مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

البن السعودي حينما تطَوع نواميس الصحراء

الكاتب

الدكتور نزار حداد

مدير برنامج منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في السعودية

الوقت

04:34 مساءً

تاريخ النشر

27, يناير 2026

.

على حوافّ الربع الخالي، حيث تتحدى جبالُ السروات الشامخة قسوةَ الرمضاء، يسطّر المزارعُ السعوديُّ ملحمةً تُطوِّع نواميسَ الطبيعة وتتحدّى المُسلَّماتِ العلمية. هناك، في تلك البقاع التي يُظنّ للوهلة الأولى أن الحياة فيها ضربٌ من المُحال، حيث تلامس درجاتُ الحرارة صيفًا عتبةَ الخمسين درجةً مئوية، ولا يتجاوز الهطولُ المطريُّ السنوي مائةَ مليمتر، تزهو شجيراتُ البُنّ العربيّ (Coffee Arabica) بخُضرتها في واحدةٍ من أشدّ مناطق العالم جفافًا. إنها قصةٌ تتجاوز فعلَ الزراعة المجرّد لتغدو ضربًا من الفنّ الوجداني، ومزيجًا مدهشًا بين إرثٍ إنسانيٍّ ضاربٍ في القِدَم وتقنياتٍ حديثةٍ ترسم ملامحَ مستقبل الأمن الغذائي والسيادة على الغذاء.

لقد تطوّر البُنُّ العربيُّ تاريخيًا كشجيرةٍ تعشق الظلال تحت أكناف الغابات المطيرة، ودرجات حرارةٍ معتدلة لا تتجاوز 25 درجةً مئوية، ومعدلاتِ هطول أمطارٍ تتراوح بين (1500–2000) ملم سنويًا. لذا، فإن زراعتَه على تخوم صحراءَ رمليةٍ تُعدّ، للوهلة الأولى، مغامرةً استثنائية. غير أن أكثر من (4000) مزارعٍ من مزارعي المرتفعات في جازان وعسير والباحة كان لهم رأيٌ آخر؛ إذ تحدّوا هذه المعايير وحقّقوا ما لم يجرؤ غيرهم على الحلم به، محوّلين تلك الجبال إلى «حزامٍ أخضر» يُنتج أفخرَ أنواع القهوة السعودية المُختصّة.

وتُمثّل شراكةُ منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مع برنامج ريف السعودية نموذجًا مُلهمًا في «أنسنة المعرفة» ونقلها؛ حيث انصهرت المعارفُ التقليديةُ المتراكمة عبر القرون في بوتقة الممارسات العلمية الحديثة. فتعلّم المزارعُ تطويعَ التحديات المناخية، وتحويلَ شحّ المياه والمنحدرات الوعرة إلى بيئةٍ مثاليةٍ لإنتاج محصولٍ يلبّي أدقَّ معايير الجودة والقهوة المختصّة (Specialty Coffee).

وفي قلب هذا الحراك العلمي الطموح، يبرز التوجّهُ الاستراتيجيُّ لإنشاء مجمّعٍ وراثيٍّ متطورٍ للبُنّ، كمشروعٍ وطنيٍّ يُمثّل كنزًا وراثيًا لمستقبل البُنّ في المملكة، بل وفي جميع المناطق الجافة حول العالم. ولسنا هنا بصدد مشتلٍ تقليدي أو بستانٍ اعتيادي، بل نموذجٍ من «المختبرات الحيّة» (Living Labs)، يعتمد على تقنيات زراعة الأنسجة (Tissue Culture) لضمان استنساخ وتكثير السلالات المحلية التي أثبتت كفاءتها عبر القرون. وقد أسهمت منظمة (الفاو) في إنتاج (10,000) شتلة من البُنّ العربي باستخدام هذه التقنيات، فيما يتمثل التحدّي الأكبر في تحديد البيئات المناسبة للإكثار، وتطوير بروتوكولاتٍ مخبريةٍ ملائمة لكل صنف.

