مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

تقنية متطورة من علاجات الأجسام المضادة

الكاتب

جمال مراد قيس

كاتب علمي في التقنية

الوقت

10:51 صباحًا

تاريخ النشر

14, ديسمبر 2025

.

في السنوات الأخيرة ازداد الاعتماد على الأجسام المضادة كأداة علاجية لتوجيه الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا المريضة أو تعطيل مسببات الأمراض، وهو ما جعلها أحد أعمدة الطب الحديث في علاج أنواع عديدة من السرطان، والأمراض المعدية، واضطرابات المناعة الذاتية. ومع ذلك ظل أسلوب توصيل هذه العلاجات يشكل عقبة أمام تحسين تجربة المرضى وتوسيع نطاق استفادتهم، لأن معظم الأجسام المضادة التقليدية تُعطى عن طريق التسريب الوريدي في المستشفيات، ما يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا وقدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة لدى كبار السن والمرضى المزمنين.

في هذا الإطار قدم فريق من المهندسين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تقدمًا مهمًا في طريقة توصيل الأجسام المضادة، بما يمكن أن يجعل العلاج أكثر سهولة وأقل إجهادًا للمريض، من خلال تطوير جسيمات صلبة عالية التركيز يمكن حقنها عبر محقنة عادية.

التحدي الأساسي الذي يواجه علاجات الأجسام المضادة التقليدية هو الكمية الكبيرة من المحلول المطلوب لكل جرعة، إذ يتم إعداد هذه المركبات في شكل محاليل ذات تركيزات منخفضة نسبيًا لأن زيادة التركيز في صورة سائلة يجعل السوائل كثيفة للغاية بحيث يصعب دفعها عبر إبرةٍ صغيرة. هذا الوضع أجبر الأطباء على استخدام التسريب الوريدي بكمية كبيرة من السائل، ما يحد من إمكانية إعطاء العلاج خارج مرافق الرعاية الصحية. سعى الباحثون في الدراسة الجديدة إلى تجاوز هذا القيد من خلال إعادة صياغة الأجسام المضادة في صورة جسيمات صلبة مركزة للغاية، يمكن تعليقها في محلول يسمح بحقنها باستخدام محقنة عادية.

تعتمد الطريقة الجديدة على تكوين قطرات صغيرة تحتوي على الأجسام المضادة بتركيز عالٍ في وسط مائي، تُعلق في مادة عضوية ثم تُجفف لتنتج جسيمات صلبة يبلغ تركيز الأجسام المضادة فيها حوالي 360 ملليغرام في كل مليلتر من المحلول، وهو رقم أعلى بكثير من التركيزات الممكنة في المحاليل السائلة التقليدية. هذه الجسيمات تضم أيضًا كمية قليلة من مادة مثبتة تعمل على الحفاظ على استقرارها، ويمكن تصنيع هذه الجسيمات بسرعة عبر نظام دقيق للتحكم في تدفق السوائل، ما يفتح المجال لإنتاجها على نطاق واسع باستخدام معدات تتوافق مع معايير الصناعة الدوائية.

أظهرت الاختبارات الميكانيكية أن القوة المطلوبة لدفع هذه الجسيمات عبر مكبس المحقنة منخفضة بما يكفي لتكون مناسبة للاستخدام السريري، حيث يمكن تحميل كمية كافية من العلاج في محقنة صغيرة لا تتجاوز اثنين ملليليتر، ما يقلل كثيرًا من حجم الحقن مقارنة بالتسريبات التقليدية. كذلك ثبت أن هذا الشكل من الجسيمات يبقى مستقرًا عند حفظه في الثلاجة لمدة لا تقل عن أربعة أشهر، ما يعطيه صلاحية تخزين جيدة مقارنة بالمنتجات الحالية.

