مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

كيف سيؤثر تغير المناخ على محطات تحلية المياه في الخليج؟

الكاتب

الصغير محمد الغربي

صحفي علمي

الوقت

12:22 مساءً

تاريخ النشر

26, مارس 2026

.

تواجه دول مجلس التعاون الخليجي نقصًا هيكليًا تاريخيًا في المياه، ما يجعل الاعتماد على تقنيات تحلية المياه لتوفير هذا المورد الحيوي الضروري للبقاء والتنمية الاقتصادية خيارًا لا مفرّ منه. غير أن هذه البنية التحتية الحيوية أصبحت نفسها في طليعة المتضررين من تغير المناخ، وفق دراسة جديدة أجرت تحليلًا شاملًا لمخاطر المناخ على محطات التحلية في منطقة الخليج.

الدراسة، المنشورة في دورية Renewable and Sustainable Energy Reviews، قادها باحثون من جامعة حمد بن خليفة في الدوحة وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في السعودية. وكشفت أن إنتاجية المياه العذبة من محطات التحلية قد تنخفض بنسبة تصل إلى 6.5% بحلول عام 2100 نتيجة ارتفاع درجات حرارة المياه، وتزايد ملوحة الخليج، وخطر ازدهار الطحالب. كما استعرضت مواطن الضعف التكنولوجية في التقنيات الحالية أمام الاحتباس الحراري، واستراتيجيات التكيف العاجلة اللازمة لتأمين مستقبل المياه في شبه الجزيرة العربية.

من الموارد الجوفية إلى تحلية مياه البحر: رحلة البحث عن مصدر مستدام

تُعد منطقة الخليج من أكثر بقاع الأرض جفافًا، إذ لا يتجاوز معدل هطول الأمطار السنوي فيها 100 مليمتر، بينما يزيد معدل التبخر على 3000 مليمتر سنويًا. وقد أسهم هذا التفاوت الكبير في انخفاض نصيب الفرد من المياه العذبة المتاحة طبيعيًا إلى نحو 80 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو رقم متدنٍ جدًا مقارنة بعتبة “الإجهاد المائي المطلق” البالغة 500 متر مكعب.

لذلك لجأت دول الخليج، على مدى عقود، إلى الاستغلال المكثف للخزانات الجوفية الأحفورية لتجاوز هذا القيد، إلا أن هذا الحل المؤقت بلغ حدوده القصوى. ويجسّد خزان الأحساء الجوفي مثالًا واضحًا على ذلك، إذ انخفض منسوبه بنحو 150 مترًا خلال 25 عامًا فقط، ما يهدد الزراعة ويزيد من تملّح التربة.

محطات تحلية المياه القائمة والمخطط لها في الخليج العربي (المصدر: الدراسة)

ومع استنزاف الموارد الجوفية، أصبح اللجوء إلى تحلية المياه أمرًا لا بدّ منه. غير أن هذا الحل أوجد اعتمادًا وثيقًا بين المياه والطاقة، إذ تُعد تحلية مياه البحر عملية صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، تتطلب كميات كبيرة من البخار والكهرباء. وحتى وقت قريب، جرى تلبية هذا الطلب عبر حرق الهيدروكربونات الوفيرة والرخيصة، مما أوجد حلقة بيئية مفرغة: يُحرق النفط لإنتاج المياه، فتنبعث غازات دفيئة تُفاقم تغير المناخ، الذي يهدد بدوره كفاءة محطات التحلية.

إضافة إلى ذلك، أدى التوسع الحضري السريع وازدهار المشاريع الصناعية والسياحية الضخمة إلى ارتفاع هائل في الطلب على المياه والكهرباء. ولم تعد المشكلة تقتصر على إنتاج المياه فحسب، بل بات التحدي يتمثل في الحفاظ على القدرة الإنتاجية في ظل تغير المناخ.

تقنيات التحلية وتحديات البيئة والمناخ

طوّرت دول الخليج بنية تحتية ضخمة تضم ما يقارب نصف طاقة تحلية المياه في العالم. وقد هيمنت تقنيتان رئيسيتان على السوق: التحلية الحرارية والتحلية الغشائية (التناضح العكسي). وشكّلت التحلية الحرارية الركيزة الأساسية في السعودية والإمارات والكويت، نظرًا لقدرتها على العمل بكفاءة في مياه الخليج شديدة الملوحة، وإمكانية استغلال الحرارة المهدرة من محطات توليد الطاقة. غير أن هذه التقنية تتسم بارتفاع استهلاكها للطاقة، إذ يتراوح بين 10 و14 كيلوواط/ساعة لكل متر مكعب، مقارنة بـ 4 إلى 6 كيلوواط/ساعة فقط لمحطات التناضح العكسي.

