الاستقلال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأمم
الكاتب : د. أنطوان زحلان
أ.د. فؤاد قاسم محد
أستاذ متمرس/ أدوية وسموم
09:14 صباحًا
21, مايو 2024
المقدمة
يُعَرَّف علم السموم بالعلم الذي يدرس السموم وعملية التسمم من جميع الأوجه. ويُعرَّف السم بكونه أي مادة تُحدِث تأثيرًا ضارًا في الجسم الحي، وقد تسبب الموت. ومعرفة ماهية المادة السامة والسمية المُحدَثَة بها ضرورية جدًا لضمان سلامة الإنسان والحيوان والبيئة التي نعيش فيها. وقد تطور علم السموم بالتواصل مع العلوم الطبية الأخرى لتقدير سمية المواد الكيمياوية التي تُحيط بنا ونستعملها في حياتنا اليومية، مع تقدير خطورة هذه المواد بشكل نضمن صحة الكائن الحي.
عناصر التسمم
لحدوث التسمم يجب توفر عناصر وعوامل عدة لتقدير حالة التسمم وعلاجها إن أمكن. إذْ يجب معرفة المادة السامة وتصنيفها، وما الكائن الحي المتسمم بها سواءً كان الإنسان أو الحيوان أو الكائنات المجهرية الأخرى، وما طبيعة الأذى الحاصل على مستوى الأنسجة والخلايا ومكونات الخلايا الدقيقة، وماهية علامات التسسم وأعراضه الظاهرة في الكائن المتسمم، وفيما اذا انتهى الأمر إلى الموت أم لا، ومن ثم يجب معرفة الدرياق الأساس إن كان متوفرًا لعلاج حالة التسمم به، فضلًا عن أدوية علاجية ساندة أخرى.
عالم المواد الكيمياوية
إن بيئتنا الحيوية مليئة بعالم من المواد الكمياوية، ويصح القول بأننا نعيش في بحر متلاطم من المواد الكمياوية التي من المحتمل جدًا أن تكون ضارة بالإنسان والحيوان والبيئة. ولتقدير أهمية مثل هذا العالم الكيمياوي، نرى بأن إجمالي أعداد المواد الكيمياوية في عاملنا الذي نعرفه يتجاوز الخمسين مليون مادة. ومن هذه المواد تم توثيق خمس وثمانون ألف مادة كيمياوية فقط ضمن قوائم وكالة حماية البيئة الأمريكية. في حين يتجاوز عدد المواد الكمياوية في الأسواق العالمية حاجز الثلاثمائة وخمسين ألف مادة، مع التأكيد بأنه كل عام تدخل حوالي ألفا مادة جديدة إلى الأسواق العالمية لإستخدامها لأغراض شتى. وقليل من هذه المواد تُختبر للسمية العصبية التي تُعد إحدى أهم أنواع التسمم في الإنسان أو الحيوان. على سبيل المثال وُجد بأن المبيدات المصممة لتكون سموم عصبية في آلية عملها، لم يتم إختبارها للتسمم العصبي بأكثر من 20% من إجمالي المبيدات المتوفرة. وهذا يدل على مدى الفجوة الواسعة بين إستخدام المواد الكيمياوية وتأثيراتها الضارة التي يمكن أن تشمل الإنسان أو الحيوان. ومن هذا المنطلق يمكن القول أن المواد الكيمياوية قيد الاستعمال تقابلها مواد لم تستعمل بعد، وهذا يستدعي إجراء دراسات سمية موسعة لهذه المواد وإن كانت مستعملة على نطاق واسع ولسنوات عديدة. ونحذر في هذا المجال المواد البلاستيكية المرمية في البيئة التي تُكوِّن ما يعرف بالحساء السام، وذلك لأنها تتكسر إلى فتات صغيرة الحجم ملوِّثة للبيئة مع تأثيرات سمية طويلة الأمد!
تطور علم السموم
لقد تطور علم السموم بشكل متقطع، ولكنه ارتبط بأحداث سمية كبيرة الأهمية مثل التلوث البيئي وما رافق ذلك من إنشاء وكالة حماية البيئة الأمريكيةEPA ، وحادثة الثاليدومايد الذي سُوِّق كمهدئ ضد الغثيان والتقيؤ في النساء الحوامل، وقد ظهر هذا الدواء في خمسينات القرن الماضي مع دعاية بأنه آمن للحوامل، ولكن الشركة المنتجة كانت مخطئة، فقد كان الدواء سامًا وله تأثيرات مسخية في الأجنة، إذْ بعد الاستعمال في النساء الحوامل ولد جيل من الأطفال بدون أقدام أو أيدي، أو مع تشوهات خلقية. وكانت الشركة المنتجة للثاليدومايد مقصرة في إجراء التجارب السمية اللازمة في حيوانات التجارب الحوامل عدا القوارض لبيان سمية الدواء أو سلامته، والتي ظهرت فيما بعد بأنه ذو تأثير مسخي في الأجنة.
بما أن علم السموم يدرس السموم والتسمم بشكل شمولي ليتضمن التأثيرات المضِرَّة للمادة السامة، فإنه يهتم ايضًا بكل ما يتعلق بالمادة السامة من الخواص الفيزيائية و الكيميائية، وطرائق دخولها للجسم، والأعراض أو المتلازمة التي تسببها و آليات تأثيرها. كما تتناول الظروف التي تظهر فيها هذه التأثيرات السامة، و طرائق معالجتها، فضلًا عن الاعتبارات الشرعية والاجتماعية لحالة التسمم. إن علم السموم هو المجال العلمي الذي يدرس أذى الجسم لغرض تحديد سلامة الإنسان والحيوان والبيئة ضمن مفهوم الصحة الواحدة One Health، باعتبار أن المادة السامة هي التي تسبب أذى الكائن الحي وبيئته، مهما كان نوع هذا الكائن.
تفاعل علم السموم مع العلوم الأخرى
يتفاعل علم السموم ويتواصل مع العديد من العلوم، نذكر منها علوم الأدوية، والأمراض، والفسلجة، والكيمياء والكيمياء الحياتية، والصحة العامة، والصحة الغذائية، والمناعة، وعلوم الأحياء والنبات، والطب، والطب الشرعي، والطب البيطري، والصناعة، والزراعة، والبيئة، وغيرها…. ومن هنا نشأت فروع عديدة لعلم السموم، نذكر فيما يأتي أهمها وهي علم السموم السريري، وعلم السموم البيطري، وعلم السموم البيئي، وعلم السموم التحليلي، وعلم السموم الحيوي، وعلم السموم التشريعي، وعلم السموم المناعي، وعلم السموم الصناعي، وعلم السموم المهني، وعلم السموم الكيميائي والكيمياء الحياتي، وعلم السموم الجيني، وعلم سموم الأحياء المائية، فضلًا عن اليقظة السمية toxic vigilance للحالات غير الاعتيادية.
تصنيف السموم
يمكن تصنيف السموم بحسب:
– الملوثات البيئية، مثل ثاني أوكسيد الكبريت، والمبيدات.
– السموم الصناعية، مثل البنزين.
– السموم التراكمية، مثل الكادميوم.
– السموم الدوائية، مثل الوارفارين.
– السموم المنزلية، مثل المنظفات، والمعقمات والمحاليل القاصرة.
ومن التصنيفات المهمة للسموم، التصنيف بحسب أعضاء (أو أجهزة) الجسم المتأثرة، مثل السموم العصبية، وسموم القلب والجهاز الوعائي، وسموم الكبد، وسموم الكلية، وسموم الجهاز التنفسي، وسموم الدم، وسموم الجهاز المناعي، وسموم العضلات، وسموم الجهاز الهضمي، وسموم أجهزة التناسل، والسموم المسخية في الجنين، وغيرها…
أنماط التسمم
يحدث التسمم بعدة أنماط ذات أهمية قصوى من الناحية الصحية والسريرية ومن الناحية التشريعية، وأهم هذه الأنماط هي: التسمم الجنائي، والتسمم الانتحاري، والتسمم العرضي. وعادةً يحدث التسمم العرضي بسبب الإهمال أو الجهل بالمواد التي يمكن أن تسبب التسمم مثل الأدوية، والمنظفات المنزلية. ومن جهة قد يحدث التسمم العرضي من الأغذية على شكل تحسس من الغذاء، كما يحدث التسمم الغذائي بسبب الفطريات، والأسماك السامة، والأكريلامايد الذي ينتج أثناء طبخ أنواع من الأغذية مثل البطاطا المقلية، أو عند تحضير بعض المنتجات الغذائية كالزيتون الأسود. ويمكن أن يحدث التسمم الغذائي من العفن، والسموم الفطرية مثل الأفلاتوكسين، والتسمم من سموم الأحياء المجهرية التي قد يحدث بشكل جماعي من الغذاء الملوث.
واقع حال المبيدات في الأسواق المحلية
بناءً على دراسات أُجريت للتقصي، مع ملاحظات ميدانية، فقد وُجد بأن الأسواق المحلية تزخر بمئات الأنواع من منتجات المبيدات التي تكون ذات مناشىء مختلفة. فضلًا عن ذلك، تتوفر علامات تجارية متعددة من المنتج الواحد. وتُشكل مبيدات الحشرات نسبة كبيرة من المبيدات المتوافرة في الأسواق. ومن الأمور التي تجلب الإهتمام والحذر هو إمكانية شراء منتجات المبيدات في بعض الأماكن بشكل مباشر من المحلات المختصة، والتي قد تُستعمل من دون أي قيد أو شرط، ومن دون إستعمال معدات الحماية الذاتية وملابس الوقاية. ونسبة قليلة من المزارعين مثلًا تستعمل ملابس الوقاية القياسية. فضلًا عن ذلك، قد تُستعمل المبيدات من دون متابعة تعليمات التحضير أو التخفيف أو الرش. وقد لايعي المستعمل نوع المبيد المستخدم في رش المزروعات، أو في علاج الحيوانات، ولاتوجد لديه أي فكرة عن المادة الفاعلة الموجودة في المنتج. كل ذلك يزيد من فرص تسمم الإنسان والحيوان والبيئة المحلية.
في مجال إستعمال المبيدات سواءً من قبل المزارعين أو المختصين، يجب الانتباه لجملة من الأمور الفنية والصحية لضمان سلامة الاستعمال حفاظًا على صحة الشخص الذي يتعامل مع المبيد، والحصول على نتائج مثمرة من الإستخدام الأمثل. في البدء تجب معرفة المادة الفاعلة للمبيد في المستحضر، وأن تكون معروفة عند الاستعمال، مع الدراية التامة بما هو مطلوب من تطبيق المبيد وكيفية تحضيره، ومن ثم التخلص من بقاياه دون الإضرار بالكائنات الحية الأخرى أو تلويث البيئة. وتوجد في المستحضر التجاري للمبيد مواد إضافية تعمل على زيادة فاعلية المبيد في المستحضر، مع مواد خاملة متعددة في ذات المستحضر. ولكن المادة الخاملة في المستحضر من الناحية العلمية وحتى القانونية لاتعني إنعدام السمية!
الإستنتاجات والتوصيات
نستخرج من هذه المعلومات والدراسات التي أوردناها في هذا المقال مجموعة من الإستنتاجات والتوصيات لضمان الإستخدام الأمثل للمواد الكيمياوية، وبالأخص المبيدات لضمان صحة أفضل وبيئة نظيفة غير مضرة بالكائنات الحية:
المراجع
– محمد، فؤاد قاسم. علاج التسمم بالمبيدات الفسفورية العضوية: مراجعة علمية. المجلة العراقية للعلوم البيطرية، 1995، المجلد 8، العدد 2: 73-77.
– محمد، فؤاد قاسم. المخاطر الصحية والبيئية للمبيدات المستخدمة في مكافحة الحشرات التي تصيب الحيواناتز مجلة الزراعة العراقية، 2004، العدد 4، 40-44.
– محمد، فؤاد قاسم، الخفاجي، نزار جبار. علم السموم البيطرية. مطبعة جامعة الموصل، الموصل، 2001.
– محمد، فؤاد قاسم، محمد، عمار أحمد ، رشيد، حسين محمد ، صالح، هشيار محمد. تأثيرات مضاد الهستامين الدايفنهايدرامين في السمّية الحادة لمبيدات الحشرات الفوسفورية العضوية والكارباميتية لمختلف الدراسات على الحيوانات: تحليل ميتا. المجلة العربية للبحث العلمي، 2023، العدد 1. https://doi.org/10.5339/ajsr.2023.1
– محمد، فؤاد قاسم. وسائل دخول السموم إلى الجسم وخروجها منه. منظمة المجتمع العلمي العربي،
تواصل مع الكاتب: fouadmohammad@yahoo.com
الكلمات المفتاحية