الكاتب : د. أحمد شاكر علي
أستاذ مشارك في علم الأدوية - كلية الطب / جامعة الملك عبد العزيز
03:10 مساءً
03, ديسمبر 2020
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين الذي ما أنزل من داء إلا وأنزل له شفاء، ودلّ عباده على الأخذ بالأسباب ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾، مع التوكل عليه وحده ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين والصحابة أجمعين وبعد.
يُعرف الفيروس المسبب لمرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19) باسم فيروس المتلازمة التنفسية الحادّة الوخيمة كورونا 2 (سارز كوف 2). في مارس/آذار 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها صنّفت مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19) كجائحة. حيث انتشر في معظم دول العالم وأصاب الملايين وأدّى إلى ما يزيد عن مليون حالة وفاة. ويعدّ مرضاً فيروسياً سريع العدوى يصيب الجهاز التنفسي، مسبباً في الحالات الشديدة منه التهاباً رئوياً مصحوباً بمضاعفات تشمل كافة الأجهزة الحيوية في الجسم. وقد تؤدي للوفاة.
يتكاثر الفيروس المستجد بسرعة عالية، والمكان الأول له هو الجهاز التنفسي وخاصة الحويصلات التنفسية، ويتكاثر داخل الخلايا بعد دخوله إليها من خلال آليات معينة. حيث يستخدم الفيروس البروتين (S) الموجود على سطحه لكي يرتبط بمستقبِلات معينة موجودة على غشاء الخلية المضيفة (خلايا الرئة) وغيرها، وهذه المستقبلات تسمى مستقبلات الأنجيوتنسين 2 "ACE2"ويُمكِّن ذلك الارتباط الفيروس من دخول الخلية. داخل الخليّة تتحرر مادّته الوراثيّة على شكل RNA، وتبدأ آليّات الخليّة في إنتاج المزيد من ال- RNA وبروتينات الفيروس لتكوين نسخ كاملة من الفيروس. تنتقل النّسخ الجديدة إلى الحافّة الخارجيّة للخليّة، للخروج منها لإصابة خلايا جديدة. يمكن لكلّ خليّة مصابة إطلاق ملايين النّسخ من الفيروسات قبل أن تتحلّل في النّهاية وتموت.
الخبرة السابقة مع عدوى الجهاز التنفسي بالميكروبات المعدية تؤكد أنه بالنسبة للمضادات الحيوية ومضادات الفطريات ولكي تكون الأدوية فعّالة ضد الإصابات في الجهاز التنفسي يجب أن تصل لمكان عملها في أنسجة الرئة بتركيز فعّال.
ما المقصود بالتركيز الفعال؟ هو التركيز الذي يوقف تكاثر الميكروب في المزرعة البكتيرية في الأنبوبة (المختبر) بمعايير معينة، التركيز الذي يثبط 50 % يرمز له بالرمز (ت ف 50 %).
ما هي معوقات وصول الدواء لأنسجة الرئة؟ من المعلوم أن الدواء إذا ارتبط ببروتينات الدم يصبح غير قادراً على الدخول إلى داخل الخلايا، وبالتالي يدخل الجزء الحر منه فقط، وقد يكون التوافر الحيوي ضعيفاً أو أن يتحلل الدواء سريعاً في الكبد أو الدم فلا يصل بالتركيز الفعّال.
مراحل اعتماد الأدوية للاستخدام لعلاج الأمراض لدى الإنسان:
إن تصنيع أي دواء نوعي لفيروس قد يستغرق اكتشافه أكثر من عشر سنوات. حيث يمر بمراحل متعددة تستغرق عدة سنوات، من اكتشاف الفاعلية وبعض الخواص في الأنبوبة (المختبر)، إلى تجارب ما قبل الإكلينيكية في حيوانات التجارب، ثم إجراء الدراسات السريرية المحدودة ثم على نطاق أوسع، وإذا مر بكل هذه المراحل وثبتت فاعليته وأنها تغلب الآثار الجانبية له، حينئذ فقط يُعتمد الدواء.
لكن، في ضوء خطورة الإصابات بفيروس كورونا ونسبة الوفيات العالية وتأخر تصنيع الفاكسين، دعت الحاجة إلى إيجاد أدوية عاجلة تعالج أو تخفف من حدّة الإصابة بهذا الفيروس الخطير، لذلك قام الباحثون بترشيح عدداً من الأدوية المعروفة والتي لها تاريخ في معالجة فيروسات مشابهة.
استخدام الأدوية في علاج كوفيد 19
نظراً لمفاجئة المرض وخطورته، اضطر العلماء إلى ترشيح أدوية ضد الفيروس على عُجالة بناء على معايير ابتدائية، ولم تمر معظم الأدوية بالتحليل العلمي أو المراحل التي ذكرناها، ونلتمس لهم العذر. ولكن الآن وبعد مرور عام وجب أن نراجع ملفات هذه الأدوية لنتعلم من الأخطاء إن وُجدت.
وقبل الدخول في بعض التفاصيل نذكر أن ملف أي دواء يشتمل على خصائص لابد أن ينظر إليها جميعاً لتحقيق الاستخدام الأمثل له. وهذه السمات هي:
وسنأخذ مثالاً بشيء من التفصيل ونشير لأدوية أخرى إشارات سريعة منعاً للإطالة..
اللُّوبينافير مع الرِّيتونافيرLopinavir/ Ritonavir
ونظراً لأن الأجزاء الجينية لفيروس سارس كوفيد 2 ( (SARS-CoV-2شبيهة بأجزاء تكوينية داخل فيروس الإيدز، كما أنّ آلية الاستنساخ الجيني التي يقوم بها فيروس الإيدز للتكاثر في الدمّ شبيهة بآلية الاستنساخ الجيني لفيروس كورونا المستجدّ، فقد رُشّح هذا الدواء للاستخدام لعلاج كوفيد-19. كما أشارت التجارب الأولية في المختبر ضد فيروس سارس كوفيد 2 فعالية الدواء بتركيز 17 ميكروجرام لكل مل، (ت ف 50 %).
النتائج السريرية
نُشرت العديد من الدراسات التي تؤكد عدم فاعلية الدواء بمفرده، وبعض النتائج للتحسن من المرض كانت مع أدوية أخرى، وهي تجارب لا تعني فاعلية الدواء، بل على العكس، فقد أشارت دراسة لتفاقم المرض باستخدام هذا الدواء، وعلى ذلك، أوقفت منظمة الصحة العالمية دعمها لاستخدام الدواء.
الخلاصة
إن الفهم العميق والتكامل بين ديناميكية الدواء وحركته يؤدي للاستنباط المبكر بفاعلية الدواء من عدمها في التجارب السريرية، كما يساعد على فهم التضارب الحاصل في النتائج السريرية.
الرسالة الأخيرة، أهمية تعزيز التواصل بين الاستشاريين الممارسين لعلاج المرضى وبين الأكاديميين، فالفريق الأول يرى المريض والفريق الآخر يرى المرض على المستوى الجزيئي، والتكامل بينهما مطلوب للاستخدام الأمثل للأدوية.
شكر
نشكر سعادة أ.د. منصور ابراهيم سليمان، أستاذ علم الأدوية بكلية الطب جامعة الملك عبد العزيز (سابقا) على تفضله بملاحظات قيّمه، والزميل د. ابراهيم أيوب (استاذ مساعد)، وطلاب الدكتوراه حمود السمحان وحنين الجهني بقسم علم الأدوية بكلية الطب جامعة الملك عبد العزيز على جمع المادة العلمية.
البريد الإلكتروني للكاتب: profahmedali@gmail.com
الكلمات المفتاحية