إن الجينات المحلية لأشجار البُنّ العربي في السعودية هي نتاجُ أكثر من ستة قرونٍ من «الانتخاب الطبيعي» في بيئةٍ قاسية. وقد طوّرت هذه الشجيرات «ذكاءً فطريًا» ومرونةً بيئية (Resilience) أدهشت العلماء، بامتلاكها آلياتٍ حيويةً معقّدة، من أبرزها التفعيل المبكّر لمسار حمض الأبسيسيك (ABA)، الذي يعمل كجهاز إنذارٍ داخليٍّ يتحكّم في إغلاق المسامات للحدّ من فقدان المياه خلال فترات الإجهاد الحراري. ومن خلال زراعة الأنسجة، أنتج خبراءُ منظمة (الفاو) ومركز «استدامة» شتلاتٍ مطابقةً للأصول الوراثية المحلية، خاليةً من الآفات، ومهيّأةً لمواجهة التطرّف المناخي، فاتحةً آفاقًا واسعة ليس فقط للاكتفاء المحلي، بل لتصدير هذه «الجينات المقاومة» إلى مناطق عديدة من العالم.

وقد تحقّقت نتائج ملموسة خلال عامٍ واحدٍ من التطبيق الميداني للممارسات الزراعية الجيّدة، عبر التعاون بين الفريق الفني لمنظمة (الفاو) وبرنامج «ريف السعودية»؛ إذ انخفض الطلب على مياه الري بنسبة (30%)، ما حسّن كفاءة استخدام المياه وخفّض تكاليف الإنتاج المرتفعة المرتبطة بنقل المياه إلى المدرّجات الجبلية. ويُعدّ هذا إنجازًا مهمًا في منطقةٍ لا يتجاوز فيها متوسط الهطول المطري السنوي (200) ملم (منظمة الأغذية والزراعة، 2024). كما انخفض معدّل نفوق الأشجار الناتج عن الإجهاد بشكلٍ ملحوظ، وتضاعفت إنتاجية الشجرة الواحدة من (3.5) إلى (7) كغم من الكرز في المزارع التجريبية. إضافةً إلى ذلك، تعاونت منظمة (الفاو) مع «المؤسسة العامة للري» لتنفيذ حقولٍ إرشادية ومزارع إيضاحية لتطبيق تقنيات الري الذكي، بالاعتماد على الموارد المحلية والخبرات الوطنية والدولية.

وقد أبدع مزارعو المرتفعات في المملكة، عبر العصور، في ما يمكن تسميته «هندسة الجمال» (Beauty Engineering)، إذ حوّلوا المنحدرات الحادّة إلى مدرّجاتٍ حجريةٍ صُمّمت بذكاءٍ فطري لالتقاط كل قطرة مطر. ولم تكن هذه المدرّجات مجرّد هياكل صمّاء، بل «رئات» تخلق بيئةً دقيقة (Microclimate) مثاليةً لنمو البُنّ. ومن خلال تقنيات الحصاد المائي وتوجيه الجريان السطحي نحو الخزانات، قلّل المزارعون اعتمادهم على المياه الجوفية، محقّقين معادلة الاستدامة الصعبة.

ويكتمل المشهد بإدخال نظام الزراعة الحرجية (Agroforestry)، حيث تُزرع أشجارٌ سريعة النمو لتشكّل مظلّةً طبيعية (Canopy) تحمي شجيرات البُنّ من لفح الشمس والعواصف، وتوفّر بيئةً داعمةً للكائنات النافعة التي تسهم في المكافحة الحيوية للآفات. ويتيح هذا النظام، الذي تروّج له منظمة (الفاو) وشركاؤها، تنويع مصادر الدخل عبر دمج زراعة الموز وأشجار الفاكهة مع البُنّ، بما يعزّز خصوبة التربة واستدامتها.

