مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

العلوم الإنسانية وتحديات التحول الرقمي

الكاتب

د. ناجي مجدي العوضي

مدرس فلسفة العلوم / كلية الآداب - جامعة المنصورة

الوقت

09:13 صباحًا

تاريخ النشر

13, يناير 2026

.

في السنوات الأخيرة، ومع التطور المذهل لأدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح تطبيق هذه التقنيات على البحث العلمي “تدريجيًا” أمرًا لا مفرّ منه. ورغم ما يكشف عنه الأداء الراهن للذكاء الاصطناعي من عيوب جوهرية في بعض مجالات البحث العلمي، فإن الاتجاه العام نحو توظيفه في العلوم يبدو اتجاهًا لا رجعة فيه. ويُمكن النظر إلى هذا التحول بوصفه تحدّيًا شاملًا للعلوم بوجه عام، وللعلوم الإنسانية بوجه خاص.

أولًا: أزمة العلوم الإنسانية

يطرح هذا السياق سؤالًا جوهريًا: لماذا العلوم الإنسانية بصفة خاصة؟ وتكمن إحدى الإجابات في ما أعلنته الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم رسميًا من أن العلوم الإنسانية تشهد تراجعًا خطيرًا، وهو ما أقرّ به كذلك المجلس الأمريكي للجمعيات العلمية منذ أكثر من عقد من الزمان.

في الواقع، إن الحديث عن أزمة العلوم الإنسانية وضعف قدرتها التنافسية مقارنة بالعلوم الطبيعية ليس أمرًا مستحدثًا، بل يعود إلى عقود طويلة، حتى أصبح هذا الخطاب مألوفًا إلى حدّ أن بعض الباحثين في العلوم الإنسانية اعتادوا التعايش مع فكرة الأزمة، بل ورضي بعضهم بوجودها بوصفها حالة دائمة، عوضًا عن السعي إلى تأسيس مبرر معرفي واضح وقوي لوجود هذه العلوم ودورها.

وفي هذا الإطار، كتب الدكتور أحمد أبو زيد في أبريل من عام 1970 مقالته المعروفة بعنوان «أزمة العلوم الإنسانية»، حيث ذهب إلى أن أزمة هذه العلوم هي في جوهرها «أزمة كيان»، نشأت من السعي إلى إثبات وجود العلوم الإنسانية وتحديد موقعها بين سائر العلوم والمعارف تحديدًا واضحًا ونهائيًا ومعترفًا به، سواء من جانب المشتغلين بالعلوم الطبيعية والبيولوجية، أو من جانب الباحثين في العلوم الإنسانية أنفسهم.

ومن ناحية أخرى، كثيرًا ما يُعزى تراجع العلوم الإنسانية وضعف قدرتها على المنافسة إلى الفارق المنهجي بينها وبين العلوم الطبيعية؛ إذ تعتمد الأخيرة على المنهج التجريبي القائم على الصرامة والضبط، في حين تستند العلوم الإنسانية إلى مناهج متعددة ومتشعبة، وغالبًا ما يُنظر إلى نتائجها بوصفها أقل موضوعية أو حيادية، وهو ما أسهم في ترسيخ صورة نمطية عن هشاشتها المنهجية.

وقد تفاقمت هذه الأزمة مع مطلع القرن الحادي والعشرين. ففي عام 2005، نشر مؤرخ العلوم الإنسانية الأمريكي جيفري جالت هارفام (1946–) مقالته المعنونة «أزمة العلوم الإنسانية: ما قبلها وما بعدها»، حيث أشار إلى جملة من العوامل التي تقف وراء الأزمة الراهنة، من أبرزها: انخفاض أعداد الملتحقين بالتخصصات الإنسانية، وتراجع الدورات والمنح المخصصة لها، والانهيار الأخلاقي والافتقار الفكري الذي يطبع روح العصر، وعجز كثير من الباحثين في العلوم الإنسانية عن نقل أفكارهم إلى الجمهور العام داخل الأوساط الأكاديمية وخارجها، وهو ما وصفه بـ«أزمة المنطق»، فضلًا عن ضعف التمويل سواء من القطاع العام أو الخاص.

ومع أواخر العقد الثاني وبدايات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، دخل العلم مرحلة جديدة بات فيها التقدم المعرفي قائمًا على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل التعلم الآلي، والتعلم العميق، والأساليب الإحصائية المتقدمة، وتحليلات البيانات، وأنظمة التحكم الآلي. وقد أتاح هذا التحول بناء نماذج معرفية انطلاقًا من كميات هائلة من البيانات، ومعالجتها، واستخدامها منفردة أو بالاقتران مع المحاكاة الحاسوبية، لاستخلاص رؤى علمية ذات دلالة، وتحقيق طفرات نوعية في التقدم العلمي، وهو ما يطرح تحديات إضافية أمام العلوم الإنسانية ويعيد طرح السؤال حول موقعها ودورها في هذا المشهد المعرفي الجديد.

