.
داء البريميات (Leptospirosis) ليس مرضًا جديدًا على الساحة الطبية. فهو عدوى بكتيرية تصيب البشر عادةً عبر المياه أو التربة الملوثة ببول الحيوانات، وخصوصًا القوارض. ورغم معرفتنا بهذا المرض منذ زمن طويل، ما تزال كثير من الدول تضعه ضمن فئة «الأمراض المهملة»، لا سيما في المناطق التي تعاني الفقر أو الصراع. ومن منظور الصحة العامة، لا ينبغي أن يمر تفشي داء البريميات مرور الكرام؛ إذ يمثل جرس إنذار واضحًا يكشف أين ومتى تنهار أنظمة الوقاية البيئية والصحية. وإذا أردنا مثالًا حيًّا على ذلك، فإن غزة اليوم تُظهر هذه العلاقة بصورة مكشوفة لا يمكن تجاهلها.
داء البريميات مرض بكتيري تسببه بكتيريا لولبية تُدعى Leptospira. تتميز هذه البكتيريا بأنها نحيفة وطويلة وسريعة الحركة، ومعروفة بقدرتها على اختراق الجلد المجروح، بل وحتى الأغشية المخاطية، بسهولة. وتُعد الحيوانات، وخصوصًا القوارض مثل الجرذان، المستودعَ الأساسي لها، كما يمكن أن تحملها أيضًا الكلاب والأبقار والأغنام والخنازير. تعيش البكتيريا في كلى هذه الحيوانات وتخرج مع البول، فتلوّث المياه أو التربة المحيطة. والمثير للاهتمام أنها قادرة على البقاء حيّة لفترات طويلة في المياه العذبة أو الطين أو التربة الرطبة، خاصة في المناطق الدافئة والرطبة.
ينتقل المرض إلى الإنسان غالبًا بشكل غير مباشر، عبر ملامسة مياه أو تربة ملوثة ببول الحيوانات المصابة، أو من خلال شرب مياه غير نظيفة. أما انتقاله من شخص إلى آخر فهو نادر جدًا، ولذلك يرتبط انتشاره بالبيئة المحيطة أكثر من ارتباطه بعدوى بشرية مباشرة.
تختلف الأعراض من شخص إلى آخر. ففي بعض الحالات، تكون خفيفة وتشبه أعراض الإنفلونزا، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات. لكن في حالات أخرى قد يتحول المرض إلى شكل شديد، يسبب اليرقان، والفشل الكلوي، والنزيف الرئوي، أو التهاب السحايا، وهي الحالة التي تُعرف بمتلازمة فايل. وتكمن المشكلة في أن أعراض داء البريميات تتشابه إلى حد كبير مع أعراض أمراض أخرى شائعة في البيئات الهشة، ما يؤدي إلى تأخر التشخيص والعلاج، وبالتالي زيادة خطورة المرض.
داء البريميات وارتباطه بالبنية التحتية للصحة العامة
على عكس كثير من الأمراض المعدية، لا تعتمد السيطرة على داء البريميات أساسًا على العلاج، بل تبدأ من الوقاية البيئية. فانتشاره يعكس بصورة مباشرة سلامة مصادر المياه، وشبكات الصرف الصحي، وإدارة النفايات، وبرامج مكافحة القوارض، وأمان البيوت وأماكن العمل. وباختصار، فإن ظهور تفشٍّ للمرض يعني أن عنصرًا أو أكثر من هذه الركائز الأساسية قد تعرّض للخلل أو الانهيار.
تفشي داء البريميات بوصفه دليلًا على فشل الصحة العامة
1. فشل أنظمة المياه والصرف الصحي (WASH)
تُعد المياه الملوثة بالصرف الصحي المدخلَ الرئيسي للمرض. وعندما تعجز الجهات المعنية عن توفير مياه نظيفة أو معالجة الصرف الصحي بشكل سليم، تصبح البيئة بأكملها أرضًا خصبة لانتشار العدوى. وفي هذه الحالة، لا يرتبط انتشار المرض بسلوك فردي أو تصرف شخصي، بل يكون نتيجة مباشرة لخلل بنيوي في الخدمات الأساسية.
