.
حين نقرأ الطِّبَّ الرافِديني لا نقرأ “حكايةً” عن زمنٍ غابر، بل نُصغي إلى ألواحٍ مسماريّة كتبت لتستخدم: تشخيصٌ، ثم وصفةٌ، ثم تعليماتُ تطبيقٍ دقيقة. ولهذا تُعدّ النصوصُ الطبيّة في بلاد الرافدين مادّةً نادرة لكتابة تاريخ العلوم من الداخل؛ لأنّها تُظهر كيف كان المرض يُوصَف ويُفسَّر ويُعالَج في «عيادةٍ» تعود إلى آلاف السنين.
الكتاب المرجع … والمراجعة الألمانيّة
يعتمد هذا المقال أساسًا على كتابٍ أكاديميّ مفتوح الوصول صادر عن دار دي غرويتَر (De Gruyter) ضمن سلسلة:
Die babylonisch-assyrische Medizin in Texten und Untersuchungen (BAM)، وهو المجلّد العاشر منها:
Geller, Markham J. & Panayotov, Strahil V. (2020), Mesopotamian Eye Disease Texts: The Niniveh Treatise. وهو منشورٌ بوصفه مفتوح الوصول وتحت رخصة CC BY NC ND 4.0. .
ولهذا الكتاب مراجعةٌ علميّة بالألمانيّة كتبها Marvin Schreiber ونُشرت سنة 2023 في Orientalistische Literaturzeitung، وتُبرز أهميّة الكتاب ومنهجه. وتذكر المراجعة أنّ BAM 10 خُصِّص لأمراض العين، ولا سيّما للسلسلة العلاجيّة IGI ( المعروفة باسم Nineveh Treatise)، وأنّ هذا المجلّد يُقدِّم أوّل تحريرٍ كامل لسلسلة IGI بعد أعمالٍ سابقة جزئيّة (مثل نشر كوخر للنسخ الرسوميّة سنة 1980، وترجمة آني أتيّا 2015، ودراسة فينكه 2000).
وتضيف المراجعة (ويؤكّده الكتاب أيضًا) ميزةً منهجيّة مهمّة: أنّ مادّة هذا المجلّد لا تقوم على «نُسخٍ متأخّرة» فحسب، بل على مخطوطاتٍ أصليّة من مكتبة آشوربانيبال في القرن السابع قبل الميلاد، وهي لذلك ذات قيمةٍ استثنائيّة لتاريخ الطبّ القديم.
ما معنى IGI؟
IGI علامة/لوغوغرام مسماريّ يدلّ على «العين»، ويُقرأ في الأكدية īnu (أي العين). ومن هنا صار اسمًا لسلسلةٍ علاجيّة تتألّف من ثلاثة ألواح IGI 1–3، وأهمّ شواهدها جاءت من المكتبة الملكيّة لآشوربانيبال في نينوى (القرن السابع ق.م).
الألواح، المكتبات، والرسائل: بيئة “تحرير” طبيّ
لا تُقرأ ألواح IGI بمعزلٍ عن سياقها. فالكتاب يوضح أنّ معظم مادّة «تعاويذ» أمراض العين التي نعرفها جُمعت ونُقِّحت في «رسالة IGI النينويّة» على يد علماء آشوربانيبال. كما يبيّن أنّ لهذا التقليد جذورًا أقدم (من الألفين الثالثة والثانية ق.م)، ما يعني أنّ «نصوص نينوى» هي حصيلةُ نقلٍ وتدوينٍ طويلَين قبل أن تستقرّ بصيغتها الموسوعيّة.
كيف تُبنى «الوصفة»؟ ولماذا نسيء فهمها أحيانًا؟
من أكبر مزالق قراءة الطبّ القديم تحويل كل حضورٍ للتعاويذ إلى «سِحر» بالمعنى النظري الحديث. بينما تُظهر IGI أن النصّ العلاجيّ قد يجمع طبقاتٍ مختلفة داخل اللوح نفسه، على نحوٍ أقرب إلى «ملفّ علاجي» منه إلى طقسٍ منفصل.
ومن البِنى المتكرّرة في النصوص:
1- تشخيصٌ شرطيّ يبدأ بصيغة DIŠ NA / šumma amēlu… أي: «إذا كان رجلٌ…». ويذكر شرايبر أنّ IGI 1 يفتتح كثيرًا بعبارة: šumma amēlu īnāšu marṣā «إذا كانت عينا الرجل مريضة».
2- وصفة/إجراء علاجي: موادّ، تحضير، استخدام
3- فقرة معنونة بـ ÉN: تُترجم تقليديًّا «تعويذة»، لكنّ الكتاب والمراجعة يلفتان إلى أنّ كثرة هذه المقاطع قد تُقرأ بوصفها جزءًا من تصوّرات المرض وأسبابه (Etiology) داخل العلاج، لا بديلًا عن الدواء.
