استعدادا للكارثة الموالية. في حالة المغرب، الحلقة الثانية أُديرت بجدارة نسبية، والحلقة الثالثة تشهد جهوداً جارية. أمّا الحلقة الأولى (وهي القاعدة التي تقوم عليها الحلقتان الأخريان) فهي الحلقة التي تستوجب اليوم نقاشاً جادّاً وبنّاءً.

سدّ واد المخازن تجاوز 150% من طاقته التصميمية للمرّة الأولى في تاريخه. القرار بفتح البوّابات كان صائباً من منظور حماية جسم السدّ لكنه حوّل السيول الطبيعية إلى طوفان مضاعف في المناطق الواقعة أسفله. هذا السيناريو كان متوقّعاً علمياً، فتراكم الرواسب في قيعان السدود نتيجة التعرية المتسارعة قلّص طاقتها الفعلية بشكل ملحوظ، وسدود صُمّمت لمناخ أكثر استقراراً باتت تواجه تذبذبات حادّة لم تدخل في حسابات مصمّميها. وخلال سنوات الجفاف السبع، بدت ضفاف الأودية الجافّة أراضي آمنة وجذّابة، فنمت فوقها أحياء بأكملها، أحياناً بتصاريح وأحياناً دونها،

غير أن الإقرار بهذه الثغرات ليس دعوة للإحباط، بل هو الخطوة الأولى الضرورية نحو البناء. فكما أن يوسف عليه السلام لم يكتفِ بتفسير الرؤيا، بل أرفقها بخطّة عمل، فالعلم اليوم لا يكتفي بتشخيص الداء، بل يقترح الدواء. الغيث والتدفّق النهري آتيان، لكن ما إذا كانا نعمةً أم نقمة، فذاك رهين بما أعددناه لهما. التربة الصحيّة تستقبلهما فتروى وتُحيي. السدود المُدارة بحكمة تخزّنه فتسقي في سنوات العسر. الأحواض المحميّة تُبطئ جريانه فتُغذّي المياه الجوفية بدلاً من أن تُحوّله إلى سيل جارف. والمجتمعات المُستعدّة تحتفل بوصوله بدلاً من أن تفرّ من جبروته.

على المدى القصير، ثمّة إجراءات عاجلة لا تحتمل التأجيل. خرائط الخطر يجب أن تُدمج فوراً في كلّ قرار يتعلّق بالتخطيط العمراني ومنح تصاريح البناء. النماذج المتقدّمة للتنبّؤ بالفيضانات يجب نشرها عبر كلّ أحواض الأودية المعرّضة للخطر. وأنظمة الإنذار المبكّر تحتاج إلى قفزة نوعية تضمن وصول التحذيرات فعلياً إلى كلّ أسرة في كلّ حيّ، بما فيها الأحياء الطرفية والمناطق النائية، عبر كلّ القنوات المتاحة.

الندرة والوفرة ليستا مسألة كمّية مطر، بل مسألة حكامة واستعداد ومنظور. البنية التحتية المصمّمة وفق المعايير التاريخية ستواجه ضغوطاً تفوق طاقتها بين أربعين وستّين بالمائة. المحاصيل الزراعية ستتعرّض لمخاطر متصاعدة. العواصف الرملية والغبارية ستتضخّم. لكن كلّ هذا يمكن التخفيف منه بشرط أن نتحرّك اليوم لا غداً.

الاستثمار في المرونة المناخية ليس إنفاقاً في مواجهة الطبيعة، بل بناء قطاعات اقتصادية جديدة، وتدريب أطر متخصّصة، واكتساب خبرات يمكن تصديرها إلى المنطقة كلّها. ما ينقص ليس المعرفة، بل الإرادة والكفاءة الإدارية لترجمتها إلى حكامة، والشجاعة على الانتقال من تدبير الكوارث إلى الوقاية منها.

الغيث سيعود، وربّما أشدّ ممّا مضى. والسؤال هو هل سنستقبله كما فعل يوسف، بمخازن مُعدَّة ومدن مُحصَّنة وشعب مُستعدّ، فيكون عاماً فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون؟ أم سنواصل الإدارة بأسلوب رد الفعل الارتجالي وننتظر أن تُجيب الطبيعة عن أسئلة تركناها معلّقة؟

المستقبل ليس قدراً، بل خيارات نتّخذها اليوم.

.

المصادر

.

تواصل مع الكاتب: mohamedmouradgamal@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons