.

.
في الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس منظمة المجتمع العلمي العربي (أرسكو)، تبرز هذه المناسبة بوصفها محطة تأمل عميقة في مسار تجربة عربية اختارت أن تراهن على العلم بوصفه قوة استراتيجية طويلة الأمد، لا شعارًا ظرفيًا أو ترفًا ثقافيًا. خمسة عشر عامًا استطاعت خلالها أرسكو أن ترسّخ حضورها كإطار جامع للفكر العلمي العربي، ومختبرًا مفتوحًا لإعادة التفكير في علاقة العلم بالهوية، والتنمية، وصناعة القرار.
ما يميّز تجربة أرسكو أنها لم تنطلق من منطق ردّ الفعل أو محاكاة النماذج السائدة، بل من سؤال تأسيسي: كيف يمكن بناء علم عربي معاصر، متصل بالسياق العالمي، دون أن يفقد جذوره الثقافية واللغوية؟ هذا السؤال ظل حاضرًا في أنشطة المنظمة ومبادراتها ومنصاتها المعرفية، فكان التركيز على اللغة العربية العلمية، وعلى النقد البنّاء لواقع البحث العلمي، وعلى فتح نقاشات جادة حول سياسات العلم والتعليم والابتكار في العالم العربي.
لقد أسهمت أرسكو في إعادة الاعتبار لدور العلماء والباحثين بوصفهم فاعلين اجتماعيين، لا مجرد منتجين لأوراق بحثية معزولة عن الواقع. فمن خلال الندوات، والحوارات، والمقالات، سعت المنظمة إلى ربط المعرفة العلمية بقضايا التنمية المستدامة، والبيئة، والصحة، والطاقة، والتحول الرقمي، واضعةً العلم في قلب النقاش العام، لا على هامشه.
ومن زاوية أكاديمية، تمثل أرسكو تجربة مهمة في بناء مجتمع معرفي عربي عابر للحدود الجغرافية، يعتمد على التعاون والتشارك بدل التنافس الضيق. فقد وفّرت فضاءً تفاعليًا يلتقي فيه الباحثون من تخصصات وخلفيات مختلفة، ويتبادلون الرؤى والخبرات في بيئة تحترم الاختلاف وتؤمن بأن التقدم العلمي لا يتحقق إلا بتكامل الجهود.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للدكتورة موزة بنت محمد الربان، مؤسسة المنظمة ورئيسة مجلس أمنائها، التي جسّدت نموذج العالم الملتزم بقضايا أمته، والقادر على الجمع بين الدقة العلمية والوعي الحضاري. إن رؤيتها لأرسكو كمشروع طويل النفس، يراكم المعرفة ويبني الوعي، كانت ولا تزال عنصرًا حاسمًا في استمرارية المنظمة وثبات بوصلتها الفكرية.
إن التحديات التي تواجه العلم في العالم العربي ما تزال كبيرة، من ضعف التمويل إلى هجرة العقول، ومن فجوة التعليم إلى غياب السياسات العلمية المتكاملة. غير أن تجربة أرسكو تؤكد أن العمل المؤسسي الجاد، القائم على رؤية واضحة وإيمان عميق بقيمة العلم، قادر على إحداث أثر حقيقي، ولو على المدى التراكمي.
في عيدها الخامس عشر، لا نحتفي بمنظمة فحسب، بل نحتفي بفكرة: أن العلم مشروع حضاري، وأن بناء المستقبل العربي يبدأ من استعادة الثقة بالعقل، وبالبحث، وبالعمل المعرفي المشترك. وأرسكو، بما راكمته من خبرات وأفكار، تمثل إحدى العلامات المضيئة في هذا المسار الطويل

.
تواصل مع الكاتب: drsamirabdulhamid@gmail.com