مجلة أجسر – مجلة عربية محكمة في مجال العلوم – زورو موقعنا

المياه المستدامة والأمن الغذائي لدول الخليج

كيف يمكن لإدارة المياه المستدامة أن تعزز الأمن الغذائي لدول الخليج؟
الكاتب

الصغير محمد الغربي

صحفي علمي

الوقت

04:00 مساءً

تاريخ النشر

13, يوليو 2025

.

تُمثل منطقة مجلس التعاون الخليجي، التي تضم البحرين والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الأكثر أمنا غذائيا بين الدول العربية، غير أن اعتمادها الشديد على واردات الغذاء يجعل هذا الأمن هشا على المدى الطويل. ويتفاقم هذا الوضع بسبب التحديات البيئية الكبرى، بما في ذلك المناخ شديد الجفاف، وموارد المياه الطبيعية المحدودة للغاية، والنمو السكاني السريع، والآثار المتزايدة لتغير المناخ. ويتعرض الإنتاج الغذائي المحلي لقيود شديدة بسبب ندرة المياه، حيث يستهلك القطاع الزراعي وحده أكثر من 80% من موارد المياه المتاحة، ومعظمها من احتياطيات المياه الجوفية غير المتجددة التي تُستنزف بمعدل ينذر بالخطر.

في ظل هذا الوضع، قام فريق دولي من الباحثين من قطر ولبنان ومصر وعمان من الباحثين في دراسة علمية جديدة نشرت في دورية (Environmental Development) العلمية، بتحليل منهجي شمل 64 مقالا علميا نُشرت بين عامي 2010 ومايو 2024 لتقييم أثر توافر المياه على الأمن الغذائي. ويتمثل الهدف الرئيسي لهذه الدراسة في صياغة توصيات لتعزيز الاستخدام المستدام للمياه، وتحسين الإنتاجية الزراعية، وضمان الأمن الغذائي المستقبلي في دول مجلس التعاون الخليجي.

 الوضع الراهن والتوقعات المستقبلية للأمن الغذائي

تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي حاليا بأمن غذائي مرتفع نسبيا بفضل قوتها الشرائية، مما يسمح لها بسد العجز من خلال الواردات الضخمة التي تُغطي في المتوسط 85% من احتياجات المنطقة (93% للحبوب و62% للحوم و56% للخضراوات). ومع ذلك، فإن هذا الاعتماد على الاستيراد يجعلها عرضة لاضطرابات سلاسل التزود العالمية، كما اتضح خلال جائحة كوفيد-19 . ومن المثير للاهتمام، وفق مؤلفي الدراسة، أن هذه الجائحة كان لها تأثير إيجابي على عادات الأكل في قطر، على سبيل المثال، حيث شجعت على زيادة استهلاك المنتجات الطازجة والصحية على حساب الوجبات السريعة.

وإدراكا لهذه المخاطر، طبّقت معظم دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، استراتيجيات وطنية تهدف إلى تعزيز الإنتاج الغذائي المحلي. تشمل هذه الاستراتيجيات حوافز للمزارعين واستثمارات في مشاريع زراعية مبتكرة وتنويع مصادر الغذاء. وتشير التوقعات المستقبلية إلى أن الأمن الغذائي في المنطقة سيعتمد بشكل متزايد على عوامل مترابطة كالتضخم والنمو السكاني وأسعار الطاقة وتغير المناخ. ولمواجهة هذه التحديات، تمثل الاستراتيجيات الزراعية المتطورة مثل الزراعة المائية والزراعة العمودية المكثفة، حلولا فعّالة لتحسين الاكتفاء الذاتي في ظل الظروف المناخية القاسية.

تحديات توافر المياه

بحسب الدراسة فإن ندرة المياه تعتبر التحدي الأبرز الذي يواجه منطقة مجلس التعاون الخليجي المتميزة في معظمها بمناخ شديد الجفاف وغياب الأنهار الدائمة، مع اعتمادها الكبير على مصدرين رئيسيين للمياه هما الاحتياطيات الجوفية غير المتجددة وتحلية مياه البحر. وتظهر الدراسات أن الزراعة تمثل القطاع الأكثر استهلاكا للمياه، حيث تستهلك حوالي 80% من إجمالي كميات المياه المستهلكة في المنطقة. وتصل هذه النسبة إلى حوالي 88% في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال. ويعدّ استهلاك الفرد من المياه الذي يبلغ متوسطه حوالي 550 لترا يوميا، من أعلى المعدلات في العالم.

