.
يتناول المقال دور التكنولوجيا الحيوية بوصفها أداة محورية في تعزيز الأمن الغذائي العالمي، من خلال تطوير محاصيل أكثر قدرة على التكيّف مع التغير المناخي، وتحسين القيمة الغذائية، واستحداث مصادر غذاء بديلة ومستدامة، بما يفتح آفاقًا جديدة لمستقبل غذائي أكثر مرونة وعدالة.
لم يعد الأمن الغذائي مسألة إنتاج كميات أكبر من الطعام فحسب، بل تحوّل إلى معادلة معقّدة تتقاطع فيها ندرة الموارد، وتغيّر المناخ، والنمو السكاني، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. في هذا المشهد المتأزم، لم تعد الزراعة التقليدية قادرة وحدها على الاستجابة للتحديات المتسارعة، وبرزت التكنولوجيا الحيوية بوصفها أحد أكثر المسارات العلمية وعدًا لإعادة صياغة مستقبل الغذاء على أسس أكثر استدامة ومرونة.
التكنولوجيا الحيوية الزراعية لا تنطلق من فكرة “التلاعب بالطبيعة”، كما يُساء فهمها أحيانًا، بل من فهم أعمق لآلياتها الجزيئية، وتسخير هذا الفهم لتحسين كفاءة الإنتاج، وحماية الموارد، وتعزيز قدرة النظم الزراعية على التكيّف مع البيئات القاسية. إنها انتقال من الزراعة القائمة على التجربة والخطأ إلى زراعة قائمة على المعرفة الدقيقة بالجينات والخلايا والأنظمة الحيوية.
أحد أبرز أدوار الهندسة الحيوية يتمثل في تطوير محاصيل قادرة على مقاومة الإجهادات البيئية المتزايدة. فالجفاف، والملوحة، وارتفاع درجات الحرارة لم تعد استثناءات مناخية، بل أصبحت سمات دائمة في مناطق واسعة من العالم، لا سيما في الأقاليم الجافة وشبه الجافة. ومن خلال تقنيات متقدمة في تحسين الصفات الوراثية، بات بالإمكان استنباط أصناف نباتية تحافظ على إنتاجيتها تحت ظروف كانت تُعد سابقًا غير صالحة للزراعة، ما يعيد رسم الخريطة الزراعية العالمية.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك دور التكنولوجيا الحيوية في تحسين القيمة الغذائية للمحاصيل. فالأمن الغذائي لا يعني وفرة السعرات الحرارية فقط، بل يشمل أيضًا جودة الغذاء وتوازنه الغذائي. وقد مكّنت التقنيات الحيوية من تعزيز محتوى الفيتامينات والمعادن والبروتينات في بعض المحاصيل الأساسية، في محاولة لمواجهة ما يُعرف بـ “الجوع الخفي”، حيث يحصل ملايين البشر على غذاء كافٍ من حيث الكم، لكنه فقير من حيث القيمة الغذائية.
وفي موازاة تطوير النباتات، تشهد مصادر الغذاء نفسها تحوّلًا جذريًا. فالهندسة الحيوية تقف اليوم خلف ثورة البروتينات البديلة، سواء النباتية أو المزروعة مخبريًا. فاللحوم المستزرعة من الخلايا، والبروتينات المنتَجة عبر التخمر الدقيق، لم تعد أفكارًا مستقبلية، بل مشاريع صناعية قائمة تهدف إلى تقليل الضغط على الأراضي الزراعية، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتقليل استهلاك المياه، دون التخلي عن الاحتياجات الغذائية المتزايدة.
كما تلعب التكنولوجيا الحيوية دورًا حاسمًا في تقليل الفاقد الغذائي، وهو أحد أكبر التحديات الخفية للأمن الغذائي العالمي. فمن خلال تطوير محاصيل ذات عمر تخزيني أطول، أو مقاومة أفضل للأمراض والآفات، يمكن تقليل الخسائر التي تحدث بين الحقل والمستهلك، والتي تبتلع نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي سنويًا. هذا الجانب، وإن بدا تقنيًا، يحمل أثرًا اقتصاديًا وبيئيًا بالغ الأهمية.
