مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

وفقاً لدراسة حديثة

تغير المناخ يهدد حبوب شمال أفريقيا

الكاتب

الصغير محمد الغربي

صحفي علمي

الوقت

09:17 صباحًا

تاريخ النشر

15, فبراير 2026

.

يشهد مناخ الأرض تغيرات سريعة وغير مسبوقة نتيجة الأنشطة البشرية المسببة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مما أدى إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة بنحو 1.1 إلى 1.2 درجة مئوية خلال العقود الخمسة الماضية. ورغم أن منطقة شمال أفريقيا لا تسهم إلا بنسبة 1.76% من الانبعاثات العالمية، فإنها تُعدّ من بين أكثر المناطق تأثرًا بالتغيرات المناخية.

وتُظهر دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة بريشيا الإيطالية أن المنطقة تشهد بالفعل ارتفاعًا في درجات الحرارة بمعدل يفوق المتوسط العالمي بمرتين، إذ يقدَّر بنحو 0.4 درجة مئوية لكل عقد. ويهدد هذا الاضطراب الأمن الغذائي بشكل مباشر، نظرًا لاعتماد السكان على الحبوب في أكثر من 50% من احتياجاتهم الغذائية. وخلصت الدراسة إلى أن دول المغرب العربي ومصر قد تواجه مستقبلًا انخفاضًا حادًا في المحاصيل الزراعية نتيجة انهيار الزراعة البعلية، التي تُعدّ ركيزة أساسية للاقتصاد، وذلك بحلول نهاية القرن إذا لم تُتخذ تدابير جذرية للحد من الانبعاثات.

تغير المناخ وتراجع إنتاج الحبوب

على الرغم من التزامات اتفاقية باريس بالحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، فإن احتمال تجاوز هذه العتبة في السنوات المقبلة بات مرتفعًا للغاية، وفقًا للدراسة. وقد أصبح هذا الواقع ملموسًا في شمال أفريقيا، حيث تكشف بيانات الاستشعار عن بُعد تفاقمًا غير مسبوق في الشذوذات الحرارية الإقليمية. ويظهر الاحترار بوضوح خلال أشهر الصيف، مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة الدنيا وزيادة عدد الليالي الدافئة، ما يجعل المنطقة بؤرة عالمية لتغير المناخ.

وفي الوقت نفسه، يشهد نمط هطول الأمطار تحولًا هيكليًا متفاوتًا بين أقاليم المنطقة؛ ففي حين تتكرر حالات الأمطار الغزيرة والفيضانات المدمرة في الجزء الغربي، يعاني الجزء الشرقي من جفاف مزمن يتسم بانخفاض عدد الأيام الممطرة وتزايد فترات الجفاف المتتالية. ومن المرجح أن يتفاقم نقص الموارد المائية مع ارتفاع الطلب المتوقع على المياه بنسبة 23% بحلول عام 2050 نتيجة التوسع الحضري والنمو السكاني.

وقد تجاوزت دول مثل تونس والجزائر وليبيا بالفعل عتبة ندرة المياه الحرجة التي حددتها منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). ويضاف إلى ذلك خطر ارتفاع مستوى سطح البحر؛ ففي دلتا النيل مثلًا، يهدد تسرب المياه المالحة والعواصف المدّية نحو 30% من الأراضي الزراعية الخصبة، مما يعرض سكان المناطق المنخفضة لمخاطر جسيمة.

وتشير الدراسة إلى أن هذه التغيرات المناخية ستلقي بظلالها الثقيلة على إنتاج القمح والشعير، خاصة أن الزراعة في شمال أفريقيا – باستثناء مصر – تعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار. ومن المتوقع أن يؤدي ازدياد الجفاف وتدهور رطوبة التربة إلى تأثيرات سلبية حادة على دورات نمو المحاصيل. كما تُظهر التوقعات أن ارتفاع درجات الحرارة الشتوية بنسبة 1% فقط قد يؤدي إلى انخفاض إجمالي الإنتاج الزراعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 1.12%.