ولم يكن فوزُ منتجين سعوديين بجوائز عالمية مرموقة في جودة البُنّ وليد الصدفة، بل تتويجًا لمسيرةٍ طويلة من المثابرة، بدعم رؤية وزارة البيئة والمياه والزراعة، وبرنامج «ريف السعودية»، والإسناد الفني المتخصص من خبراء منظمة (الفاو). وقد أسهم هذا التكامل في نقل المزارع السعودي من نمطٍ معيشي تقليدي إلى ممارسات زراعية تجارية مستدامة، جعلت من البُنّ السعودي أيقونةً عالمية، تُوّجت بتسجيله مشروبًا تراثيًا عام 2015، وإدراج أساليب زراعته ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي في نوفمبر 2022.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تُعدّ المملكة من بين أعلى (20) دولةً في استهلاك البُنّ عالميًا (وزارة الزراعة الأمريكية، 2024)، إذ يتجاوز الطلب السنوي (80) ألف طن من الحبوب الخضراء، بقيمة سوقية تقديرية تبلغ (4.3) مليار دولار أمريكي، مقابل إنتاجٍ محلي لا يتجاوز (2000) طن. ويُقدَّر الاستهلاك اليومي للقهوة بنحو (36) مليون كوب، فيما تتراوح أسعار البُنّ السعودي بين (90.5) ريال للثمار الجافة و(149.5) ريال للحبوب الخضراء و(195.5) ريال للحبوب المُحمّصة.

إن ما يحدث اليوم في ما أحبّ تسميته «حزام البُنّ السعودي» ليس مجرّد مشروعٍ زراعي، بل شاهدٌ حيّ على أن المعارف الزراعية التقليدية لا تتناقض مع العلم الحديث، بل تُكمله وتُجمله. وحين يعانق العلمُ شغفَ الإنسان وإرثه، يصبح المستحيل في متناول يد المثابر. إنها رحلة بدأت بشتلةٍ تهمس في أذن الجبل، وتستمر اليوم بعلم الأنسجة وتقنيات الري الحديثة، لتبقى شجرةُ البُنّ السعودي رمزًا للصمود وعنوانًا لريادةٍ تليق بمكانة المملكة العالمية، في ظل شراكةٍ ممتدة بين وزارة البيئة والمياه والزراعة ومنظمة (الفاو)، إسهامًا في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

.

المراجع

[1] FAO (2024a). Advancing coffee breeding and genetic conservation through tissue culture technology in Saudi Arabia. Riyadh. https://www.fao.org/countryprofiles/news-archive/detail-news/en/c/1731370/

[1] FAO (2024b). Retaining heritage and transforming production: The success of smallholder coffee farmers of Saudi Arabia. Riyadh. https://www.fao.org/countryprofiles/news-archive/detail-news/en/c/1726737

[1] Merga D. and Beksisa L. (2023). Mechanisms of Drought Tolerance in Coffee (Coffea arabica L.): Implication for Genetic Improvement Program: Review. American Journal of BioScience, 11(3): 63-70. https://doi.org/10.11648/j.ajbio.20231103.12

[1] USDA (2024). Coffee: World Markets and Trade in Global Market Analysis by United States Department of Agriculture Foreign Agricultural Service. Accessed on 1st December 2025 from: https://apps.fas.usda.gov/psdonline/circulars/coffee.pdf

[1] Alnafissa, M., Alagsam, F., Almojel, S., Alamri, Y., Algarini, A., & Ismail, A. (2024). Segmentation and spending patterns in the Saudi Arabian coffee market. Cogent Business & Management, 11(1). https://doi.org/10.1080/23311975.2024.2369214

[1] Sahu Y. (2024). KSA Coffee Market Outlook to 2030. Ken Research Report. Accessed on 8th December 2025 from: https://www.kenresearch.com/industry-reports/ksa-coffee-market

[1] Saudi Arabia drinks 36 million cups of coffee daily, $320 million push to boost production

.

البريد الإلكتروني للكاتب: Nizar.Haddad@fao.org

الدكتور نزار حداد من الكفاءات العربية في مجالي الزراعة والابتكار الزراعي، وكاتب متخصص في قضايا البيئة والتنمية الزراعية المستدامة، إذ يجمع بين خلفية أكاديمية رصينة تشمل دكتوراه في الهندسة الزراعية، وماجستير في النظم الزراعية وأخر في الإدارة والدراسات الاستراتيجية، إضافة إلى دبلوم عالي في إدارة الموارد الوطنية.

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x