أقبل شهر المسلمين، شهر الغنائم للمتقين المحسنين؛ هذا الشهر الذي يتنافس فيه المجتهدون، ويشمر عن سواعدهم المخلصون، المدركون لأهميته وقيمته لحياتهم في الدنيا ولمقامهم في الآخرة. فالجميع يجتهد، وكلٌّ بحسب طاقته.
لقد قيل قديمًا: انظر في تجارب الآخرين لتختصر تجارب كثيرة خاطئة، وتتبنَّ تجربة تعدّلها بما يتناسب مع قدراتك وطاقتك. ولأن رمضان شهر القرآن، وأكثر عبادة تميّزه مع الصيام هي الانكباب على قراءة القرآن، فقد حاولتُ جمع ما تيسّر من تجارب السلف في تحقيق أقصى استغلال ممكن من تلاوة القرآن في رمضان، مع المحافظة على الاتزان وعدم الاختلال.
لقد وجدتُ قصصًا كثيرة؛ فمنهم من كان يختم في خمس، ومنهم في ثلاث، ومنهم في كل ليلة. وأشدّ القصص عليَّ وأعجبها هي نموذج الإمام الشافعي، الذي ورد عنه أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة: ثلاثين في النهار وثلاثين في الليل.
فرغم أن الرقم فلكي مقارنة بالمدة الزمنية (ثلاثون يومًا في رمضان)، إلا أنه يظهر فهمًا دقيقًا لموضوع التوازن الذي وصل إليه الإمام الشافعي رحمه الله، مع هذا الاستغلال الأمثل للوقت وتحقيق أقصى ما يمكن. وإحدى الإشارات التي تثبت دقة تنظيمه للوقت وضبطه وميزان الأولويات الذي وضعه لنفسه أنه كان يترك مجالس الفقه في رمضان على أهميتها، فما بالكم “دون مجالس الفقه” من أنشطة أخرى وفعاليات هنا وهناك؟
وحتى تتضح الصورة أكثر، وتكون الإجابة مكتملة الأركان، هناك أسئلة يجب أن تُثار لتحليل هذه الكفاءة والنوعية التي وصل إليها الإمام الشافعي، حتى نستطيع الحكم على التجربة بأنها متوازنة وقابلة للعمل بها أم لا.
السؤال الأول: هل اختلّ توازن الشافعي خلال هذه الفترة عقليًا، جسديًا، روحيًا؟
السؤال الثاني: هل تمكن من ممارسة حياته بصورة طبيعية، ولم يفصل بين متطلبات الروح والجسد؟
السؤال الثالث: هل استطاع العودة إلى مجالس الفقه والتدريس بعد رمضان بكفاءة عالية؟
إذا كانت الإجابة نعم على جميع هذه الأسئلة، فهذا يعني أن تجربته متوازنة وقابلة للتطبيق. ولكن مهلاً، فهناك شروط تحكم التجربة.
الشرط الأول: أن يكون لدى المرء نفس المستوى من العقل الذي منحه الله له؛ فالعقول تتفاوت: فهناك المستوى الاستنباطي، والتحليلي، والاستقرائي، وهناك العملي التطبيقي، أو السطحي الذي يرى فقط ظاهر الأمور دون الغوص في دقائقها.
الشرط الثاني: أن يكون على نفس المستوى من ضبط سلم الأولويات وتنظيم الوقت وإدارته.
الشرط الثالث: أن يكون على نفس المستوى من العبادة الذي كان عليه الإمام الشافعي؛ فالعبادة شرط ملازم للتوفيق والمعية من الله.
الشرط الرابع: أن يكون على نفس المستوى من التجرد والإخلاص والتقوى، والأمور التزكوية الأخرى التي كان عليها الإمام الشافعي. ولتقريب الصورة أكثر، هناك عدة نصوص وردت على لسان الإمام الشافعي رحمه الله تُظهر لك هذا المستوى الذي وصل إليه من التجرد والإخلاص: (وددتُ أن هذا العلم نُشر ولم يُنسب إليّ منه شيء). (ما ناظرتُ أحدًا إلا أحببتُ أن يُظهر الله الحق على لسانه).
