مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

حرب بيولوجية أم إرهاب بيولوجي

الكاتب

أ.د. عبد الرؤوف المناعمة

الجامعة الإسلامية بغزة فلسطين

الوقت

12:28 صباحًا

تاريخ النشر

22, يوليو 2025

.

في العام 2001 أثارت موجة من الرسائل البريدية الرعب في الولايات المتحدة وبلدان أخرى واحتوت هذه الرسائل على بودرة من أبواغ بكتيريا الجمرة الخبيثة (الانثراكس)، وكنت قد رأيت كاريكاتيرا في جريدة محلية حينها وللأسف بحثت عنه اليوم في الإنترنت ولم أجده، وسأحاول وصف هذا الرسم الذي يحمل تطرفاً فكريا ومعاداة دينية للإسلام.

وصف المشهد الكاريكاتوري:

– المكان: مختبر أبحاث ميكروبيولوجية.
– الشخصية الأولى: عالم مختبر يرتدي معطفًا أبيض ويحدق بتركيز شديد في مجهر ضوئي.
– الشخصية الثانية: زميله يقف بجواره، أيضًا يرتدي معطف المختبر ويحمل دفتر ملاحظات.
– العالم الأول وهو ينظر في المجهر): يقول بجدية أو بحيرة: لست متأكدًا من نوع الميكروب… لكنه يمتلك ملامح شرق أوسطية!”
– الزميل الثاني يبدو عليه الاستغراب أو الصدمة أو حتى الحرج، وربما يرفع حاجبيه بدهشة.
– خلفية المشهد: أدوات مختبر، أنابيب اختبار.

 الحرب البيولوجية والإرهاب البيولوجي

بالبحث في معظم الادبيات المتعلقة بهذا الموضوع نجد فروقات في تعريف الحرب البيولوجية والارهاب البيولوجي وسنورد هنا التعريفات التقليدية ثم ننتقل الى تحليل ما إذا كانت هذه المصطلحات علمية أم سياسية. المعظم يطرح بأن الفرق بين الحرب البيولوجية والإرهاب البيولوجي يكمن في السياق، والأطراف المنفذة، والأهداف، والتأثيرات السياسية والقانونية. وفيما يلي توضيح دقيق ومفصل:

تعريف كل مصطلح

الحرب البيولوجية: استخدام الكائنات الحية الدقيقة أو سمومها من قبل دولة أو جيش نظامي كجزء من صراع مسلح أو حرب تقليدية بهدف إضعاف العدو (بشريًا أو اقتصاديًا أو بيئيًا).

الإرهاب البيولوجي: الاستخدام المتعمد للعوامل البيولوجية من قبل جهات غير حكومية (مثل جماعات إرهابية) لإحداث الذعر أو قتل المدنيين أو زعزعة الاستقرار السياسي أو الاقتصادي.

مقارنة تفصيلية

التشابهات

– كلاهما يعتمد على عوامل بيولوجية (بكتيريا، فيروسات، فطريات، سموم…).
– كلاهما يسبب أذى جسيمًا أو وفيات أو شللًا اقتصاديًا/اجتماعيًا.
– كلاهما يصعب اكتشافه فورًا ويحتاج إلى تقنيات تشخيص متقدمة.
– كلاهما يمكن أن ينتشر خارج نطاق الحدود التي استخدم فيها السلاح البيولوجي
– مخاطر خروج الأمور عن السيطرة واردة في الحالتين بسبب احتمالية حدوث طفرات غير متوقعة؟

الأثر النفسي والسياسي

  • الحرب البيولوجية تُفهم ضمن سياق صراعات عسكرية، وتكون لها تداعيات دولية وقانونية واضحة.
  • الإرهاب البيولوجي يُعتبر أكثر رعبًا نفسيًا، نظرًا لاستهدافه المباشر للمدنيين، وغياب المعايير الأخلاقية أو الجغرافية أو الزمانية.

وتخلص معظم المراجع الى أن:

الحرب البيولوجية = سلاح استراتيجي في أيدي الدول
الإرهاب البيولوجي = سلاح رعب في أيدي الجماعات المتطرفة

ازدواجية التوصيف بين “الحرب البيولوجية” و”الإرهاب البيولوجي: رؤية نقدية

رغم وجود اتفاق دولي على حظر استخدام العوامل البيولوجية كأسلحة، فإن التوصيف القانوني لاستخدام هذه الأسلحة يختلف باختلاف الجهة المنفذة، في مشهد يعكس ازدواجية صارخة في المعايير. فعندما تستخدم دولة أو جيش نظامي عوامل بيولوجية كجزء من عملياتها العسكرية، يُطلق على هذا الفعل “حرب بيولوجية”، ويخضع غالبًا لقوانين الحرب الدولية، وقد يُعامل كجريمة حرب في حال تم توثيقه وإثباته وهذا أمر قد يصعب إثباته نظرا لطبيعة السلاح البيولوجي. بينما إذا قامت جماعة غير حكومية أو فرد بنفس الفعل، يُصنف مباشرة على أنه “إرهاب بيولوجي”، ويُدان دون الحاجة إلى كثير من الجدل القانوني أو السياسي.

هذه المفارقة في التوصيف لا تعكس اختلافًا جوهريًا في الأثر أو الخطورة، بل ترتبط غالبًا بهوية الفاعل ومكانته السياسية، وليس بالفعل ذاته أو بنتائجه الكارثية. إن جرثومة الجمرة الخبيثة أو فيروس الجدري لا يفرّق في فتكه بين مدني وعسكري، أو بين من ينتمي لدولة ذات سيادة أو لجماعة خارجة عنها. ومن هنا تبرز الحاجة لإعادة النظر في هذا التمييز، الذي قد يمنح بعض الجهات الرسمية غلافًا زائفًا من الشرعية، ويغفل حقيقة أن السلاح البيولوجي في جوهره هو جريمة ضد الإنسانية، سواء أطلقه صاروخ تابع لدولة، أو حمله ظرف بريدي أعده فرد.

إن العدالة الأخلاقية تقتضي أن يتم الحكم على السلاح بناءً على طبيعته وأثره ونيّة استخدامه، لا على هوية الفاعل فقط. وكل محاولة للتغاضي عن ذلك، تفتح الباب أمام شرعنة الدمار البيولوجي طالما ارتُكب باسم الدولة أو المصالح القومية. بل لا بد من وضع قيود أكبر على الدول لأنها تمتلك الإمكانيات العلمية والبنى التحتية الأكثر تطورا وبالتالي إمكانية صنع سلاح بيولوجي فتاك تكون في متناول الدول أكثر من الجماعات والأفراد. وختاما لابد من التأكيد على أنه من الناحية الأخلاقية أو الإنسانية، لا فرق جوهري بين أن تقتل آلاف الأبرياء بفيروس مصنع سواء كنت دولة أو جماعة.

إن تصنيف استخدام العوامل البيولوجية بناءً على هوية الفاعل فقط (دولة = حرب، جماعة = إرهاب) فيه تبسيط مخل ومغالطة أخلاقية، حتى وإن كان معتمدًا في القانون الدولي والسياسي.

.

.

تواصل مع الكاتب: elmanama_144@yahoo.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x