غير أن لهذا الاستهلاك المرتفع ثمن باهظ يتمثل خاصة في الانخفاض السريع لمستويات المياه الجوفية وزيادة ملوحة المياه وتدهور جودة التربة. فقد قدّرت بعض الدراسات كمية المياه الجوفية المستخرجة في منطقة الجوف وحدها على سبيل المثال، بنحو 5.5 مليار متر مكعب عام 2015، وهو حجم يتجاوز بكثير معدلات التغذية الطبيعية. كما أن المياه التي يتم توفيرها عبر تقنيات التحلية تتميز بكلفة بيئية واقتصادية مرتفعة باستهلاكها كميات هائلة من الطاقة، وإضرارها بالنظم البيئية البحرية. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على المياه في المستقبل بمعدل يتراوح بين 6 و 7% سنويا بسبب النمو السكاني. وتشير التوقعات إلى عدد سكان المملكة العربية السعودية أكبر دول مجلس التعاون سيزداد من 33.5 مليون نسمة عام 2021 إلى 39.5 مليون نسمة بحلول عام 2030 مع تواصل نسق التوسع الحضري السريع، مما سيزيد الضغط على الموارد المائية المحدودة.

تأثير توافر المياه على إنتاج الغذاء

يقول الباحثون في الدراسة أن هناك علاقة مباشرة لا يمكن إنكارها بين ندرة المياه وانخفاض الإنتاجية الزراعية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. ويشكل استنزاف احتياطيات المياه الجوفية تهديدا مباشرا للأمن الغذائي، نظرا لأن الزراعة تستهلك النسبة الأكبر من موارد المياه في المنطقة. فعلى سبيل المثال، قُدِّرت البصمة المائية للقطاع الزراعي السعودي وحده في عام 2008 بنحو 17 كيلومترا مكعبا سنويا (86% منها تأتي من مصادر المياه “الزرقاء”)، ويبلغ حاليا 14.42 كيلومترا مكعبا سنويا.

كما تعدّ جودة المياه عاملا حاسما، حيث ارتبط استخدام المياه الجوفية المالحة، ارتباطا مباشرا بانخفاض غلة المحاصيل في المنطقة. ويعزز هذا الانخفاض في الإنتاجية الزراعية اعتماد المنطقة على الواردات الغذائية. ولمواجهة هذه الآثار، تُظهر استراتيجيات الري التكيفية إمكانات واعدة، مثل استخدام استراتيجية الري المختلط والتي أثبتت فعاليتها في تحسين محصول الطماطم وجودته.

استراتيجيات إدارة المياه والابتكارات التكنولوجية

في مواجهة عدم كفاءة أساليب الري التقليدية، لجأت دول مجلس التعاون الخليجي إلى التقدم التكنولوجي لتوفير مصادر غير تقليدية للمياه مثل تحلية مياه البحر ومعالجة المياه المستخدمة. وتبلغ اليوم طاقة تحلية المياه في المنطقة 26.4 مليار متر مكعب، وطاقة معالجة مياه الصرف الصحي 10.07 مليار متر مكعب، وهي أرقام تتباين بشكل حاد مع الموارد المتجددة من المياه السطحية في المنطقة، والتي تُقدر بنحو 4.14 مليار متر مكعب فقط.

بحسب الدراسات، فإن التكنولوجيات الحديثة لا يقتصر دورها على توفير مصادر جديدة للمياه بل يمكن أن يكون لها أيضا دورا حاسما في إدارة هذه المياه والرفع من كفاءتها. ويمكن، على سبيل المثال، لأنظمة التحكم الذكية في الري (SICS) التي تستخدم مستشعرات إنترنت الأشياء لمراقبة رطوبة التربة آنيا، ضبط جداول الري تلقائيا مع استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد ونماذج محاكاة لتقييم احتياجات المحاصيل من المياه. وتعمل تقنيات المعالجة المتقدمة، مثل تقنيتي معالجة طبقة المياه الجوفية في التربة (SAT) والترشيح النانوي، على تنويع مصادر المياه، من خلال تحويل مياه الصرف الصحي إلى مورد حيوي للزراعة. بالإضافة إلى ذلك، يجري استكشاف أساليب مبتكرة لتحسين التربة، مثل استخدام الفحم الحيوي (الكربون المشتق من النباتات)، والذي يمكن أن يزيد بشكل كبير من قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه ويقلل من متطلبات الري.

ورغم أن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي قامت بسياساتٍ متنوعة لمعالجة أزمة المياه، فإن فعاليتها ما زالت في حاجة إلى مزيد التطوير بسبب التحديات المستمرة. ويتجلى ذلك خاصة في استمرار استنزاف المياه الجوفية التي تُلبّى نسبة كبيرة من احتياجات المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، من المياه. ويتمثل أحد التحديات الرئيسية الأخرى في نقص الوعي، وجدت دراسة استقصائية 38.8% فقط من المزارعين كانوا على درايةٍ تامة بأسباب تلوث المياه الزراعية، وأن نصفهم بالكاد قد تبنوا ممارسات لإدارة جودة المياه والتربة. ومن التحديات المستمرة أيضا تفاقم الضغط على الموارد بسبب تنامي قطاعاتٍ أخرى مثل السياحة التي تُوفّر ما يقرب من 4 ملايين وظيفة (أو 14.2% من إجمالي العمالة)، وتزيد بشكل كبير من الطلب على الغذاء، مما يخلق منافسة إضافية على الموارد الشحيحة أصلا.

توصيات لمستقبل مستدام

استنادا إلى التحليل المنهجي، اقترحت الدراسة جملة من التوصيات تتمحور حول خمسة مجالات رئيسية، وتتوزع على إجراءات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.

معالجة الشواغل الاجتماعية: ضرورة إطلاق حملات توعية عامة على المدى القصير، للحث على الاقتصاد في المياه وإدارة التربة والحد من هدر الغذاء. مع وجوب وضع آليات لإشراك المجتمعات المحلية والمزارعين في عمليات صنع القرار على المدى المتوسط، لضمان تلبية السياسات للاحتياجات المحلية والتغلب على العوائق النفسية، مثل تلك المتعلقة بإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة.

استخدام الأدوات الاقتصادية: يمكن لآليات التسعير المستهدفة أن تُثبط ممارسات الري غير الفعالة. ويمكن للدعم المُصمم جيدا والقروض منخفضة الفائدة أن تشجع على المدى المتوسط، المزارعين المحليين على الاستثمار في تقنيات توفير المياه. تُعد الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية لتمويل المشاريع الزراعية واسعة النطاق على المدى الطويل.

تحسين البيانات والبحث والتطوير: من الضروري إنشاء قواعد بيانات مُحدثة وسهلة الوصول حول موارد المياه. كما ينبغي تشجيع استخدام تقنيات مثل إنترنت الأشياء لجمع البيانات بشكل فوري. أما على المدى الطويل، فيجب على الحكومات الاستثمار بكثافة في البحث والتطوير في مجالات رئيسية مثل الزراعة الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية وتطوير المحاصيل المقاومة للجفاف.

دمج الاهتمامات البيئية: يجب أن تعزز السياسات ممارسات الحفاظ على البيئة بشكل فعال، مثل الري تحت السطحي واستخدام الفحم الحيوي والزراعة العضوية. ويمكن للمشاريع واسعة النطاق، مثل تشجير الصحراء ومزارع الطاقة الشمسية ومشاريع البيوت الزجاجية، أن تساعد على المدى الطويل، في التخفيف من آثار تغير المناخ.

الاستعداد لحالات عدم اليقين المستقبلية: لمعالجة الأزمات غير المتوقعة مثل الصراعات الاقليمية والكوارث المرتبطة بالمناخ، يجب على الحكومات إنشاء فرق عمل وطنية للأمن الغذائي وتطوير أنظمة إنذار مبكر وتنويع شركائها المستوردين، مع الاستثمار على المدى الطويل، في بناء احتياطيات غذائية استراتيجية وطنية.

الدراسة أكدت على أن ضمان الأمن الغذائي على المدى الطويل في منطقة مجلس التعاون الخليجي يعتمد على تحول جذري وشامل في إدارة المياه، يشمل تعزيز الاستراتيجيات الحالية لتكون كافية للتغلب على التحديات التي يفرضها استنزاف الموارد والنمو السكاني وتغير المناخ. ويجب أن يجمع هذا التحول بين الابتكارات التكنولوجية والحوافز الاقتصادية والمشاركة الاجتماعية والتعاون الإقليمي وتعزيز الوعي.

.

المراجع

Impact of water availability on food security in GCC: Systematic literature review-based policy recommendations for a sustainable future

.

تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

الزوار الكرام: يسعدنا مشاركتكم وتواصلكم حول هذا المقال

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

license
guest
0 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

شبكاتنا الاجتماعية

  • facebok
  • twitter
  • Instagram
  • Telegram
  • Youtube
  • Sound Cloud

يسعدنا أن تشاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول هذهِ المقالة عبر التعليقات المباشرة بالأسفل أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بالمنظمة

icons
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x