في نهاية المقام، هناك سؤال يُطرح يجيب عما بدأ به المقال بدقة: هل وصل الشافعي إلى ذلك من أول مرة شهد فيها رمضان؟
في تقديري وتحليلي للمشهد: لا. فقد اشتهرت هذه الحادثة بعد تداولها من قبل تلاميذه ومن يعرفونه. وعالم فقيه جليل كالشافعي يعرف أن سنة التدرج في العلم والعمل لا بد منها، وقد سار على هذا الدرب حتى حصل على هذه النتيجة المرجوة.
إضافة إلى أن اقتصاره على قراءة القرآن في رمضان، وتجنب مجالس الفقه، يضعنا أمام عقلية هائلة في فهم الأولويات وتحسين الإنتاجية، وزيادة الكفاءة العلمية لنفسه مستقبلاً. كيف ذلك؟
دعوني أُصوِّر لكم المشهد، حتى لو بدا قليلًا وكأنه ظاهرة تخيّل علمي؛ ولكن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلا يمكن إصدار حكم صحيح على أمر ما إلا بعد فهمه فهمًا دقيقًا كاملاً.
عندما يكون العام كاملاً – بالنسبة للإمام الشافعي – حافلاً بمشهد العلم والتعليم والمدارسة والإجابة على التلاميذ والتأليف، وهو الذي أصّل أصول الفقه، وحرر أدلته، وبيّن وجوه الاستدلال، وبنى الفروع على الأصول، وجمع بين طريقتي أهل الحديث وأهل الرأي، فاستقام له منهج الاستنباط والتحرير؛ يقفز إلى السطح مشهد رمضان. فبناءً على معرفته بفضائل الأعمال، وأن رمضان شهر الصفاء الروحي والتفكر فيما يمكن القيام به من أعمال بعد رمضان، وفرصة لمراجعة ما تم عمله قبل رمضان؛ يأتي الانكباب على قراءة القرآن. فهو بالنسبة له أجور مضاعفة، وتحقيق لمعنى أنه شهر القرآن، ومراجعة لما ألّفه في كتبه الفقهية من قواعد واستنباطات وفتاوى من خلال هذه القراءة، وما يمكن أن تثمر له من أفكار فقهية بعد رمضان. فكان لزوم القراءة يزيد الكفاءة بصورة منقطعة النظير، والدليل على ذلك الإرث الفقهي الذي وصلنا من هذا العالم الجليل.
والأمر الآخر: الاعتكاف، الذي يمثل مصدرًا للخلوة والتنقية ومعالجة الأمور بهدوء بعيدًا عن ضجيج المجالس والبشر، وإن كانت هذه المجالس تحمل طابعًا علميًا أو حتى إصلاحيًا؛ فالأولى الوقوف على النفس لتتمكن من زيادة كفاءتها في إصلاح غيرها. فالخلوة في وقت تكون فيه الشياطين مصفدة تسمح بالاقتراب أكثر، والتدرج في المقامات.
في نهاية المطاف، هذه ليست دعوة لختم ستين ختمة في رمضان، ولكنها دعوة لمعرفة كيف يمكن أن نستفيد من تجارب الآخرين، ونزيد من كفاءتنا، ومتى يجوز تطبيق هذه التجارب على أنفسنا. وأكمل الخلق في العلم والعبادة والخشية والتوازن هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
ولكن قصة الإمام الشافعي كانت مثار جدل دائم بين مصدق ومتردد: مدى موافقتها للتوازن في العبادة، وإمكانية تطبيقها في الواقع، وعامل الزمن الذي تحكمه القوانين الطبيعية، وما يقابله من جندي البركة والمنح الربانية، ومفهوم الوسطية والاعتدال، وبالمقابل المسابقة بالخيرات في شهر رمضان. فأحببت تجريد المسألة؛ لأن الكفاءة العلمية التي تميز بها الشافعي بين علماء عصره ومن بعدهم تستدعي أن نعرف دقائق وتفاصيل ما نُقل عنه من عبادة وأخلاق وتلقٍّ للعلم وتدريسه.
وهذا المقال يمثل شرارة لإرجاع هذه النوعيات من الكفاءات في زمننا الحاضر، لتقليص الفجوة المعرفية والسباق الحضاري بيننا وبين الطرف الآخر من الأمم.
أختم بهذا الحديث النبوي الذي يتحدث عن الرفق بالنفس في العبادة، ومطالبتها بالتدرج حتى بلوغ المرام:
(سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا).
هنيئًا لكم بلوغ شهر رمضان، وأسأل الله لكم بلوغ المنزلة.
.