وخلال العقد الماضي، بدأ التوازن يميل لصالح تقنية التناضح العكسي الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. ففي سلطنة عُمان مثلًا، تمثل هذه التقنية نحو 75.7% من القدرة الإنتاجية. كما تستثمر السعودية بكثافة فيها من خلال مشروع رأس الخير ومحطة الجبيل 3.

إلا أن الخليج العربي يفرض تحديات فريدة على هذه التقنية، فهو بحر ضحل شبه مغلق يتعرض لتبخر شديد، ما يرفع ملوحته إلى ما بين 40 و45 ألف جزء في المليون، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 35 ألفًا. وتؤدي هذه الملوحة المرتفعة إلى زيادة الضغط الأسموزي، وتسريع تلف الأغشية، ورفع تكاليف التشغيل. كما أن كثافة المنشآت الساحلية تعني أن تصريف المحلول الملحي الساخن عالي الملوحة قد يُحدث “فقاعات” موضعية تزيد من تعقيد ظروف التشغيل للمحطات المجاورة.

مخاطر تغير المناخ على محطات التحلية

يمثل تغير المناخ عاملًا مضاعفًا للمخاطر، إذ يحوّل التحديات التشغيلية إلى مخاطر هيكلية. وتشير التوقعات إلى ارتفاع درجات حرارة مياه البحر بين 3 و6 درجات مئوية، وزيادة الملوحة بين 2.5% و5% بحلول عام 2100.

بالنسبة لمحطات التناضح العكسي، تُعد درجة حرارة المياه التي تتجاوز 32 درجة مئوية مقلقة للغاية، إذ تؤدي إلى تمدد مسام الأغشية وانخفاض كفاءة إزالة الأملاح. وقد أظهرت دراسة سابقة على محطة جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية احتمال انخفاض الإنتاجية بنسبة 6.5% نتيجة ارتفاع الحرارة والملوحة. وعلى مستوى المنطقة، قد يعني ذلك فقدان ملايين الأمتار المكعبة يوميًا بحلول نهاية القرن.

ظاهرة المد الأحمر في خليج عُمان عام 2008. النقاط الصفراء مواقع محطات تحلية مياه (المصدر: الدراسة)

كما يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر، المتوقع أن يتجاوز مترًا في بعض السيناريوهات، البنية التحتية الساحلية ومآخذ المياه. ويُضاف إلى ذلك خطر ازدهار الطحالب الضارة (المد الأحمر)، الذي قد يتفاقم مع موجات الحر وتغير التيارات البحرية.

وأظهرت تجارب سابقة، مثل عواصف خليج عُمان عام 2008، أن محطات التناضح العكسي أكثر تأثرًا بانسداد المرشحات نتيجة ارتفاع العكارة، مقارنة بالمحطات الحرارية. ويؤكد هذا التفاوت أن تأثير المناخ يختلف باختلاف التقنية المستخدمة.

استراتيجيات التكيف

تشير الدراسة إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب نهجًا شاملًا يجمع بين الابتكار التكنولوجي، وتنويع التقنيات، والإدارة البيئية الاستباقية. ويوصي الباحثون بعدم الاعتماد الكامل على تقنية واحدة، بل اعتماد أنظمة هجينة تجمع بين التناضح العكسي والتحلية الحرارية، بما يوفر مرونة تشغيلية في حالات الطوارئ مثل ازدهار الطحالب أو ارتفاع العكارة. كما يشددون على أهمية تطوير مزيج طاقة يضم مصادر متجددة، رغم التحديات المرتبطة بتأثر الطاقة الشمسية والرياح بالتغيرات المناخية.

وتبرز أهمية مآخذ المياه الجوفية الساحلية (الآبار أو الأنفاق الشاطئية)، التي توفر ترشيحًا طبيعيًا يقلل من العكارة والطحالب، رغم ارتفاع تكلفتها الاستثمارية الأولية، إلا أنها توفر وفورات تشغيلية وأمنًا أكبر للإمداد. وتؤكد الدراسة كذلك ضرورة تطوير تقنيات المعالجة المسبقة، مثل الترشيح الفائق والترشيح النانوي منخفض القطع الجزيئي، إلى جانب تحسين استراتيجيات التخثير لمعالجة المواد العضوية الطحلبية.

وأخيرًا، يدعو الباحثون إلى دمج توقعات المناخ في تصميم المحطات الجديدة، عبر زيادة قدرة التبريد، وتوسيع احتياطيات التخزين، مع تعزيز إدارة الطلب من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة وترشيد الاستهلاك.

وتخلص الدراسة إلى أن ضمان الأمن المائي في الخليج لم يعد مسألة إنتاج فحسب، بل مسألة مرونة واستباق واستعداد طويل الأمد في مواجهة مناخ يتغير بوتيرة متسارعة.

.

المراجع:

Climate change risks and resilience strategies for desalination plants in the Gulf region

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

تغير المناخ يهدد حبوب شمال أفريقيا

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons