.
تُعدّ اللغة العربية واحدة من أقدم النظم اللغوية الحيّة التي استطاعت أن تحافظ على تراكيبها الأساسية وقواعدها الصرفية والنحوية عبر أكثر من ألف عام، وهو ما يجعلها حالة فريدة في تاريخ اللغات. غير أنّ ما يمنح العربية قيمتها الأكبر اليوم ليس مجرد امتدادها الزمني، بل قدرتها على أداء وظائف معرفية وعلمية في سياقات معاصرة تتطلب دقة، ومرونة، وفعالية في نقل المفاهيم. فقد شهدت العقود الأخيرة عودة الاهتمام باللغة العربية بوصفها أداة للخطاب العلمي، لا مجرد وعاء للثقافة أو الدين، الأمر الذي يفتح بابًا واسعًا لإعادة تقييم مكانتها في إنتاج المعرفة.
أحد أبرز ملامح هذه القدرة يتمثل في البنية الصرفية للعربية التي تقوم على مبدأ الجذر والوزن، وهو نظام يولد عددًا كبيرًا من المشتقات التي يمكن استخدامها لصياغة المصطلحات العلمية بطريقة منهجية. فالعربية لا تحتاج في كثير من الأحيان إلى الاقتراض من لغات أخرى بقدر ما تحتاج إلى تفعيل آلياتها الداخلية لتوليد مصطلح دقيق وشفاف دلاليًا. وقد أثبتت بحوث اللسانيات الحديثة أنّ اللغات التي تمتلك قدرة اشتقاقية عالية تكون عادة أكثر قابلية لاستيعاب المفاهيم الجديدة وترسيخها، وهو ما يمنح العربية ميزة تجعلها مناسبة لزمن تتوسع فيه العلوم بوتيرة متسارعة.
إضافة إلى ذلك، توفر العربية مستوى عاليًا من الإحكام الدلالي الذي يجعلها لغة صالحة لبناء حجج دقيقة وصياغة مفاهيم نظرية معقدة. إذ تمتاز الجملة العربية بمرونة تركيبية تسمح بتقديم وتأخير العناصر بما يعزز وضوح المعنى أو يضبط علاقاته المنطقية. وهذا ما يفسّر قدرتها التاريخية على احتضان تراث فلسفي وعلمي واسع، كما في أعمال الخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس، الذين صاغوا نصوصًا علمية دقيقة في الرياضيات والبصريات والطبّ بلغة تسمح بإعادة بناء التجربة أو البرهان دون غموض.
ومع التحولات الحديثة في البحث العلمي، تواجه العربية تحديًا مزدوجًا: الحاجة إلى تطوير خطاب علمي متناسق، والحاجة إلى مواكبة لغة النشر الدولي. غير أنّ هذا التحدي يمكن أن يتحول إلى فرصة إذا ما اعتُمد نموذج يقوم على الازدواجية العلمية، حيث تُستخدم العربية للإنتاج المعرفي المحلي والإقليمي وللتعليم الجامعي، في حين يبقى الانفتاح على اللغات العالمية مدخلًا لتبادل المعرفة. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن تطوير لغة العلم لا يتعارض مع الانخراط في المجتمع العلمي الدولي، مثل اليابان وكوريا اللتين حافظتا على لغتيهما في التعليم والبحث الداخلي دون التفريط في النشر العالمي.
العلاقة بين اللغة والابتكار
ولعلّ البعد الأكثر أهمية يتمثل في العلاقة بين اللغة والابتكار. فالأبحاث المعاصرة في علم الإدراك تشير إلى أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي إطار لتنظيم التفكير نفسه. ومن ثمّ فإن امتلاك لغة علمية عربية متينة يعني توفير بنية ذهنية قادرة على إنتاج أفكار جديدة من داخل الثقافة العربية، بدل الاكتفاء باستهلاك المعرفة القادمة من الخارج. ويظهر ذلك جليًا في المجالات التي تستند إلى التفكير المجرد مثل الرياضيات واللسانيات الحاسوبية، حيث يسهل استخدام العربية لبناء نماذج مفاهيمية أصيلة لا تعتمد على ترجمة حرفية.
إنّ مستقبل العربية كلغة علمية لا يتوقف على قدرتها الذاتية فحسب، بل على مدى استعداد المؤسسات العلمية والتعليمية لتبني رؤية واضحة لدورها. فتعريب العلوم ليس عملية لغوية بحتة، بل مشروع معرفي يحتاج إلى فرق بحثية تعمل على توحيد المصطلحات، وتحقيق النصوص العلمية التراثية، وبناء معاجم متخصصة قابلة للتحديث المستمر. كما يحتاج إلى سياسة لغوية تضمن حضور العربية في الجامعات ومراكز البحوث بوصفها لغة إنتاج لا مجرد لغة تدريس.
بهذه الرؤية، تصبح العربية ليست لغة تراثية أو هوية ثقافية فحسب، بل شريكًا في صياغة المعرفة العلمية الحديثة، وقادرة على أن تقدم نموذجًا لغويًا يوازن بين الأصالة والابتكار، وبين الجذور القديمة ومتطلبات المستقبل. وفي عالم تشهد فيه اللغات تحولات متسارعة، تملك العربية فرصة نادرة لتثبت أن قدرتها الاشتقاقية ومرونتها التركيبية ليست فقط ميراثًا تاريخيًا، بل أدوات فعالة لإنتاج العلم في القرن الحادي والعشرين.
.
البريد الإلكتروني للكاتب: AMJAD_SHAMAT699@gmail.com
في يوم اللغة العربية 2025