ثانيًا: هل تستطيع العلوم الإنسانية مجابهة التحدى التكنولوجي المعاصر، وحفظ مكانها بين العلوم الأخرى؟

إن دور العلوم الإنسانية في العصر الراهن، في ظل التطور المتسارع للعلوم التكنولوجية وعلوم الذكاء الاصطناعي، لا يزال قائمًا وضروريًا. ويعود ذلك إلى أن هذا التطور التكنولوجي قد أفرز طيفًا واسعًا من الإشكاليات الاجتماعية والفلسفية، وأثار أسئلة وجودية ومعرفية وأخلاقية معقّدة تتعلق بتأثير هذه التقنيات، وأنماط استخدامها، وموقع الإنسان في عالم تزداد فيه الوسائط التقنية حضورًا وهيمنة. بل إن هذه التحولات قد أسهمت، إلى حدٍّ بعيد، في تصاعد المخاوف المرتبطة بالعلم ذاته بوصفه نشاطًا إنسانيًا له أبعاده القيمية والمسؤوليات الأخلاقية.

وفي هذا السياق، تضطلع العلوم الإنسانية بدور محوري يتمثل في إضفاء البعد الإنساني على العلم والتكنولوجيا. فالعلوم الإنسانية، على نحو لا يضاهيه أي مجال معرفي آخر، تُنمّي لدى الإنسان قدراته على الشعور والتفكير، وتُعلّمه مهارات القراءة والكتابة والتفكير النقدي والتواصل. وليس المقصود بالتواصل هنا الحديث مع الآخرين فحسب، بل الحوار الداخلي مع الذات أيضًا، وهو ما يُعرف بالوعي الذاتي، أي ذلك النمط من الوعي العميق بالحضور الإنساني في العالم.

ومن ثمّ، تُقرّبنا العلوم الإنسانية من فهم سرّ الوعي الإنساني، ومن إدراك جوانب عديدة من الواقع نختبرها بوصفها حقيقية، رغم أنها لا تخضع دائمًا للقياس الكمي أو الضبط التجريبي. وهي، فضلًا عن ذلك، تُسهم في تحرير طاقات التعاطف الإنساني وتعزيزها، كما تُعلّمنا فهم المأساة الإنسانية، والتعامل مع الخسارة، والتناقض، وغموض الوجود، بوصفها عناصر أصيلة في التجربة البشرية.

وتتمثل حقيقة العلوم الإنسانية، في جوهرها، في إيمان ديناميكي بالمعرفة التي يُنتجها الإنسان وينقلها عبر الأجيال. وهو إيمان ديناميكي لأن العلوم الإنسانية لا تعمل كبنوك بيانات جامدة أو أنساق معرفية مغلقة، بل تقوم على النقد المستمر وإعادة التقييم الدائم لما تُنتجه وتُداوله من معارف، بما يجعلها قادرة على مواكبة التحولات التاريخية والثقافية المتجددة.

ثالثًا: هل تستطيع أن تستفيد العلوم الإنسانية هى الأخرى من التطبيقات التكنولوجية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؟

إن الإجابة، ببساطة، تكمن في دمج العلوم الإنسانية بالوسائط والتقنيات الرقمية والذكية، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد دار في الأوساط الأكاديمية، على مدى سنوات طويلة، نقاش موسّع حول محدودية النموذج العلمي القائم على التخصص المفرط في مجال معرفي واحد لإنتاج المعرفة، إذ تبيّن أن هذا النموذج لا يسهم في بناء هيكل معرفي متين بقدر ما يعيق تطوره واندفاعه إلى الأمام. ومع بدء تفكك التنظيم الجامد للتخصصات العلمية خلال القرن الحادي والعشرين، أشار عدد متزايد من الباحثين إلى أن النموذج السائد لإنتاج المعرفة لم يعد كافيًا لتفسير تعقيدات العالم المعاصر، وأن المجتمع الحديث ذاته بات يفرض ضرورة إعادة تصوّره وإعادة بنائه على أسس أكثر تداخلًا وانفتاحًا.

وفي هذا السياق، لاحظ العلماء أن الرقمنة لم تكتفِ بتحدي هياكل المعرفة التقليدية وتحويلها، بل أسهمت كذلك في إنشاء هياكل علمية جديدة عبر مختلف فروع العلم. وعلى مستوى العلوم الإنسانية تحديدًا، برز هيكل معرفي جديد يُعرف بـ«العلوم الإنسانية الرقمية» أو «الإنسانيات الرقمية».

