مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

كيف سيغيّر الوكلاء الأذكياء مستقبل العمل والبحث العلمي؟

من النماذج اللغوية إلى الذكاء الوكيلي

Agentic AI
الكاتب

محمد مراد جمال

كاتب علمي في التقنية

الوقت

02:08 مساءً

تاريخ النشر

29, يناير 2026

.

يتناول المقال التحوّل الجوهري في مسار الذكاء الاصطناعي من النماذج اللغوية التفاعلية إلى الذكاء الوكيلي (Agentic AI)، الذي يمتلك القدرة على المبادرة والتخطيط واتخاذ القرار بدل الاكتفاء بالاستجابة للأوامر. ويستعرض أثر هذا التحول على مستقبل العمل والبحث العلمي، حيث يعيد تعريف الإنتاجية ودور الباحث، ويطرح في الوقت نفسه أسئلة أخلاقية ومعرفية عميقة حول حدود الوكالة الرقمية ومسؤولية الإنسان في توجيه هذا الذكاء المتنامي.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة متقدّمة تُنفّذ أوامر الإنسان بسرعة ودقّة أعلى، بل بدأ يتحوّل بهدوء إلى كيانٍ رقميٍّ قادر على المبادرة، واتخاذ القرار، والتعلّم من التجربة، والتفاعل مع بيئته الرقمية بطريقة أقرب إلى “الفاعل” منها إلى “الأداة”. هذا التحوّل الجوهري هو ما يُعرف اليوم بمفهوم الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، وهو أحد أكثر التحولات التقنية عمقًا وتأثيرًا في مسار الذكاء الاصطناعي المعاصر.

خلال السنوات القليلة الماضية، ركّز الاهتمام العالمي على النماذج اللغوية الضخمة (Large Language Models) بوصفها قمّة التطور في الذكاء الاصطناعي، لما أظهرته من قدرة لافتة على فهم اللغة الطبيعية، وتوليد النصوص، والبرمجة، والتحليل، والمحادثة. غير أن هذه النماذج، رغم قوتها، ظلّت تعمل ضمن إطار تفاعلي محدود: المستخدم يطرح سؤالًا، والنموذج يجيب. العلاقة كانت خطّية، والذكاء “مهما بلغ”  ظلّ أسير الطلب المباشر.

اليوم، يتجاوز الذكاء الاصطناعي هذا القيد. فالذكاء الوكيلي لا ينتظر السؤال، بل يحدّد الهدف، ويخطّط للوصول إليه، ويجزّئ المهام، ويختار الأدوات المناسبة، ويراقب النتائج، ويُعدّل استراتيجيته بناءً على التغذية الراجعة. نحن أمام انتقال نوعي من “الاستجابة” إلى “الوكالة”، ومن التنفيذ إلى المبادرة.

الوكيل الذكي هو نظام يجمع بين النموذج اللغوي، وذاكرة طويلة الأمد، وقدرات تخطيط، وإمكانية استخدام أدوات خارجية مثل قواعد البيانات، ومحركات البحث، والبرمجيات، وواجهات البرمجة. بهذا المعنى، لا يعمل الوكيل الذكي داخل نصٍّ مغلق، بل يتحرّك داخل منظومة رقمية مفتوحة، ويتفاعل معها كما يفعل الباحث أو الموظف البشري، ولكن بسرعة أعلى ودون إرهاق.

بيئة العمل

يُعيد هذا التحوّل صياغة مفهوم الإنتاجية ذاته. لم يعد الموظف يعتمد على أداة واحدة لإنجاز مهمة محددة، بل بات قادرًا على تفويض سلسلة كاملة من الأعمال إلى وكيل ذكي: جمع المعلومات، تحليل البيانات، إعداد التقارير، مراجعة الوثائق، بل وحتى اقتراح القرارات. في المؤسسات البحثية، يمكن للوكيل الذكي أن يعمل كمساعد بحثي مستقل نسبيًا، يتابع الأدبيات العلمية، يقارن النتائج، يحدّد الفجوات المعرفية، ويقترح مسارات بحث جديدة، تاركًا للباحث البشري دور التوجيه النقدي وصناعة المعنى.

البحث العلمي

الذكاء الوكيلي يفتح أفقًا غير مسبوق لما يمكن تسميته “البحث شبه الذاتي”. فبدل أن يضطر الباحث إلى التنقّل يدويًا بين آلاف الأوراق العلمية، يمكن للوكيل الذكي أن يتولّى هذه المهمة، ويقدّم خلاصة تحليلية، ويقترح فرضيات، بل ويُصمّم تجارب رقمية أولية لاختبارها. هذا لا يعني استبدال الباحث، بل إعادة تعريف دوره من منفّذٍ للتفاصيل إلى مهندسٍ للأسئلة الكبرى.

ومع ذلك، فإن هذا التحوّل لا يخلو من تحديات عميقة. فكلما ازدادت قدرة الوكيل الذكي على اتخاذ القرار، ازدادت الحاجة إلى مساءلته وفهم منطق عمله. تظهر هنا أسئلة أخلاقية وقانونية معقّدة: من المسؤول عن قرارات وكيل ذكي في بيئة حسّاسة؟ كيف نضمن ألّا تتحوّل الاستقلالية الرقمية إلى انحراف غير مقصود؟ وكيف نرسم حدود الوكالة دون خنق الابتكار؟

التحدّي الأعمق ربما لا يكمن في التقنية نفسها، بل في علاقتنا بها. فالمجتمعات التي تنجح في توظيف الذكاء الوكيلي لن تكون تلك التي تستهلكه فحسب، بل التي تفهمه، وتُعيد صياغته بما يتلاءم مع أولوياتها الثقافية والاقتصادية والعلمية.

في العالم العربي، يطرح هذا التحوّل فرصة مزدوجة: إمّا أن نكون مجرّد مستخدمين لوكلاء أذكياء صُمّموا وفق سياقات أخرى، أو أن نشارك في تطوير وكلاء يعكسون لغتنا، ومعارفنا، واحتياجاتنا البحثية والتنموية.

الذكاء الوكيلي ليس قفزة تقنية فحسب، بل لحظة فلسفية في تاريخ العلاقة بين الإنسان والآلة. نحن ننتقل من أدوات نفكّر بها، إلى كيانات نفكّر معها. وفي هذا التحوّل، تتغيّر طبيعة العمل، ومعنى البحث، وحدود المسؤولية، وربما تعريف الذكاء ذاته. المستقبل لم يعد سؤالًا عن مدى ذكاء الآلة، بل عن مدى حكمتنا في توجيه هذا الذكاء.

.

المصادر

OpenAI – Agentic AI Overview
https://openai.com/research

Google DeepMind – Agents and Planning
https://deepmind.google/research

Microsoft Research – Autonomous Agents
https://www.microsoft.com/en-us/research

Stanford HAI – Foundation Models and Agents
https://hai.stanford.edu

IBM Research – AI Agents and Decision Systems
https://research.ibm.com

.

تواصل مع الكاتب: mohamedmouradgamal@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x