.
يُعَدّ ألم البطن من الأعراض الشائعة لمرض التهاب الأمعاء (IBD)، ويؤثر هذا الأمر بشكل كبير في الصحة النفسية للمرضى وجودة حياتهم، حتى خلال فترات سكون المرض. ونظرًا لأن الألم غالبًا ما يستمر بعد حدوث الالتهاب الحاد في الأمعاء، مما يُمثل تحديًا طبيًا، فقد بات يُعترف علميًا بمرض التهاب الأمعاء بوصفه «اضطراب ألم». فإلى جانب إحساس الخلايا العصبية بالألم الناتج عن الالتهاب، قد يتفاقم الألم نتيجة البعد العاطفي المرتبط به.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن يتعلم الجسم الخوف من حدوث الألم؟ وما الذي قد يترتب على تعلّم هذا الخوف؟
حاولت دراسة حديثة نُشرت في مجلة “PAIN” الإجابة عن هذا السؤال، وقادت الفريق البحثي الدكتورة هانا أولمان من جامعة الرور في بوخوم بألمانيا.
سعت الدراسة إلى التحقق مما إذا كان تعلّم الخوف المرتبط بالألم الناتج عن داء الأمعاء الالتهابي يؤثر أيضًا في إدراك الألم خلال مرحلة سكون المرض. وأوضحت الدراسة أن ألم البطن لدى مرضى التهاب الأمعاء لا يحدث فقط نتيجة العمليات الالتهابية الحادة؛ ففي مراحل هدوء المرض تساهم آليات أخرى، غير الالتهاب الحاد، في استمرار الألم. ومن بين الاحتمالات المطروحة تغيّر المعالجة العاطفية للألم.
كما تبين أن تأثر إدراك الألم لدى الأفراد الذين يكتسبون خوفًا مرتبطًا بالألم يكون أكبر مقارنة بالأفراد الأصحاء. ويُعدّ الخوف من المشاعر الأساسية المرتبطة بالألم، إذ يؤدي إلى سلوكيات وقائية مثل الانسحاب أو التجنب. وبما أن ألم البطن قد يُشير إلى احتمال تلف في الأنسجة أو ظهور أعراض هضمية وشيكة، يتعلم المرضى ربط محفزات معينة قريبة زمنيًا من نوبات الألم بالشعور بالخطر، فينشأ لديهم خوف تلقائي منها بهدف تجنبها، وهو ما قد يوفر لهم حماية فعلية.
غير أن هذا الخوف قد يؤدي إلى إدراك ألم البطن بوصفه تهديدًا متزايدًا، مما يُطيل أمد الألم. أي أن المرضى قد يتعلمون الخوف من الألم ذاته. وأظهرت الدراسة بالفعل زيادة في الشعور بعدم الارتياح وارتفاع شدة الألم بعد تعلّم الخوف.
وتدعم هذه النتائج دراسات سابقة أظهرت وجود تغيرات هيكلية ووظيفية في أدمغة مرضى التهاب الأمعاء، لا سيما في المناطق المسؤولة عن معالجة الخوف والألم، وهو ما يفتح آفاقًا علاجية جديدة. كما أشارت الدراسة إلى أن تكرار الألم يؤدي إلى نوع من التكيّف، حيث ترتبط محفزات معينة بالألم، مما يُسبب خوفًا استباقيًا لدى المريض. ويساهم تعلّم الخوف بدرجة كبيرة في تحوّل الألم إلى حالة مزمنة، وقد دُرس هذا الأمر على نطاق واسع في حالات الألم المزمن، بما في ذلك متلازمة القولون العصبي (IBS)، التي تُعد اضطرابًا في التفاعل بين الأمعاء والدماغ.
وتتجلى هذه الظاهرة أيضًا فيما يُعرف بتأثير «النوسيبو» (Nocebo Effect)، حيث تُفاقم التوقعات السلبية الاستباقية الأعراض الجسدية كالألم. لذلك تسعى بروتوكولات العلاج السلوكي المعرفي إلى استهداف هذه التوقعات ومعالجتها. وتكمن أهمية فهم الآليات النفسية للألم في حالات الالتهاب المتكرر لدى مرضى داء الأمعاء الالتهابي في أنها قد تُسهم في تطوير علاجات مخصصة، تشمل تدخلات نفسية مثل العلاج بالتعرّض أو العلاجات القائمة على نموذج الخوف والتجنب.