وتُعرَّف العلوم الإنسانية الرقمية، كما يذهب أحد القادة المعترف بهم في هذا المجال، باتريك سفينسون (أستاذ زائر للعلوم الإنسانية الرقمية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس)، بأنها «مجال تقاطعي يجمع بين العلوم الإنسانية وتكنولوجيا المعلومات أو التكنولوجيا الرقمية».

لقد تجلّى التقدّم في مجال العلوم الإنسانية الرقمية عبر مسارين رئيسين. يتمثل المسار الأول في حركة بحثية تهتم بدراسة التأثيرات الاجتماعية والفلسفية للانتشار الرقمي المعاصر، وما يترتب عليه من تحولات تمسّ الفرد والجماعة على حدّ سواء، سواء في أنماط التفكير أو التفاعل أو إنتاج المعنى. أمّا المسار الثاني، فيتمثل في حركة متعددة التخصصات يشترك فيها باحثو العلوم الإنسانية مع علماء الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات، وتركّز على إعادة إنتاج موضوعات العلوم الإنسانية أو ابتكار موضوعات جديدة، وتحليلها بطرائق مغايرة من خلال توظيف التقنيات الرقمية والوسائط الذكية المتنوعة. ومن ثمّ تسهم هذه الحركة في بلورة مفاهيم ونظريات جديدة، من شأنها دفع العلوم الإنسانية، بمختلف تخصصاتها، نحو آفاق معرفية أكثر اتساعًا.

وفي الختام، يرى الباحث أن الحاجة الملحّة اليوم تتمثل في تطوير علوم إنسانية رقمية متوازنة، إذ ليس من الضروري أن تتحول جميع فروع العلوم الإنسانية إلى علوم إنسانية رقمية بالمعنى الكامل. غير أن معظم هذه العلوم لن تبقى على حالها دون تغيير، ذلك أنها تواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في رقمنة موضوع الدراسة ذاته*، أو في اعتماد مناهج وأدوات مدعومة رقميًا في البحث، أو في الجمع بين الأمرين معًا. ومن ثمّ، يصبح لزامًا على الباحث في العلوم الإنسانية أن يمتلك قدرًا من الكفاءة والمنهجية الرقمية، أو أن يكون “رقميًا” إلى حدٍّ ما، بما يمكّنه من استيعاب موضوع دراسته والتعامل معه تعاملاً علميًا ملائمًا.

أعنى أن التحول الرقمي لا يقتصر على استخدام أدوات رقمية في البحث (كالبرمجيات أو قواعد البيانات)، بل يمتد إلى تغيّر طبيعة الظاهرة أو الموضوع الذي تدرسه العلوم الإنسانية. أي أن موضوع البحث نفسه يصبح ناتجًا عن البيئة الرقمية، أو مُعاد التشكّل بفعلها.

.

المصادر

  1. أحمد أبو زيد: أزمة العلوم الإنسانية، ع1، م1، مجلة عالم الفكر، الكويت، 1970.
  2. جمال شعبان: الإنسانيات الرقمية: بحث فى الماهية، المناهج، التقنيات والبنية التحتية، مجلة أفاق للبحوث والدراسات، م4، ع2، الجزائر،2021.
  3. جون ماكنزى أوين: المقالة العلمية فى عصر الرقمنة، ترجمة وتقديم: حشمت قاسم، المركز القومى للترجمة، ط1، القاهرة، 2011.
  4. نور الدين الشابى: التفاعل بين العلوم الإنسانية والذكاء الاصطناعى: رؤية نظرية، مجلة مجلة شئون إجتماعية، ع163، الشارقة، 2024.
  5. يمنى طريف الخولى: مشكلة العلوم الإنسانية “تقنياتها وإمكانية حلها”، دار الثقافة للنشر والتوزيع،ط2، القاهرة، 1996.
  6. Geoffrey Galt Harpham: beneath and Beyond the “Crisis in the Humanities” New Literary History, Volume 36, Number 1, Winter 2005.
  7. Alok Choudhary and others: AI for Science (Ch1), in Artificial Intelligence for Science” A Deep Learning Revolution”, World Scientific Publishing Company, London, 2023.
  8. http://digitalhumanities.org/dhq/vol/4/1/000080/000080.html
  9. Eileen Gardiner,Ronald G. Musto: The Digital Humanities “A Primer for Students and Scholars”, Cambridge University Press, 2015.
  10. Patrik Svensson, David Theo Goldberg: Between Humanities and the Digital, Massachusetts Institute of Technology Press, USA, 2015.

.

تواصل مع الكاتب: nagymagdy2022@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x