مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

مقاومة للظروف القاسية والملوحة وغنية بالعناصر الغذائية

شجيرة القطف الملحية

هل تكون من ركائز الغذاء العالمي في المستقبل؟
الكاتب

الصغير محمد الغربي

كاتب علمي

الوقت

09:14 صباحًا

تاريخ النشر

03, أغسطس 2025

.

في مواجهة التغيرات المناخية المتصاعدة، وتدهور التربة، ونقص المياه العذبة استنزاف مواردها، ونمو السكان، يطارد سؤال حاسم أذهان الناس: كيف سنتمكن من إطعام 10 مليارات إنسان في عام 2050؟ في حين تكافح المحاصيل الكبيرة لتحمل البيئات القاسية، بدأ نبات متواضع يجذب انتباه العلماء في جميع أنحاء العالم: إنه نبات الرُّغْل (Atriplex)، المعروف أيضا بأسماء عديدة في الوطن العربي مثل”القطف” و”القطفة” و”السرمق”.

في دراسة مراجعة مفصلة نشرت في دورية (Trends in Food Science & Technology) العلمي، قام فريق دولي من الباحثين بتسليط الضوء على الإمكانات الغذائية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية غير العادية لهذا النبات الملحي. وتظهر النتائج أن هذا النبات المنتشر في مناطق واسعة من العالم العربي، يمكن أن يصبح ركيزة أساسية في الأنظمة الغذائية والزراعية في المستقبل بفضل مقاومته للملوحة وغناه بالعناصر الغذائية وقدرته على التكيف مع الظروف القاسية.

أنواع متعددة متكيفة مع الملوحة والجفاف

عشبة القطف أو الرغل هي نبات يعيش في المناطق الملحية والجافة، ينتمي إلى الفصيلة القطيفية (Amaranthaceae)، ويوجد أكثر من 250 نوعا منه مثل الرغل الدائري  (A. nummularia) والرغل الملحي أو “القطف البحري” (A.halimus)  و”الرغل المببيض” (A. canescens) موزعة على المناطق القاحلة وشبه القاحلة في العالم مثل شمال أفريقيا وبلاد الشام وعمان وأستراليا وأمريكا وأوراسيا. أثبتت العديد من الدراسات أن هذه النباتات، التي غالبًا ما ينظر إليها كشجيرات عديمة الفائدة، هي في الواقع نماذج للتكيف بفضل قدرتها على النمو في التربة المالحة والفقيرة المعرضة لدرجات حرارة شديدة، وامتلاكها لآليات متطورة لإدارة الملح (الاستبعاد، الإخراج، التراكم)، مما يسمح لها بالنمو حيث تفشل المحاصيل التقليدية.

يمكن أن يصل ارتفاع بعض الأنواع من نبات القطف مثل “الرغل الدائري” و”القطف البحري” إلى 3 أمتار ولها أوراق غالبا ما تكون عصارية ومغطاة بشعيرات حويصلية تسمح لها بتخزين الماء وإفراغ الأملاح. تتكيف دورة إزهارها وإثمارها مع الظروف الموسمية، وتمتلك استراتيجيات فريدة لنشر البذور مما يزيد من فرص بقائها.

لا تمتلك نبتة القطف القدرة على البقاء على قيد الحياة في البيئات الملحية والجافة فحسب، بل تتميز كذلك بقدرتها على تحويل البيئة المحيطة بها، حيث أنها تعمل عند زراعتها في تربة متدهورة، على تحسين بنيتها، والحد من تآكلها وتساهم في معالجتها من التلوث، لذلك يرى الباحثون أنها تمثل من منظور التنمية المستدامة، بديلا زراعيا يتمتع بإمكانات بيئية قوية.

مناطق انتشار نبتة القطف في العالم (المصدر: دراسة المراجعة)

خصائص غذائية مميزة

إذا كانت قوة نبتة القطف تملك من القدرة على مقاومة الملوحة والجفاف ما يثير الإعجاب، فإن تثير الدهشة أيضا بغنائها بما تحتويه من عناصر غذائية مفيدة جدا للعلف أو الغذاء أيضا. وتعتبر جميع مكونات هذا النبات من أوراق وبذور وثمار صالحة للأكل وتتمتع بخصائص غذائية رائعة باحتوائها على بروتينات نباتية عالية الجودة، وألياف غذائية وفيرة، ومعادن أساسية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم والحديد والزنك والمنجنيز. كما تحتوي أيضا على الفيتامينات، وخاصة (B9) و (E)، وأحماض دهنية غير مشبعة مثل أوميغا 3، إلى جانب محتوى عالٍ من المركبات النشطة بيولوجيًا مثل الفلافونويد والكاروتينات والبوليفينول والبيتالين.

وبحسب دراسات سابقة، تحتوي بعض الأنواع من نبات القطف على ما يصل إلى 25% من البروتين، وهو مستوى مماثل لمستوى البروتين الموجود في الكينوا أو حتى أعلى منه. كما يتجاوز محتواها من الألياف، الذي يمكن أن يصل إلى 41.5 جرام/100 جرام، بكثير نسبة الألياف الموجودة في الخضروات الورقية التقليدية مثل السبانخ. لذلك فإن تناول  200 جرام من الأوراق الطازجة يغطي ما يقرب من 50% من احتياجات الألياف اليومية.