وتقول الدكتورة هانا أولمان من مركز علم النفس الطبي وعلم الأعصاب الانتقالي بجامعة الرور في بوخوم: “إن حقيقة أن مرضى التهاب الأمعاء غالبًا ما يعانون من أعراض مثل ألم البطن حتى خلال مراحل هدوء المرض تشير إلى أن آليات أخرى غير العمليات الالتهابية الحادة تساهم في استمرار الألم. أحد هذه الاحتمالات هو تغيّر المعالجة العاطفية للألم”.
كيف تحقق الباحثون من هذه النتائج؟
قارن الباحثون إدراك الألم لدى الأفراد الأصحاء ومرضى التهاب الأمعاء باستخدام تجربة تعليمية قائمة على تعلّم الخوف وإخماده. وبناءً على نتائجهم، أوصوا بتطوير علاجات شخصية تراعي هذه الآليات النفسية.
شارك في الدراسة 43 شخصًا، شُخِّص 21 منهم بالتهاب القولون التقرحي، وهو أحد الأنواع الفرعية لالتهاب الأمعاء ويصيب القولون أساسًا، بينما شكّل الباقون مجموعة ضابطة من الأصحاء.
في اليوم الأول، عُرضت على المشاركين مؤثرات بصرية مختلفة على شاشة. وأثناء عرض أحد هذه المؤثرات، تم تعريض أسفل البطن لحرارة مؤلمة (مع تحديد حد أقصى للحرارة عند 50 درجة مئوية لأسباب تتعلق بالسلامة).
بعد ذلك، عُرض مؤثر بصري آخر دون تعريض المشاركين للحرارة المؤلمة. هدفت هذه المرحلة إلى إكساب المشاركين خوفًا مرتبطًا بالألم. وفي المرحلة التالية، خضع المشاركون لمرحلة “إخماد” الخوف، حيث عُرضت المؤثرات البصرية دون أي تحفيز مؤلم، مما أدى إلى انخفاض الخوف المرتبط بالألم. وبذلك تلقى المشاركون تدريبًا على اكتساب الخوف ثم إخماده.
في اليوم الثاني، تكررت مرحلة الإخماد، ثم تعرّض المشاركون بشكل غير متوقع لحرارة مؤلمة مرة أخرى، دون عرض أي مؤثرات بصرية.
وتقول الدكتورة أولمان: “أردنا اختبار ما إذا كان مرضى التهاب الأمعاء يدركون الألم بشكل مختلف عن الأفراد الأصحاء، وما إذا كان ذلك مرتبطًا بعملية تعلّم الخوف”.
وأظهرت النتائج أن مرضى التهاب الأمعاء شعروا بألم الحرارة بوصفه أكثر إزعاجًا وأشدّ حدة عند إعادة التعرض له مقارنة بالمشاركين الأصحاء. كما ارتبط ازدياد الخوف المرتبط بالألم في اليوم الأول بشعور أكبر بالألم في اليوم الثاني، غير أن هذا الارتباط ظهر فقط لدى مجموعة المرضى. وكشفت تحليلات إضافية أن التعلم القائم على الخوف شكّل العامل الأساسي في الشعور بعدم الارتياح من الألم، بينما أثّر بشكل غير مباشر في شدته، ما يؤكد الدور المهم للجانب العاطفي في تجربة الألم.
وتختتم الدكتورة أولمان قائلة: “تشير بياناتنا إلى ضرورة دراسة الأساليب النفسية “مثل العلاج السلوكي المعرفي، الذي يستهدف الخوف والتجنب تحديدًا” بصورة منهجية، وتطبيقها أيضًا على أمراض التهابية مزمنة أخرى مرتبطة بالألم، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي أو الانتباذ البطاني الرحمي.”
.
المصادر
1- https://journals.lww.com/pain/fulltext/9900/fear_induced_hyperalgesia_in_quiescent.1072.aspx
2- https://news.rub.de/english/press-releases/2025-12-11-medical-psychology-emotions-play-role-inflammatory-bowel-disease
.
تواصل مع الكاتب: alsaudi86@gmail.com
الذكاء الاصطناعي يحسّن دقة تشخيص سرطان القولون