وتزداد خطورة هذه التغيرات نظرًا لأن القطاع الزراعي لا يزال يشغّل أكثر من 30% من سكان المنطقة، ويسهم بنسبة تتراوح بين 10 و13% من الناتج المحلي الإجمالي (باستثناء ليبيا). وتشير التقديرات إلى أن انخفاض الإنتاجية قد يصل إلى نحو 34%، ما قد يدفع الدول إلى مضاعفة وارداتها الغذائية ثلاث مرات لتعويض الخسائر.

ويجعل هذا الاعتماد المتزايد على الأسواق العالمية المنطقة عرضة لتقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات، وهو ما يؤثر بشكل غير متناسب على المجتمعات الأشد فقرًا. وتظهر المحاكاة أنه في ظل سيناريو الانبعاثات المرتفعة (RCP 8.5)، قد يتعرض إنتاج الحبوب لتراجع شبه كامل بحلول عام 2100، مما يجعل الاستقرار الغذائي مستحيلًا دون خفض صارم للانبعاثات العالمية بعد عام 2055.

مخاطر اجتماعية واقتصادية

لا تقتصر آثار تغير المناخ على المؤشرات الزراعية فحسب، بل يُعدّ عاملًا مضاعفًا للمخاطر الاجتماعية والاقتصادية. وتحذر الدراسة من أن ندرة المياه وتراجع الأراضي الصالحة للزراعة يزيدان من حدة التنافس بين المجتمعات، مما يرفع خطر النزاعات الأهلية، لا سيما في المناطق الريفية المهمشة التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة.

كما تبرز الهجرة بوصفها خيارًا أخيرًا للتكيف مع تدهور الظروف البيئية. ويتوقع البنك الدولي أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات مناخية واسعة النطاق، قد يصل عدد النازحين داخليًا في شمال أفريقيا إلى 19 مليون شخص بحلول عام 2050. ويؤدي هذا النزوح إلى تفاقم البطالة، واتساع الأحياء الفقيرة، وزيادة الضغط على البنية التحتية الصحية والتعليمية في المدن.

إضافة إلى ذلك، أصبحت المنطقة محطة عبور ومقصدًا للمهاجرين من منطقة الساحل، الذين تدفعهم أيضًا الأزمات البيئية إلى التوجه شمالًا، ما يزيد الضغط على الاقتصادات المحلية الهشة. كما ينعكس هذا الوضع الهش بشكل خاص على النساء والفتيات في المناطق الريفية، إذ يرتفع العبء المنزلي عليهنّ مع تزايد ندرة المياه، مما يهدد استمرار تعليمهنّ في كثير من الحالات.

نحو استراتيجيات صمود مستدامة

لمواجهة هذا التدهور المتسارع، تدعو الدراسة إلى تحول عاجل نحو استراتيجيات مرونة هيكلية. ويؤكد الباحثون أن التكيف لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة ملحّة، تشمل تنويع الممارسات الزراعية، واعتماد نظام تدوير المحاصيل، واستخدام أصناف مقاومة للجفاف.

كما شددوا على أهمية دمج المعارف التقليدية المحلية مع الحلول العلمية الحديثة، والاستثمار في تقنيات الري الدقيق، وتطوير صناعات بديلة للزراعة لخلق شبكات أمان اقتصادي. ويعتمد نجاح هذه التدابير على قدرة دول شمال أفريقيا على تعزيز التعاون الإقليمي وتأمين الدعم المالي الدولي، إذ غالبًا ما يظل الابتكار التكنولوجي بعيد المنال عن صغار المزارعين.

وخلصت الدراسة إلى أن استقرار شمال أفريقيا على المدى الطويل سيتوقف على قدرتها على إعادة توجيه نموذجها التنموي نحو مسار قائم على الاستدامة والقدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية الحتمية.

.

المراجع:

Climate Change Impact on Cereal Production in Northern Africa: A Comprehensive Modeling and Control Approach

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

غابات المانغروف في قطر وتحديات المناخ والانسان

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x