من ناحية تطبيقية، يحمل هذا التقدم إمكانات كبيرة لتحسين جودة الحياة للمرضى الذين يحتاجون إلى علاجات دورية بالأجسام المضادة، مثل بعض مرضى السرطان، والذين يعانون من أمراض مناعية، أو أولئك المعرضين لخطر العدوى. إذ أن إمكانية إعطاء الجرعات بسرعة وبأقل قدر من التعقيد توفر مرونة أكبر في التوقيت والمكان، ويمكن أن تخفف الضغط على مرافق الرعاية الصحية وتجعل العلاج أكثر وصولاً للمرضى الذين يواجهون صعوبات في التنقل أو لديهم قيود صحية تحول دون الجلوس لساعات طويلة في المستشفى.

هذا التوجه في توصيل الأدوية ليس مجرد تحسين في شكل الحقن، بل يعكس تحولًا أوسع في فهمنا لكيفية تحسين العلاجات البيولوجية لتناسب احتياجات المجتمع المتغير، لا سيما مع تزايد متوسط الأعمار وتوسع الأمراض المزمنة. إذ تسعى الأبحاث الحديثة بشكل عام إلى تطوير طرق تسليم أكثر فاعلية وراحة، سواء من حيث الجرعة أو تكرار إعطائها، مع الحفاظ على الفعالية العلاجية واستقرار المركبات. وقد تناولت دراسات حديثة من خارج هذا العمل العلمي عددًا من الاستراتيجيات التي تهدف إلى تحسين تسليم الأجسام المضادة والأدوية البيولوجية الأخرى، منها أبحاث تركز على استهداف الخلايا داخل الجسم أو تطوير أنظمة تحمل العقار وتحرره تدريجيًا في الموقع المطلوب، ما يعزز فرص وصول الدواء إلى أهدافه وتقليل التأثيرات الجانبية.

وبينما تستعد الفرق البحثية الآن لاختبار هذه الجسيمات في نماذج حيوانية ودفعها نحو التجارب السريرية اللاحقة، يبقى التركيز منصبًا على تطوير طرق إنتاج قابلة للتوسع الصناعي وتقييم الفعالية والأمان في سياقات علاجية مختلفة. إن تحويل هذا الابتكار من المختبر النفسي إلى أداة علاجية يومية يتطلب تعاونًا وثيقًا بين العلماء والمهندسين والهيئات التنظيمية لضمان أن ما يعد به هذا النهج من فائدة للمريض يتحقق على أرض الواقع.

يمتد أثر هذا التطور إلى ما هو أبعد من كونه تحسينًا تقنيًا في طريقة إعطاء الدواء، إذ يعكس اتجاهًا متناميًا في الطب الحيوي نحو إعادة تصميم العلاجات بما يتلاءم مع واقع النظم الصحية والمرضى على حد سواء. فإذا ما أثبتت هذه الطريقة نجاحها في التجارب السريرية، فإنها قد تفتح الباب أمام نماذج علاجية جديدة تعتمد على الرعاية المنزلية أو العيادات المجتمعية بدل المستشفيات المركزية، ما يعيد توزيع عبء الرعاية الصحية ويمنح المرضى قدرًا أكبر من الاستقلالية.  كما أن توسيع نطاق هذه التقنية ليشمل أنواعًا مختلفة من الأجسام المضادة قد يسهم في خفض تكاليف العلاج على المدى الطويل من خلال تقليل الحاجة إلى البنية التحتية المعقدة للتسريب الوريدي. وفي سياق أوسع، قد يصبح هذا النهج جزءًا من تحول عالمي في تطوير الأدوية البيولوجية، حيث لا يُقاس نجاح العلاج بفعاليته البيولوجية فقط، بل بقدرته على الاندماج بسلاسة في حياة المرضى والأنظمة الصحية، وهو معيار يتوقع أن يزداد تأثيره في رسم ملامح الطب الحديث خلال السنوات القادمة.

.

المصادر

MIT News – A new way to deliver antibodies could make treatment much easier for patients
https://news.mit.edu/2025/new-way-deliver-antibodies-could-make-treatment-much-easier-1211

Current and emerging strategies for subcutaneous delivery of high-concentration antibody therapeutics
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0022354925003296

Targeted intracellular delivery of antibodies: The state of the art
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6207587

.

تواصل مع الكاتب: mohamedmouradgamal@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x