هذا اليوم في تاريخ العلوم – 29 يونيو/حزيران
الكاتب : الصغير الغربي
الكاتب : د. موزة بنت محمد الربان
رئيس منظمة المجتمع العلمي العربي
04:01 مساءً
17, أكتوبر 2017
مقدمة
إن الفقر يمكن القضاء عليه في الظروف الطبيعية إذا وُجدت الإرادة الصادقة والتخطيط السليم. فكم من الدول في عالمنا المعاصر، كسنغافورة مثلاً، كانت فقيرة، وأصبحت من الاقتصادات القوية، وقد تغيّر وضع مواطنيها من الفقر المدقع إلى الغنى والحياة الكريمة.
وفي يومنا، تسعى الكثير من المؤسسات الدولية والخيرية لتقديم المساعدات، من طعام وكساء للفقراء في العالم، أو تقديم مساعدات على شكل مشاريع صغيرة للفقراء. وأعلنت الأمم المتحدة أن القضاء على الفقر هو من أهم أهدافها، وقد خصصت يوم السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام يوماً عالمياً للقضاء على الفقر. كل هذا جهد مشكور ومقدّر، ولكن مثل تلك المساعدات وحدها لا تكفي كما هو بادٍ. فالأرقام عن الفقر حقيقةً أرقام مخيفة. فبحسب تقرير البنك الدولي، عام 2016، هناك حوالي 767 مليون شخص يعيشون على أقل من 1.90 دولاراً في اليوم (1). وعدد الفقراء في الواقع هو أكبر من ذلك الرقم بكثير، إذا نظرنا إلى تعريف الفقر على أنه عدم القدرة على الحفاظ على المستوى الأدنى من المعيشة، أخذاً بعين الاعتبار الحياة العصرية وما فيها من تعقيدات العيش.
وإننا نرى أن توطين العلم في المجتمع الفقير مهمٌ، بما سبق من أمثلة في التاريخ، لكي ينهض بعون الله من الفاقة إلى الاستغناء وحتى العطاء. وسياستنا في هذا الإطار تقوم على البناء على ما هو موجود، وعلى الاعتماد على الذات، وخططنا ومشاريعنا تُبنى على:
وهناك قصة ملهمة وردت في كتب السنة (2) تلخّص ما سلف، وفيها الكثير من العبر، وهي:
أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ ألَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ، قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي به. عندما جاءه بالقدوم شد النبي بيده الشريفة عليه عصا، وقال: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا ثُمَّ قَالَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ دَمٍ مُوجِع (3).
هذه قصة عظيمة، فذاك الرجل الفقير كان يملك قدرات، كان يملك قوة جسدية وإمكانيات مادية، ولكنه يفتقر للتخطيط وحسن التدبير، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يتصدق عليه لأنه رأى فيه تلك القدرات، فطلب منه أن يجمع إمكانياته ويؤسس لمشروع إنتاجي. ثم ساعده، كممثل للسلطة، في استكمال أدواته (شد العصا)، وهذه معرفة تقنية تعلمها الرجل بمساعدة خبير. وقد تحول الرجل بعد ذلك من متسولٍ إلى رجل مستغنٍ مادياً ومعنوياً. وقد كان بالإمكان التصدق على هذا الفقير بمبلغ من المال، ولكن هذا المبلغ سيستهلك في يومه، وسيعود الرجل في الغد متسوّلاً، وهذا ليس حلاً ولا يليق بكرامة الإنسان، وقد بين عليه الصلاة والسلام أن المسألة لا تصلح لمن لديه القدرة على تجاوز الحاجة والفقر. كما أننا نستلهم من تلك القصة، أن المشاريع الاستراتيجية الإنتاجية يلزمها وقت وصبر لتثمر. فمن هذا التوجيه النبوي بنينا رؤية للقضاء على الفقر بتوطين العلم في المجتمعات الفقيرة، وبناء القدرات فيها، والاعتماد على الذات، وليس فقط بالمساعدات والصدقات.
واليمن، هذا الجزء العزيز من جسد الأمة العربية والإسلامية، كان يلقّب بالسعيد لوفرة الخيرات فيه، وقامت فيه حضارات. ولكن اليمن يعاني اليوم من الخوف والجوع والمرض، ويعتبر من أفقر دول العالم، رغم إمكانياته الهائلة، في الأرض والبحر والموقع المتميز، وفوق هذا كله، إن عدد السكان معظمهم من الشباب وفيهم الذكاء الفطري.
للأزمة الإنسانية في اليمن جوانب متعددة، منها انتشار الأمراض وتهالك المشافي وضعف الكادر الصحي والأجهزة الطبية والأدوية، وإن انقطاعات التيار الكهربائي سببت شللاً في حركة الاتصالات والمصانع والمشافي. وكذلك الأزمة الخانقة في المشتقات النفطية شلّت حركة المولدات والاستخدامات المختلفة. كما سببت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية الضرورية. وفوق هذا كله، مع الحسرة، هناك انقطاعات متكررة في المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية بضعف شديد في الوسائل التعليمية والمستوى العلمي. كل هذا وأكثر لا يخفى ما يترتب عليه من انعكاسات اجتماعية واقتصادية، مما يستلزم وقفة جادة وفورية لمساعدة هذا الشعب المنكوب، وليس فقط تقديم المساعدات الإغاثية.