2. ضعف برامج الصحة البيئية
إن تزايد أعداد القوارض وانتشارها يعكس عجزًا واضحًا في برامج مكافحة الآفات وإدارة النفايات. ويكشف داء البريميات هذا الفشل بوضوح، ليس فقط على مستوى القطاع الصحي، بل أيضًا على مستوى السياسات البيئية والبلدية.
3. ضعف الترصد الوبائي والتشخيص
غالبًا لا يُكتشف المرض إلا في مراحل متأخرة، أو بعد ارتفاع عدد الإصابات، وذلك بسبب ضعف القدرات المخبرية، وتشابه الأعراض مع أمراض أخرى، وغياب أنظمة الإنذار المبكر. ويعكس هذا القصور خللًا في أحد أهم أدوار الصحة العامة، وهو الكشف المبكر والاستجابة السريعة.
4. غياب التنسيق بين القطاعات (نهج الصحة الواحدة)
تتطلب السيطرة على داء البريميات تعاونًا وثيقًا بين القطاعات الصحية والبيطرية والبيئية. ويكشف غياب هذا التعاون عن خلل مؤسسي في تبني نهج «الصحة الواحدة» (One Health).
غزة: خصوصية الأزمة الصحية
1. دمار البنية التحتية بفعل الحرب
تعرضت غزة لدمار واسع في شبكات المياه والصرف الصحي. ونتيجة لذلك، اختلطت مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، وصُرفت مياه المجاري في الشوارع أو إلى البحر، واضطر السكان إلى استخدام مصادر مياه غير آمنة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تفشي داء البريميات شبه حتمي.
2. الاكتظاظ والنزوح
أجبرت الحرب آلاف العائلات على الإقامة في مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى أبسط شروط الصحة البيئية. وتراكمت النفايات، وانتشرت القوارض، وغابت وسائل الوقاية والحماية.
3. شلل خدمات البلديات والصحة البيئية
تعاني البلديات من نقص حاد في الوقود والمعدات والمواد الأساسية، ما أدى إلى تعطل جمع النفايات، وتوقف حملات رش المبيدات، وأصبح إصلاح شبكات الصرف الصحي شبه مستحيل.
4. هشاشة النظام الصحي
يعاني النظام الصحي في غزة نقصًا شديدًا في الكواشف المخبرية، والمضادات الحيوية، والكوادر المؤهلة، وهو ما يؤدي إلى التقليل من حجم المشكلة، وتأخر التوثيق والاستجابة.
داء البريميات كمؤشر على الانهيار البنيوي
في غزة، لا يمكن عزل داء البريميات عن سياقه السياسي والإنساني. فانتشار المرض لا يعكس فشل برنامج صحي بعينه، بل يكشف انهيار منظومة الخدمات الأساسية برمتها، ويُظهر ضعف قدرة المجتمع والجهات المسؤولة على الوقاية، ما يحوّل الأمراض البيئية إلى أوبئة تهدد الجميع. وهكذا يصبح داء البريميات مؤشرًا صريحًا على انهيار الصحة العامة بفعل الحرب والحصار.
الدلالات الأخلاقية والسياساتية
إن توثيق تفشي داء البريميات في غزة يسلط الضوء على الأثر الصحي الخفي للحرب، ويعزز أهمية دعم الجهود الإنسانية، ويؤكد ضرورة المطالبة بإعادة إعمار شبكات المياه والصرف الصحي بوصفها أولوية لا تحتمل التأجيل.
خلاصة القول
إن تفشي داء البريميات ليس مجرد حدث عابر في علم الأوبئة، بل شهادة واضحة على انهيار أنظمة الوقاية البيئية والصحية. وفي غزة، يعكس المرض بشكل مباشر تدمير البنية التحتية وضعف قدرة الصحة العامة على مواجهة الظروف القاسية. ولا يكمن الحل في العلاج وحده، بل في إعادة بناء شاملة لأنظمة المياه، والصرف الصحي، والصحة البيئية، بوصفها خط الدفاع الأول عن صحة السكان.
.
مصادر
– Centers for Disease Control and Prevention (CDC)
– World Health Organization (WHO) – Leptospirosis Outbreak Toolbox
– Pan American Health Organization (PAHO/WHO) – Leptospirosis
.
تواصل مع الكاتب: elmanama_144@yahoo.com
.
اقرأ أيضاً
الميكروبيوم