4- فقرة DÙ.DÙ.BI (أو KÌD.KÌD.BI): وهنا نقطةٌ محوريّة. تذكر المراجعة أنّ ترجمتها القديمة إلى «طقسه/شعيرته» تُضلِّل القارئ؛ لأنّ «طقوس» IGI لا تتضمّن أدوات الطقس الإخراجي المعتادة (مجمرة، مذبح، تماثيل…)، بل ترد فيها تعليماتٌ عمليّة لصنع عُقَدٍ من موادّ دوائيّة وربطها بالمريض، مع تلاوة النصّ المصاحب. لذلك يقترح غيلر إعادة فهمها على أنّها «تطبيقه الطِّبّي».
من هم الممارسون؟ (asû و āšipu) وحدود كلمة «السِّحر»
تُظهر النصوص أنّ عالم العلاج الرافديني لم يكن وظيفةً واحدة. وغالبًا ما يُذكر:
– asû: يميل إلى الوصفات الدوائيّة وطرائق التحضير والتضميد.
– āšipu: يُعنَى بالتشخيص وباللغة الطقسيّة وبالتعاويذ.
لكن الحدود ليست صارمة. ففي IGI 3 تظهر تشخيصاتٌ من قبيل «يد الشبح» (ŠU.GIDIM.MA)؛ وتذكر المراجعة – نقلًا عن غيلر – أنّها أقرب إلى متلازمة طبيّة منها إلى «شبحٍ حرفيّ»، ويعضد ذلك أنّ الوصفات المرتبطة بها في مواضع من IGI 3 تأتي صيدلانيّةً خالصة بلا عناصر طقسيّة.
ما الذي تقوله ألواح IGI 1–3 عن طبّ العيون؟
تلخّص المراجعةُ الألمانيّة موضوعات الألواح الثلاثة على نحوٍ كاشف:
IGI -1: يكثر فيه افتتاح «إذا كانت العينان مريضتين»، ثم يتّسع إلى حالاتٍ أعقد ترافقها مقاطع ÉN وتطبيقاتٌ تالية.
IGI -2: يميل، بحسب المراجعة، إلى وصف المظهر الخارجي لعلل العين (لحمٌ يظهر، شعرةٌ تنبت، نسيجٌ يتحرّك…) وبعض الأعراض تُسرد من منظور المريض مثل الغشاوة والضغط.
IGI -3: يذكر أحيانًا عوامل سببيّة مثل «يد الشبح»، ويضمّ وصفاتٍ عن العشى الليليّ… وتذكر المراجعة وجود موازٍ لبعضها في التلمود البابلي.
كما تشير المراجعة إلى لوحٍ يُحتمل أن يكون «الرابع» (BAM 520)، لكنّ إثباته ما يزال صعبًا بسبب ضياع مطلع اللوح وخاتمته.
خلاصة
إذا قرأنا النصّ كما هو، سنرى أنّ «التعويذة» في كثيرٍ من مواضع IGI ليست خروجًا عن الطبّ، بل جزءًا من لغته التفسيريّة: تُسمّي، وتُشبِّه، وتُعلِّل، ثم تعود إلى الدواء والتطبيق. وهكذا تُعيد لنا هذه الألواح صياغة السؤال: ليس «هل كان لديهم طبّ أم سِحر؟»، بل كيف كانت المعرفة الطبيّة تُكتب وتُدرَّس وتُطبَّق داخل ثقافتهم؟
ويمكننا القول: أنّ أهمّية دراسة الطب الرافديني في تاريخ العلوم تأتي لأنه يمنحنا “لغة الطِّبّ” في طورها المبكّر، لا بوصفها فكرة مجرّدة، بل ممارسةً مُدوَّنة.
.
المراجع:
1- Geller, Markham J., & Panayotov, Strahil V. 2020. Mesopotamian Eye Disease Texts: The Niniveh Treatise. BAM 10. De Gruyter (Open Access, CC BY‑NC‑ND 4.0).
2- Schreiber, Marvin (2023). Review of: Geller & Panayotov 2020. Orientalistische Literaturzeitung, 118(6). DOI: 10.1515/olzg-2023-0121.
3- Köcher, Franz. 1980. (نشرٌ سابقٌ للنسخ الرسوميّة ضمن BAM 6، كما تذكره المراجعة).
4- Fincke, Jeannette. 2000. (دراسة مصطلحيّة سابقة مذكورة في المراجعة).
.
البريد الإلكتروني: mmr@arsco.org
الطب في حضارات بلاد الرافدين