.
مقتطفات من حديثٍ صادقٍ ولطيف عن تجربةٍ شخصية عاشها أنطوان زحلان بكل تفاصيلها في بداية حياته في مدينته حيفا قبل النكبة؛ يرويها لنا في آخر سنوات عمره بعد أن ألبسها حكمته وعصارة فكره وتجربته.
يقول في مقدمة كتابه «العلم والسيادة»:
“كان تعاطيّ المباشر الأول مع التغير التكنولوجي عندما عرفت أن عكا كانت المدينة الأساسيّة في شمال فلسطين. كانت حصناً تاريخياً عظيماً في موقع جميل. وفي القرن التاسع عشر، وتحديداً في أثناء بناء نظام سكة الحديد، كان هنالك اقتراح أن تكون هنالك محطة للقطار في عكا، وقد عارض أولئك الذين كانوا يديرون قوافل الجمال هذه الخطوة. وهكذا انتهت سكة الحديد في حيفا. وقد أدّى ذلك إلى تدهور عكا وتقدم حيفا. وماتت عكا ببطء، وأخذت حيفا مكانها كمركز اقتصادي في شمال فلسطين.
وقد علمت فيما بعد أن مقاومة التغير التكنولوجي والاكتشافات العلميّة هي ظاهرة ثابتة بشكل عام. فمثلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت حركة الحاويات (Containerization)، قاوم حمّالو السفن في لندن وصول سفن الحاويات. وبالتالي قامت الشركات التي كانت تشحن إلى لندن ببناء مرفأ جديد في فلكستو، وهو الآن مرفأ الحاويات الأكبر في أوروبا. ولم تعد لندن المركز الأساسي للنقل البحري…».
عندما تقف فئةٌ مستفيدة في وجه الإصلاح والتطور، يبدأ التدهور، ويخسر الجميع.
وفي مكان آخر يضيف: «كان والدي وإخوته قد أسسوا شركتين صغيرتين للمياه والكهرباء، لخدمة المدينة القديمة في حيفا. وفي أواخر الثلاثينيات نجح يهود ألمان يمتلكون رساميل جيدة في أن يوفروا مياهاً بجودة عالية لحيفا وبكميات كبيرة، وكذلك محطة حديثة لتوليد الكهرباء. ولا حاجة إلى القول إن ذلك كان نهاية محاولة والدي أن يتبنى التكنولوجيات الجديدة، ودرساً في المنافسة».
إن اشتراط الجودة العالية، وسدّ الفجوة التكنولوجية، وامتلاك المعرفة، ومتابعة التطور وما يجري في العالم؛ شروطٌ أساسية للدخول في المنافسة والسيطرة الاقتصادية. لا يكفي أن تشتري التكنولوجيا وتستوردها؛ بل يجب أن تكون جزءاً من تطويرها وإنتاجها وعالمها. فمع وفرة المعروض سيختار الناس الأجود والأفضل، ومن أراد المنافسة فعليه أن يحقق لهم ذلك.
في هذين الموقفين تتجلّى أهمية الوعي والثقافة العلميّة: أهمية العلم والجودة، وأهميّة بناء الإنسان.
.
تواصل مع الكاتب: mmr@arsco.org
اقرأ أيضاً:
1- فلسطين قبل النكبة
2- نظرة على الجانب الفلسطيني
3- مقاومة التغير التكنولوجي (أنت هنا)
4- القدرات الصناعية