مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

مراقبة مياه الصرف الصحي

أداة جديدة لرصد تفشي الأمراض

الكاتب

د. سمير عبد الحميد

أستاذ مشارك في معهد التقنيات الحيوية - مصر

الوقت

09:39 صباحًا

تاريخ النشر

15, ديسمبر 2025

.

شهدت أنظمة الصحة العامة خلال العقود الماضية اعتمادًا شبه كامل على المراقبة السريرية المباشرة لرصد تفشي الأمراض، أي تسجيل الحالات بعد ظهور الأعراض وتوجه المصابين إلى المرافق الصحية. ورغم أهمية هذا النموذج، إلا أن جائحة كوفيد-19 كشفت عن محدوديته، خاصة فيما يتعلق بسرعة الاستجابة واكتشاف التفشي المبكر. في هذا السياق برزت مراقبة مياه الصرف الصحي كأداة علمية واعدة، قادرة على تقديم صورة شاملة ومبكرة عن الوضع الصحي للمجتمعات دون الحاجة إلى انتظار ظهور الأعراض أو إجراء فحوص فردية واسعة النطاق.

تعتمد فكرة رصد مسببات المرض عبر مياه المجاري على حقيقة بيولوجية بسيطة، وهي أن الإنسان يطرح في فضلاته بقايا وراثية وبيولوجية للفيروسات والبكتيريا والطفيليات التي تصيبه، سواء ظهرت عليه أعراض المرض أم لا. هذه البقايا، التي تشمل الحمض النووي والحمض النووي الريبي ومكونات خلوية دقيقة، تصل إلى شبكات الصرف الصحي حيث يمكن جمعها وتحليلها باستخدام تقنيات مخبرية متقدمة. وبهذا تتحول مياه المجاري من مجرد ناتج ثانوي للحياة الحضرية إلى مصدر غني بالمعلومات الوبائية.

نموذج حي لمراقبة مياه الصرف

في المملكة المتحدة، اتخذ هذا المفهوم بعدًا مؤسسيًا واضحًا من خلال توسيع برنامج وطني لمراقبة مياه الصرف الصحي، بحيث لم يعد مقتصرًا على تتبع فيروس واحد كما كان الحال في ذروة جائحة كورونا، بل شمل رصد أحد عشر مسببًا مرضيًا عالي الخطورة. هذا التوسع يعكس انتقال الفكرة من إجراء بحثي أو استجابة طارئة إلى أداة دائمة ضمن منظومة الأمن الصحي الوطني. وتشمل هذه المسببات فيروسات تنفسية ومعوية وبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، ما يتيح قراءة متكاملة للمخاطر الصحية المحتملة داخل المجتمع.

تلعب التقنيات الجزيئية الحديثة دورًا محوريًا في نجاح هذا النوع من المراقبة. فباستخدام تفاعل البوليميراز المتسلسل وتقنيات التسلسل الجيني، يمكن تضخيم كميات ضئيلة جدًا من المادة الوراثية وتحديد نوع المسبب المرضي بدقة عالية. كما تسمح هذه الأدوات بتقدير مستوى انتشار العامل الممرض داخل منطقة جغرافية معينة، ومتابعة تطوره الزمني، بل وحتى رصد طفرات جديدة قد تحمل دلالات وبائية أو علاجية مهمة.

عند مقارنة هذه المقاربة بالمراقبة الوبائية التقليدية، تظهر عدة فروق جوهرية. فالمراقبة السريرية تعتمد على الأفراد الذين يطلبون الرعاية الصحية، ما يعني أنها تستبعد الحالات غير المشخصة أو عديمة الأعراض. أما مراقبة مياه الصرف الصحي فهي شمولية بطبيعتها، إذ تعكس الحالة الصحية لمجتمع كامل دون تمييز. إضافة إلى ذلك، فإن هذه الطريقة أقل تأثرًا بالعوامل الاجتماعية والنفسية التي قد تمنع بعض الأفراد من إجراء الفحوص الطبية، مثل الوصمة الاجتماعية أو صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.