من فضل الله، إن اليمن فيه مؤسسات تضم الكثير من الإمكانيات البشرية والمادية والمعنوية وفيه خبراء. وكذلك يوجد هناك عدد كبير من الجامعات والمعاهد وجمعيات المجتمع المدني، بالإضافة إلى المؤسسات الخاصة والعامة، فهناك حاملو الشهادات العليا وهناك الباحثون والمهندسون والأطباء وعلماء الاجتماع وغيرهم. كما توجد دراسات كثيرة، وقد كتبت تقارير بهدف التنمية في مختلف الميادين من داخل اليمن ومن مؤسسات وهيئات عربية ودولية، ولكن للأسف، معظمها لم تُطبّق ولم يُستفد منها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يمتلك اليمن إمكانيات كبيرة ومتنوعة في الأرض وطبيعتها والمناخ ما يؤهلّه لإعادة الزراعة لسابق عهدها، وكذلك في البحر لإعادة الإنتاج في الثروة السمكية.
البداية من حضرموت
وبعد، فقد رأينا أن نبدأ بمحافظة واحدة نعتبرها نموذجاً يمكن تكراره في المحافظات الأخرى. وهذا ما قمنا به بالتعاون مع جامعة حضرموت في المكلا بعد إبرام اتفاقية بين الجامعة ومنظمة المجتمع العلمي العربي عام 2016. وأسسنا معهم جمعية حضرموت العلمية الزراعية، لتكون حلقة وصل بين الجامعة وقطاع الزراعة الواسع، بما يشمله من بستنة وتربية مواشٍ ودواجن وإدارة للمياه واستصلاح للأراضي، وللقيام بالتدريب والتوعية وجمع المعلومات ونشرها، وغير ذلك.
تعتبر حضرموت من أكبر المحافظات اليمنية، كما أنها تمتلك الكثير من الإمكانيات البشرية والمادية، وفي استقرار نسبي، لذا اخترنا أن تكون البداية منها، ورؤيتنا كانت أن نبدأ بتطوير القطاع الزراعي وقطاع الثروة السمكية وما يرتبط بهما مثل المياه النقية والطاقة، والصحة والتعليم وبناء القدرات.
ولتوضيح الفكرة، هناك أراض زراعية ومزارع في المحافظة، يقوم عليها الفلاحون غالباً بوسائل تقليدية فيها هدر لمياه الري، واستخدام الكثير من الأسمدة الكيميائية والمبيدات، مما يؤثر على صلاحية التربة وجودة المنتج والصحة العامة وتلوث المياه الجوفية. وبعد الحصاد، يتلف الكثير من المحصول بسبب عدم توفر وسائل التخزين والنقل المناسبة، وكذلك التوزيع والتصدير، والنتيجة حقيقةً تكون قلة المردود المادي للزراعة، مما يؤدي بشكل صريح إلى عزوف الشباب عن الزراعة وتفضيلهم للوظائف في المدن. ومثل ذلك يقال في قطاع صيد السمك. ولكننا سنركز هنا على القطاع الفلاحي لغرض الاختصار. وهاكم أهم النقاط:
ربما يظن القارئ الكريم أن مثل هذه المنظومة الإنتاجية بعيدة المنال أو مستحيلة التحقّق، ولكنه للحق، والحق يقال، إن مثل هذه المنظومة موجودة في معظم البلاد وهو أمر بات عاديّاً، في البلاد المتقدمة وغيرها. ومن أهداف المنظمة، وما هو متضمَّن في سياستنا المذكورة سالفاً، والمستلهمة من قصة الرجل الفقير مع الرسول صلى الله عليه والسلم، هو إزالة ذلك الحس باليأس، الحس المحبِط والمعيق للتحرّك. ويظهر من هذا المثال المصغّر، أن تطوير قطاع مثل الزراعة يعني تطوير قطاعات عدة في نفس الوقت وهذا ما كنا كذلك نقصده بمبدأ “العنقودية”. ولكي تقوم الجامعة بدورها، يجب دعم تطوير المكتبة والخدمات الإلكترونية وتطويرالمختبرات ورفع مستوى الباحثين والأساتذة وإتاحة الفرصة لهم لمزيد من الدراسات والمشاركة في المؤتمرات العالمية والتعاقد مع أساتذة متميزين من الخارج.
وللتأكيد، فهذه الرؤية ليست صعبة التنفيذ، ولا تتطلب الكثير من المال بقدر ما تتطلب الإيمان والإرادة لتحقيقها بكل صدق وشفافية، وبعيداً عن الفساد. وقد بدأت بها منظمة المجتمع العلمي العربي، وقد لاقت استجابة طيبة من جامعة حضرموت، وعدد من مؤسسات المجتمع المدني في حضرموت، وعلى رأسها مؤسسة العون. وإن الباب مفتوح لكل من يريد أن يجعل له بصمة وأثراً طيباً في أرض اليمن، لتدور عجلة الإنتاج والتوظيف.
الدوحة، تشرين الأول 2017
المقال بصيغة PDF للقراءة والتحميل أعلى الصفحة
.
البريد الإلكتروني للكاتب: mmr@arsco.org
الكلمات المفتاحية