غير أن هذه التحولات العلمية لا تخلو من أسئلة أخلاقية وتنظيمية. فالتكنولوجيا الحيوية، بما تحمله من قوة، تفرض ضرورة وجود أطر حوكمة رشيدة توازن بين الابتكار والسلامة، وبين تسريع الحلول وضمان العدالة في الوصول إليها. فالتحدي لا يكمن فقط في إنتاج غذاء أكثر، بل في ضمان ألا تتحول هذه التقنيات إلى امتياز محصور بدول أو شركات بعينها، على حساب صغار المزارعين أو الدول النامية.
في السياق العربي، تكتسب التكنولوجيا الحيوية الزراعية أهمية مضاعفة. فالكثير من الدول العربية تقع ضمن أكثر مناطق العالم هشاشةً مناخيًا، وتعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الغذاء. وهنا، تمثل الهندسة الحيوية فرصة استراتيجية للانتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق السيادة الغذائية، عبر تطوير حلول محلية تتلاءم مع الخصوصيات البيئية والمائية، بدل استنساخ نماذج زراعية غير مناسبة.
في الوطن العربي، لا تبدو العلاقة بين التكنولوجيا الحيوية والأمن الغذائي طرحًا نظريًا أو ترفًا بحثيًا، بل ضرورة يومية تفرضها الجغرافيا والمناخ. ففي مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، حيث يتراجع الهطول المطري وتتزايد ملوحة التربة، انتقلت بعض الدول من مرحلة التجريب إلى التطبيق الميداني. على سبيل المثال، شهدت السنوات الأخيرة تطوير أصناف محلية من القمح والشعير والتمور في مراكز بحثية عربية، أُخضعت لبرامج تحسين حيوي دقيقة مكّنتها من الحفاظ على إنتاجيتها تحت إجهاد الجفاف والحرارة، مع خفض واضح في استهلاك المياه.
هذه الجهود، التي نُفّذت بالتكامل بين الباحثين والمزارعين، لم تُقدَّم بوصفها حلولًا إعلامية سريعة، بل كمسارات تراكمية لبناء سيادة غذائية حقيقية، تعكس انتقال البحث الحيوي العربي من المختبر إلى الحقل، ومن الاستيراد المعرفي إلى إنتاج حلول تنبع من الواقع المحلي نفسه.
إن مستقبل الغذاء لن يُبنى في الحقول وحدها، ولا في المختبرات بمعزل عن الواقع، بل في المساحة المشتركة بين العلم والمجتمع، بين الابتكار والحكمة. والتكنولوجيا الحيوية، حين تُدار بوعي ومسؤولية، لا تقدّم مجرد أدوات جديدة، بل تفتح أفقًا لإعادة التفكير في علاقتنا بالغذاء، وبالطبيعة، وبالأجيال القادمة.
في عالم تتزايد فيه الضغوط على الموارد، تصبح الهندسة الحيوية ليست خيارًا تقنيًا، بل ضرورة حضارية. فهي لا تعد بحلول سحرية، لكنها تمنح الإنسانية فرصة حقيقية لإعادة التوازن إلى نظام غذائي يئنّ تحت وطأة التغيرات المتسارعة، وتعيد الأمل في مستقبل يستطيع فيه العلم أن يطعم العالم دون أن يستنزفه.
.
المصادر
Agricultural Biotechnology
https://www.fao.org/biotechnology
World Food Programme – Food Security and Innovation
https://www.wfp.org
Nature Biotechnology – Food and Agriculture
https://www.nature.com/nbt
OECD – Biotechnology and Food Security
https://www.oecd.org/biotechnology
WHO – Biotechnology and Nutrition
https://www.who.int
.
تواصل مع الكاتب: drsamirabdulhamid@gmail.com
الكائنات المعدلة وراثياً