.

.
تمثل منظمة المجتمع العلمي العربي «أرسكو»، التي نحتفل بمرور خمسة عشر عامًا على تأسيسها، منصةً بحثيةً رائدة، ومشروعًا علميًا وفكريًا ثريًا، يضطلع بدورٍ محوري في إحياء وتجديد الاهتمام بالتراث العلمي العربي والإسلامي.
ولا تقتصر أهميتها على كونها مصدرًا توثيقيًا فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم إطارٍ منهجي يتيح قراءةً تحليليةً نقدية للإنتاج المعرفي في الحضارة العربية الإسلامية، ضمن سياقه التاريخي والثقافي الشامل.
لقد أسهمت «أرسكو» إسهامًا جوهريًا في إعادة تشكيل التصورات السائدة حول الفكر العلمي العربي الكلاسيكي، من خلال كشفها عن المناهج الدقيقة، والنظريات التأسيسية، والإسهامات التراكمية التي قدمها العلماء العرب والمسلمون في شتى المجالات، من الرياضيات والفلك والطب، إلى الكيمياء والبصريات. كما قدمت المنظمة رؤى استشرافية سعت من خلالها إلى استنباط الآليات الفكرية والمنهجية التي مكّنت العقل العلمي العربي والإسلامي من إنتاج معرفة علمية عالمية، تجاوز بها التحديات التي واجهته في عصره. وقد استهدفت هذه الجهود إثراء الحوار العلمي المعاصر، ومواجهة الإشكاليات المعرفية الراهنة، وبناء جسور التواصل بين الموروث والمعاصرة، وتشكيل وعيٍ جديد بتراث علمي كان جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المعرفة العلمية العالمية.
وبعبارةٍ أخرى، خلقت منظمة المجتمع العلمي العربي (أرسكو) حوارًا خلاقًا بين هذا التراث والتحديات الراهنة، سعيًا لتحديد الشروط الضرورية لبعث عطاءٍ علمي مبدع، يليق بإرث الأجداد ويتناسب مع متطلبات العصر.
لقد شهدتُ بنفسي اهتمام «أرسكو» بتاريخ العلوم العربية والإسلامية، وجهودها في تسليط الضوء على الجوانب الثرية في التراث العلمي العربي والتعريف بها، واكتشاف «مداد العلماء العرب والمسلمين» في بناء المعرفة الإنسانية، من خلال تقديم دراسات وبحوث وترجمات رصينة في تاريخ العلوم عند العرب، أنجزها باحثون أكفاء، أمثال نقولا فارس، ورشدي راشد، وأنطوان زحلان، ومحمد أبطوي، ويوسف بن عثمان، وغيرهم من العلماء الذين يغذون هذا الحقل المعرفي باجتهاداتهم، ومن بينهم خالد قطب، كاتب هذه السطور.
لقد كنتُ على وعيٍ بالرسالة الجوهرية لـ«أرسكو» منذ لحظة انضمامي إلى هذه المنظمة، والمتمثلة في بناء وتطوير مجتمعٍ علمي حيوي ومنتج، يقوم على مبدأ التعاون بين العلماء والباحثين عبر التخصصات المختلفة. ويهدف هذا البناء إلى تعزيز التعاون في إطار برامج بحثية استراتيجية، تخدم في نهاية المطاف الغاية السامية التي من أجلها وُجد الإنسان، وهي عمارة الأرض بمعناها الشامل، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة، ورفاهية الإنسان، والحفاظ على الموارد، والإسهام في رقي الحضارة الإنسانية.
وتستند عملية البناء هذه إلى ثلاثة أركان منهجية أساسية تمثل، مجتمعةً، رؤية المنظمة، وهي:
أولًا، الوعي بتاريخ العلم عبر تطبيق المناهج النقدية لفهم سياقات تطور الأفكار والمناهج، واستخلاص الدروس، واستكشاف الاستمرارية بين الموروث والمعاصر.
ثانيًا، التقيد بالمنهجية العلمية الدقيقة، باعتبارها الضامنة لإنتاج معرفة علمية موثوقة وقابلة للتحقق، وقادرة على تفسير الظواهر ومواجهة التحديات.
وثالثًا، تعزيز ثقافة النقد والتقويم المستمر، من خلال تشجيع التساؤلات النقدية ومراجعة المعارف القائمة، لضمان ديناميكية المعرفة وتجددها وتصحيح مسارها.

.
تواصل مع الكاتب: kqutb@qu.edu.qa