الميزة الأهم لهذا النهج تكمن في عنصر الزمن. إذ أظهرت الدراسات أن الإشارات الوراثية لمسببات الأمراض يمكن اكتشافها في مياه الصرف قبل أيام أو أسابيع من تسجيل زيادة في الحالات السريرية. هذا الفارق الزمني يمنح السلطات الصحية نافذة ثمينة للتحرك المبكر، سواء عبر تعزيز التوعية، أو تجهيز المستشفيات، أو توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر.

غير أن هذا التطور العلمي لا يخلو من تحديات. فربط البيانات المستخرجة من مياه الصرف بعدد الحالات الفعلية ليس أمرًا مباشرًا، إذ تتأثر النتائج بعوامل متعددة مثل كثافة السكان، وسلوكيات استخدام المياه، وحالة شبكات الصرف نفسها. كما يتطلب الأمر بنية تحتية تحليلية متقدمة وقدرات تفسيرية عالية لضمان عدم إساءة استخدام البيانات أو المبالغة في تقدير المخاطر.

على مستوى السياسات الصحية، يفتح هذا النوع من المراقبة الباب أمام تحول جذري في آليات اتخاذ القرار. فبدل الاعتماد الحصري على مؤشرات متأخرة، يمكن للجهات المعنية بناء سياسات استباقية قائمة على بيانات بيئية آنية. كما أن دمج مراقبة مياه الصرف ضمن الاستراتيجيات الوطنية يعزز مفهوم الوقاية الجماعية، ويعيد توجيه الاهتمام من علاج المرض بعد وقوعه إلى منعه قبل أن ينتشر.

لماذا تمثل مراقبة مياه المجاري تحولًا في الرصد الوبائي؟

1- يتيح رصد مسببات المرض عبر مياه الصرف الصحي تغطية مجتمعية شاملة تشمل المصابين وغير المصابين بأعراض، ما يقلل من فجوات الرصد التقليدي.
2- يوفر إنذارًا مبكرًا لارتفاع معدلات العدوى قبل انعكاسها على أرقام الدخول إلى المستشفيات أو العيادات.
3- يقلل الاعتماد على الفحوص الفردية المكلفة، ويوجه الموارد الصحية بشكل أكثر كفاءة إلى المناطق الأعلى خطرًا.
4- يدعم اتخاذ قرارات صحية قائمة على بيانات بيئية واقعية بدل الاكتفاء بالمؤشرات السريرية المتأخرة.
5- يعزز التكامل بين العلوم الحيوية والصحة العامة وإدارة المدن الذكية.
6- يفتح المجال لرصد التغيرات الجينية لمسببات الأمراض ومتابعة تطورها بمرور الوقت.
7- يسهم في تحسين جاهزية الأنظمة الصحية لمواجهة الأوبئة المستقبلية بدل الاكتفاء بردود الفعل.

يمثل توسيع برنامج مراقبة مياه المجاري في المملكة المتحدة نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف العلوم الحيوية في خدمة الصحة العامة بأسلوب مبتكر وفعّال. فهو يجمع بين البيولوجيا الجزيئية، وعلوم البيئة، والسياسات الصحية في منظومة واحدة، قادرة على التكيف مع التهديدات الصحية المتغيرة. ومع تزايد التحديات الوبائية العالمية، يبدو أن هذا النهج لن يكون خيارًا تكميليًا، بل ركيزة أساسية في أنظمة الرصد الصحي المستقبلية.

.

المصادر

– World Health Organization – Environmental surveillance and public health
https://www.who.int/teams/environment-climate-change-and-health/water-sanitation-and-health/

– Nature Reviews Microbiology – Wastewater-based epidemiology
https://www.nature.com/articles/s41370-024-00683-w

– UK Health Security Agency – Wastewater monitoring programmes
https://nsimobilewatersolutions.com/wastewater-campaign

.

تواصل مع الكاتب: drsamirabdulhamid@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x