بالإضافة إلى ذلك، يتميز نبات القطف بتركيزه العالي من حمض الفوليك (فيتامين B9) الضروري لتخليق الحمض النووي والوقاية من التشوهات الخلقية.

كما تتمتع بعض المركبات الثانوية التي تحتويها النبتة بخصائص وظيفية هامة كالتأثيرات المضادة للأكسدة وللالتهابات ولمرض السكري والسمنة، والمقاومة للميكروبات، وحتى للسرطان. فقد أظهرت الدراسات أن بعض مستخلصات القطف البحري  A. halimus تثبط افراز الإنزيمات الهضمية التي تشارك في امتصاص الكربوهيدرات، مما يشير إلى دورها في الوقاية من مرض السكري من النوع 2. كما أن أصناف أخرى من القطف مثل الرغل البستاني (A. hortensis var.) الموجود في بلاد الشام، ​​الغني بالبيتالين، تظهر تأثيرات قوية مضادة للالتهابات.

ولكل هذه المزايا والخاصيات، يرى الباحثون أن نبات القطف لا يجب اعتباره مجرد طعام نلتجئ إليه عند الضرورة للبقاء على قيد الحياة، بل نبات وظيفي رائد، قادر على تلبية الطلب المتزايد على الأطعمة الصحية والطبيعية والعلاجية في المستقبل.

مورد استراتيجي للزراعة والمجتمعات المحلية

في سياق تغير عالمي للمناخ يفاقم التصحر والجفاف وندرة موارد المياه العذبة، يقول الباحثون إن زراعة القطف تمثل خيارا استراتيجيا مناسبا للمزارعين، وخاصة في المناطق القاحلة، حيث يمكن زراعة هذا النبات في الأراضي المالحة التي لا يمكن استغلالها للزراعة التقليدية، مع الري باستخدام المياه قليلة الملوحة، أو حتى المياه الناتجة عن تحلية المياه أو معالجة مياه الصرف الصحي.

وبما أن زراعة القطف لا تتطلب سوى مدخلات منخفضة وتوفر في المقابل عوائد مستقرة، فإنها تتناسب بشكل مثالي مع الأنظمة الزراعية البيئية، بالتناوب مع المحاصيل الأخرى، أو كنبات علف للماشية. وفي أستراليا والمغرب العربي والشرق الأوسط، يتم استخدامه بالفعل كعلف للأغنام والماعز، مما يحسن تغذيتها وصحتها بفضل غناه بالبروتينات ومضادات الأكسدة. كما أن أهمية النبتة لا تتوقف عند الزراعة، فقد تزايد الاهتمام العالم بالطهي المستدام بالأطعمة الصحية مثل القطف مما يمنحها مكانا على أكثر الطاولات رقيا. وقد أصبحت بالفعل مكونا ثمينا لعدد من الأطعمة بسبب نكهتها المالحة وقيمتها الغذائية الفريدة بعض المطاعم في أوروبا وأستراليا، حيث تستخدم أوراق القطف كتوابل، وتٌحوّل بذورها إلى دقيق، وثمارها إلى مربى..

وأخيرا، يمكن لنبتة القطف، وفق الدراسة، أن تلعب دورا حاسما في التنمية الاقتصادية للمجتمعات الأصلية والريفية، من خلال تعزيز قطاعات الإنتاج المحلية، والمساهمة في خلق فرص العمل وتعزيز المعرفة التقليدية والسيادة الغذائية.

التحديات نحو الاعتراف العالمي بنبات القطف كمصدر للغذاء

وعلى الرغم من كل هذه المزايا، لا تزال نبتة القطف غير مستغلة إلى حد كبير، كما يقول الباحثون، فوضعها كنبات مهمل أو “منسي” يعد تحديا كبيرا لرصد ما يكفي من الاستثمارات في البحث والتطوير لإبراز فوائدها المتعددة، ودمجها في السياسات الزراعية. في المقابل، تبرز العديد من علامات الإيجابية في اتجاه تغير نظرتنا تجاه هذه النبتة والاهتمام بها كنبات واعد على عدد من الأصعدة مثل إدراجها في قوائم “الأغذية الجديدة” في أوروبا، وإجراء التجارب والدراسات الجينية التي تهدف إلى تحسين أصنافها، وتعدد المشاريع التجريبية لزراعتها في المناطق القاحلة.

ويدعو الباحثون إلى اتباع نهج متكامل يتمحور حول تحديد الأنواع الأكثر ملاءمة لمختلف المناطق، وتحسين ممارسات زراعتها، والحد من المركبات المضادة للتغذية (مثل الأكسالات) التي تحتويها النبتة، وتوثيق تأثيراتها الصحية من خلال إجراء الدراسات السريرية. ويظل التواصل مع الجمهور العام، وفق الدراسة، أحد النقاط الحاسمة. ولكي يصبح القطف غذاء متاحا على المستوى العالمي، فلا بد من إدراجه في برامج التثقيف الغذائي، وتوعية المستهلكين بفوائده، إلى جانب تشجيع صناع القرار على إعطائه مكانا في استراتيجيات الأمن الغذائي والتحول البيئي.

ربما يكون مستقبل طعامنا هناك، بين أوراق كثيفة لشجيرة متواضعة، متجذرة في الملح… لكنها غنية بالفوائد.

.

المراجع

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
1 تعليق
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
ابوخليل الحديدي
ابوخليل الحديدي
08/03/2025 10:24 صباحًا

اشكرك

عنوان التعليق
العرق بغداد

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x