إذا كان عامَا 2024 و2025 قد رسّخا في الغرب فكرة “الدواء الحي” بوصفه فئة علاجية تتجاوز المكملات الغذائية وتدخل رسميًا إلى عالم الأدوية الخاضعة للتجارب والرقابة، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا في السياق العربي لم يعد متعلقًا بجدية هذا المسار، بل بمدى استعدادنا لاستقباله وفهمه وتوطينه. لأن الميكروبيوم ليس دواءً يمكن نقله كما تُنقل الجزيئات الكيميائية، بل هو جزء من بيئة حيوية تتشكل عبر الغذاء والعادات والوراثة ونمط الحياة، وهذه كلها تختلف جذريًا بين المجتمعات.
في السنوات الأخيرة بدأ يتضح أن أحد أكبر أخطاء موجة البروبيوتيك السابقة كان التعامل مع الميكروبيوم كقائمة عالمية من “بكتيريا نافعة”، بينما الحقيقة التي ترسخت في 2024 و2025 هي أن الميكروبيوم شبكة وظيفية شديدة الخصوصية، وأن المجتمع الميكروبي في شخص يعيش في بيئة خليجية أو عربية قد لا يشبه بالضرورة ما بُنيت عليه معظم الدراسات الغربية.
لذلك يصبح من الصعب تصور أن علاجات الميكروبيوم ستنجح في المنطقة بمجرد استيرادها دون فهم السياق المحلي، لأن نجاح “الدواء الحي” يتأثر بالنظام الغذائي، وبالانتشار الواسع لاستخدام المضادات الحيوية، وباختلافات التعرض المبكر للميكروبات، وحتى بالتحولات السريعة التي شهدتها المجتمعات العربية خلال عقود قليلة من أنماط غذائية تقليدية إلى أنماط صناعية حديثة.
وهنا تظهر المفارقة المهمة: المنطقة العربية والخليجية ليست هامشًا بعيدًا عن هذا النقاش، بل هي في قلبه من زاوية عبء الأمراض المزمنة. فالسكري والسمنة والكبد الدهني واضطرابات الأيض أصبحت من أكبر تحديات الصحة العامة في المنطقة، وهي بالضبط من الحالات التي تشير الأدلة المتراكمة إلى أن الميكروبيوم يلعب فيها دورًا ما، حتى لو لم تتحول جميع هذه الفرضيات بعد إلى علاجات معتمدة. ولذلك فإن الاهتمام بعلاجات الميكروبيوم ليس ترفًا علميًا، بل قد يكون مسارًا استراتيجيًا طويل الأمد في مواجهة أمراض العصر في المجتمعات العربية.
التحدي الأكبر عربيًا
لكن التحدي الأكبر عربيًا لا يكمن في العلم وحده، بل في الفجوة التنظيمية والثقافية التي قد تسمح بتكرار الفوضى التي شهدها الغرب في موجة المكملات، ولكن بصورة أكثر حدة. لأن مصطلح الميكروبيوم دخل الوعي العام غالبًا عبر منتجات تجارية وتسويق علاجي فضفاض، ما يخلق خطرًا حقيقيًا: أن تُطرح تدخلات غير مثبتة تحت شعار “العلاج بالبكتيريا” قبل أن تتشكل أطر رقابية واضحة تميز بين مكمل غذائي وبين منتج علاجي حي خاضع لتجارب وتصنيع صارم. وفي هذا السياق تصبح تجربة FDA مرجعية مهمة ليس فقط لأنها سبقت في الموافقات، بل لأنها تقدم نموذجًا لكيف يمكن ضبط مجال معقد لا يقاس فيه الدواء بتركيز مادة واحدة بل بهوية منظومة حية كاملة.
هل العالم العربي سيكتفي باستيراد هذه المنتجات عندما تنضج، أم سيبني قدرة محلية على تطويرها؟
لأن “العلاجات الحية” ليست كبسولات سهلة التصنيع، بل تحتاج إلى بنية تحتية متقدمة في الميكروبيولوجيا والتسلسل الجينومي ومعايير جودة خاصة بالكائنات الحية، فضلًا عن قدرة على متابعة السلامة طويلة المدى ومنع مخاطر انتقال الجينات المقاومة أو حدوث تغيرات غير متوقعة في السلالات. وهذه متطلبات تجعل الاستثمار في هذا المجال مختلفًا جذريًا عن الاستثمار في صناعة الأدوية التقليدية، لكنه في الوقت نفسه يفتح نافذة حقيقية لبناء قطاع تقني حيوي جديد في المنطقة إذا أُخذ بجدية.
الأكثر إثارة أن مستقبل الميكروبيوم قد يكون أحد المسارات القليلة التي تمنح العالم العربي فرصة لتطوير طب شخصي فعلي مرتبط بخصوصيته البيئية والغذائية. فالمنطقة تمتلك أنماطًا غذائية وثقافية ومناخية مختلفة، والتحولات السريعة في نمط الحياة تخلق مختبرًا طبيعيًا لفهم كيف يتغير الميكروبيوم وكيف يرتبط بالأمراض المزمنة. ومن هنا فإن بناء قواعد بيانات ميكروبية عربية، وربطها بمؤشرات أيضية ومناعية، قد يكون خطوة تأسيسية تجعل المنطقة ليست مجرد سوق لعلاجات مستوردة، بل مساهمًا في إنتاج المعرفة العلاجية ذاتها.
ما الذي نحتاجه عربيًا خلال السنوات الخمس القادمة؟
إذا أردنا أن لا نكون مجرد مستهلكين لموجة “الدواء الحي”، فهناك ثلاث خطوات استراتيجية:
1- مشاريع وطنية لرسم خريطة الميكروبيوم العربي والخليجي
كما فعلت دول مع الجينوم البشري.
2- إطار تنظيمي واضح يفرق بين المكملات والعلاجات الحية
مستلهم من FDA لكن مكيّف محليًا.
3- بناء شراكات بحثية وتصنيعية لإنتاج LBP داخل المنطقة
بدل الاعتماد الكامل على الاستيراد.
إذا أردنا أن نلخص ما الذي يعنيه تحول 2024 و2025 عربيًا في عبارة واحدة، فهي أن الميكروبيوم لم يعد قصة علمية تُقرأ من بعيد، بل أصبح سؤالًا صحيًا وتنظيميًا واقتصاديًا يطرق أبواب المنطقة.
والاختيار المطروح ليس بين القبول أو الرفض، بل بين أن نستقبل “الدواء الحي” كمستهلكين في نهاية السلسلة، أو أن نبدأ مبكرًا ببناء العلم والتنظيم والبنية التحتية التي تجعلنا جزءًا من هذا التحول الطبي العالمي. لأن المستقبل هنا لا يتعلق فقط ببكتيريا مصممة، بل بتعريف جديد لمعنى الدواء، وبفرصة لإعادة صياغة الطب في المنطقة قبل أن تسبقنا الفوضى أو يسبقنا الآخرون.